ندوة عن حماية الأطفال من التزويج المبكر

الــــــســــــابــــــق
الـــــــــلاحـــــــــق
A+

عقد مركز "فينيكس" للدراسات اللبنانية وكلية الفلسفة والعلوم الإنسانية والمعهد العالي للعلوم السياسية والإدارية في جامعة الروح القدس - الكسليك ندوة بعنوان: "حماية الأطفال من التزويج المبكر"، شارك فيها النائب إيلي كيروز، الشيخ الدكتور مالك الشعار، الشيخ عباس الجوهري، المطران حنا علوان، الدكتورة كارولين سكر صليبي والدكتورة ليا صوايا وصاف، وأدارتها الدكتورة ميرنا المزوق، في قاعة جان الهوا، في حرم الجامعة الرئيسي في الكسليك.

انعقدت الحلقة الأولى من الندوة وتحدث فيها الشيخ مالك الشعار الذي عرض في البداية لمقدمات حول "هذا الموضوع القديم الجديد الذي شغل ولا يزال يشغل أدمغة أهل الفكر والسياسة والدين لأنه يمثل تكوين العائلة والأسرة التي هي اللبنة الأساسية من لبنات بناء المجتمع، لا بد من مقدمات حتى نستوعب كل ما له علاقة بهذا الموضوع وسبب ما طرأ عليه من تغير وتبديل عبر العصور والأزمة والأمكنة. فالموضوع هام وأساسي وليس طارئا على الإطلاق".

وأكد أن "الإسلام قد أولى قضية الزواج الديني اهتماما بالغا، فهو ابتداء أمر به لأنه السبيل الوحيد لاستمرار اللون البشري. فالإسلام قد أمر به وحض عليه وتناول كل ما له علاقة به، من حيث الشروط والأركان والواجبات والمستحبات. كذلك فلقد تناول الإسلام مواصفات الزوجين. وتناوله من حيث الإيجاب والقبول. ولم تعرف البشرية مثل هذا العطاء النوعي الذي أولاه الإسلام للمرأة، لقد كانت المرأة قبل الإسلام تارة توهب وتارة تباع. الإسلام جاء وجعل لها كياناً وأناط مستقبلها بيدها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "البكر تستأذن (أي تؤخذ موافقتها) ولا تزوج بدون رأي". صحيح أن حديثا عن النبي عليه الصلاة والسلام، جاء فيه ما نصه "لا نكاح إلا بولي"، إلا أنه بحسب جمهور الفقهاء لا نكاحا كاملا مطابقا لكل السنن إلا بوجود الولي. لكن لو أن تصورنا أن فتاة جاءت وعقدت قرانها بنفسها دون ولي أمرها فالفقه عندنا أن زواجها صحيح، لأن المرأة أعطيت حق إجراء سائر العقود فمن باب أولى أن تمارس العقد الذي له علاقة بمصيرها ومستقبلها وزواجها. ثم جاء القرآن الكريم ليبين لنا المناخ العام والإطار الذي ينبغي أن يعيش الزوجان في كنفه".

أضاف: "قال علماؤنا إن الزواج من مفردات القيم أكثر من كونه من مفردات الجسد والمادة والغريزة لأن ديمومة القيم تحفظ بقاء الزوجية وقيام الأسرة. لذلك جاء في الحديث النبوي الشريف: خيركم لأهله. كل هذا كما أكد أن "استمرار قيام الأسرة والزوجية إنما يقوم على أصالة الطرفين. من هنا قال النبي: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" فالإسلام إذا أولى كل ما له علاقة بالزواج بعناية كاملة وكثيرة هي الأحكام التي قررها الإسلام في الزواج من حيث الحقوق والواجبات، الذي يتحدثون عن الزواج وعن الأسرة وعن التفاوت اقرأ عليهم آية من القرآن يقول فيها ربنا عز وجل: "ولهن مثل الذي عليهن" أي النساء لهن من الحقوق حقوق مثل الذي عليهن من الواجبات. ماذا تريد الزوجة والمرأة أكثر من أن تماثل وتساوي في الحقوق والواجبات، مثل الذي عليها، ما من واجب عليها إلا ويقابله حق لها، كثيرة هي الاحكام التي قررها الإسلام للزوجين في إطار الحقوق والواجبات".

تابع: "كل هذه المقدمات للوصول إلى زواج القاصرات، وحيدة هي قضية السن الذي لم يتطرق الإسلام إليه، لو جاء الإسلام بنص شرعي لتحديد السن لكان انتهى الكلام. فنحن قوم نلتزم بديننا، إلا أن الإسلام ترك قضية السن تتغير بتغير الزمان والمكان والإنسان. لذلك يقول العلماء بأن قضية السن هي في مساحة المباح. نحن في فقهنا الإسلامي، عندنا ثلاث منطلقات: المأمورات والمحظورات والمباح. وأعني بالمأمورات أنه ينبغي علينا أن نقوم بكل التكاليف الدينية الشرعية أي الصلاة، الصوم والحج أما المحظورات فهي المحرمات. وما لم يرد ذكره لا في المأمورات ولا في المحظورات هو في إطار المباح. فالمباح هو بحر لا نهاية له يتناول كل ما لم يرد به نص بالأمر أو بالنهي".

وختم: "قضية السن هي جزء من هذا المباح. لم ينه الإسلام عن الزواج المبكر. رغب به لمن يملك الباءة القدرة، القدرة في أن يتزوج وينجب والقدرة التي تتناسب مع الزمان والمكان حسب تغير الأزمنة والأمكنة. في هذا العصر تتغير قضية الباءة عن عصور مضت. السن وحده لم يتطرق الإسلام إلى تحديده في قضية الزواج فتركه مطلقا من إطار المباح والبلوغ يختلف أيضا من بلد الى بلد وتختلف الأعراف أيضا. ثقافة الأمم والشعوب التي هي جزء أساسي من التحضر وتكوين الحضارات لأي المجتمع تختلف بين مجتمع وآخر وتارة تتغاير. أضف إلى ذلك متطلبات الحياة ومقتضياتها كل ذلك يفرض بنفسه على قضية تحديد السن من بلد إلى بلد. نحن في فقهنا الإسلامي نعطي قواعد. القاعدة الأولى أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والإنسان. فضلا عن أن كل ما ورد من زواج القاصرات، سواء في تاريخنا الإسلامي أم قبل الإسلام كان في إطار القاعدة الشرعية التي تقول "الأصل في الأشياء الإباحة"، لا أستطيع أبدا ان أقول أن من تزوج فتاة عمرها 12 أو 13 أو 15 سنة و قد ارتكب حراما أو جريمة لأنه يعيش ضمن إطار الأصل في المباح. وولي الأمر هنا هو الذي يعود على أهل الحل والعقل ضمن قواعد تحقيق المصلحة وسد الذرائع ودرء المفاتن وهذه كلها قواعد شرعية تتصل بالأحكام عامة وبالمباح خاصة. القاعدة الشرعية عندنا أن الضرورات تبيح المحظورات".

وتابع: "إن الذي يحق له ان يقرر هو ولي الأمر كما ذكرت وإن مهمتنا أن نعرض القواعد والأصول والغاية المرجوة من الزواج بل أكثر من ذلك ان نفصل أقوال الفقهاء وتفصيل قواعدهم وآرائهم ونعلن قبل ذلك وبعده أن تحديد السن يعود إلى ولي الأمر وليس إلى سواه. زواج القاصر أو القاصر المفهوم منه ابتداء من كان دون سن البلوغ في فقهنا الإسلامي. والسؤال هل تبقى الفتاة قاصرة إذا تزوجت بعد سن البلوغ والى أي سن يعود نهاية سن القاصر؟ فهو في معظم العالم العربي تونس المغرب مصر وسوريا والأردن بين 17 و18 عامًا وهذا مأخوذ من أيام صدور حقوق العائلة من أيام الدولة العثمانية في تركيا حيث حددوا أن سن القاصرة ينتهي في 17 من عمرها والقاصر في 18 من عمره. وأظن أن هذا نفسه في القانون اللبناني".


وختم: "هناك مذهب آخر في فقهنا الإسلامي يتقدمه العلامة ابن شكر وآخرون يعتبرون أن زواج القاصرات أو القصر باطلا. ففي هذه القضية لا يحق لفريق أن ينكر على فريق إلا في سياق بعض الحيثيات والأدلة التي تؤيد رأيه ويحسم الموضوع ولي الأمر أولا وآخرا".

وألقى المطران علوان مداخلة بعنوان: "موقف الكنيسة من حماية الأطفال من التزويج المبكر"، مشيرا إلى "أن موقف الكنيسة ينطلق من الإنجيل الذي يحدد مبادئ عامة نلتزم بها، أذكر منها 3 مبادئ مهمة لها علاقة بموضوعنا: أولا: احترام الشخص البشري واحترام الحياة، ثانيا: الكنيسة تحمي الطفل القاصر وتجزي المعتدين، وثالثا: الزواج في الكنيسة هو سر مقدس".


ثم تطرق إلى موضوع الشرع الكنسي لافتا إلى أن "البند الأول من القانون الرقم 800 ينص على أنه لا يسع الرجل قبل تمام السادسة عشرة من عمره ولا المرأة قبل تمام الرابعة عشرة من عمرها الاحتفال بالزواج على وجه صحيح. أما البند الثاني من القانون عينه فينص على أنه يعود للشرع الخاص بالكنيسة المتمتعة بحكم ذاتي تحديد سن أكبر للاحتفال بالزواج على وجه جائز".

وعن موقف الكنيسة في موضوع الزواج المبكر، لفت إلى "أنها ضده للأسباب التالية: قد يكون باطلا بسبب عدم نضوج القاصر وعدم التمييز الصائب وعدم إدراكه لماهية الزواج ولأهمية الخطوة التي يخطوها قد يكون باطلا بسبب الإكراه والخوف الاحترامي، أو بسبب عدم صدوره عن إرادة الشخص نفسه. ومن الأسباب أيضا أنه قد لا تكون الفتاة مهيأة فيزيولوجيا ولا نفسيا، ولأن زواج القاصرين يمنعهم في غالب الأحيان من متابعة الدراسة والتثقيف مما يجعلهم عرضة لصعوبات في العيش في المجتمع اليوم".

ثم دارت الحلقة الثانية من الندوة وألقى فيها بداية النائب إيلي كيروز مداخلة بعنوان: "التزويج المبكر للأطفال بلاء كبير". وعرض في مستهلها لظاهرة التزويج المبكر وتحديده، مؤكدا أنه "لا يقتصر على لبنان، كما لا يقتصر على المجتمعات العربية، بل يشكل ظاهرة عالمية، وهو بكل بساطة بلاء كبير. إنه التزويج الذي يتم قبل سن الثامنة عشرة أي سن الرشد عالميا. ويشكل هذا التزويج انتهاكا بحق النساء وممارسة تحرم الفتيات من حقهن في طفولة كاملة وآمنة. فمن حق الفتاة أن تتمتع بطفولة كاملة لا أن تعيش الأمومة في عمر الطفولة".

وعن اقتراح القانون، لفت النائب كيروز إلى "أن التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني أعد مشروعا لحماية الأطفال من التزويج المبكر. لقد أردت أن أحول المشروع الى اقتراح قانون ودخلت في نقاش مع التجمع ليأتي الاقتراح انعكاساً لموقفي وقناعتي الشخصية"، معددا "أبرز مميزات الاقتراح ومنها أنه يعرف الطفل بأنه الإنسان الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره بشكل يتماشى مع اتفاقية حقوق الطفل ومع المادة 240 من قانون العقوبات اللبناني. كما يحدد سن الزواج بثماني عشرة سنة على كل الأراضي اللبنانية تماشيا مع السن القانونية للزواج عالميا، ويجعل سن الزواج متساويا بالنسبة للمرأة والرجل، ويلغي الاستثناءات التي تفتح مجالا واسعا للمخالفات كما هو واضح في كل قوانين الأحوال الشخصية في الدول العربية، ويؤكد على حظر زواج الأطفال ويشدد على العقوبات بحق كل من يقوم بتزويج الأطفال".

واعتبر "أن هذا الاقتراح يأتي انسجاما وتوافقا مع الأسباب الموجبة التالية: أولا: في مقدمة الدستور اللبناني، وقانون أصول المحاكمات المدنية، ثانيا: في الاتفاقيات والتوصيات الدولية، ثالثا: في القانون اللبناني، رابعا: في حق الطوائف والنظام العام، خامسا: في حق الدولة في تنظيم حياة المواطنين".

وفي الختام خلص إلى أن "الاقتراح يهدف الى استعادة إنسانية الإنسان ويحث لبنان على الالتزام بأهداف التنمية المستدامة 2030 في الهدف الخامس الذي ينص على ضرورة القضاء على تزويج الأطفال".

غــــــــرد تــــــــعــــــــــــلــــــــيــــــــقــــــــك

إقــــــرأ أيــــــضــــــاً