القرار اتُخذ والحرب فُتحت... والهدف؟

الــــــســــــابــــــق
الـــــــــلاحـــــــــق
A+


من جريمة جورج الريف مروراً بروي حاموش وصولاً الى ريبيكا دايكس وقبلهم كثر، أساليبُ متنوّعة للجرائم ودوافعُ مختلفة، لكن ما يجمعها هو تعاطي مرتكبيها المخدرات التي أظهرت الدراسات أنّ بعضَ أنواعها يُشعرهم برغبة وعطش شديدَين للقتل من دون الشعور بالشفقة أو الحزن أو حتى الإكتراث، إضافة الى مدّهم بمزيد من الشجاعة والإحساس بأنّ ما يفعلونه هو الصواب.

ليس الحديث هنا عن تأثيرات المخدرات التي لا جدلَ عليها، بل عن القرار الذي اتُّخذ بفتح الحرب على هذه الظاهرة التي باتت تشكّل خطراً مدقعاً على الأمن الإجتماعي في لبنان، فضلاً عن التوصل الى حقيقةٍ واضحة بأنّ هذه التجارة تموِّل عمل الجماعات المسلّحة والإرهابية، إضافة الى زيادة قدراتهم على تنفيذ العمليات الأشدّ عنفاً بمنتهى الهدوء، وفي هذا الإطار كانت المفاجأة التي عثر عليها الجيشُ أثناء تنظيفه الجرود بعد معركته ضد الإرهاب، إذ وجد الى جانب مخازن الأسلحة كمّيةً ضخمةً من المخدرات، ولا سيما حبوب الكبتاغون.

تاريخٌ طويل

على مرّ السنوات، شكّلت المخدراتُ الوسيلة الأقوى لتجريد الأفراد من أحاسيسِهم ودفعهم نحو القتال والحروب، فمنذ الحرب بين الأفغان والاتّحاد السوفياتي، تعاطى كلٌّ من الجنود الأفغان والمجاهدين المقاتلين ضد السوفيات الحشيش قبل العمليات العسكرية وبعدها، وتوارثت هذه الظاهرة على مرّ العصور، وكان آخرها مع تنظيم "داعش" الإرهابي، لكنّ انتشارها طاول أشخاصاً عاديّين تحوّلوا الى سفّاحين، ارتكبوا جرائم شغلت المجتمعات كلها ولا سيما منها اللبناني لفترات، الى أن أُعلنت الحربُ عليها منذ مدة.

وفي هذا الإطار، لم تكن بداية سنة 2018 هادئة بالنسبة إلى الاستراتيجية الأمنية التي وضعتها الأجهزة الأمنية لضرب منابع المخدرات، إذ أدّت في الأيام الأولى من هذه السنة الى الإيقاع بأهمّ تجار المخدرات ومروّجيها، ومنهم ع.أ المطلوب بـ72 مذكرة توقيف، والملقب بـ"ملك المخدرات"، والرأس المدبّر لأخطر شبكات الترويج في بيروت وجبل لبنان، وسبقه قبلها ماهر طليس وهو من أخطر المطلوبين بجرائم عدة منها المخدرات.

هذه الاستراتيجية التي وضعتها الأجهزة، بقيت سرّية لفترة، وتعاون الجميع فيها لتحقيق أهدافها، ومنها أن تؤدّي الى اعتقال المطلوبين من دون إلحاق الضرر بالمحيطين بهم، خصوصاً أنهم يحصّنون أنفسهم بمسلّحين يملكون ترسانة أسلحة، فضلاً عن امتلاكهم آلية مراقبة لأيِّ تحرّك غريب، وتمركزهم في مناطق بعيدة مع تبديل أماكنهم دورياً، ما يصعّب عملية تعقّبهم، فضلاً عن أنّ التعامل عادةً لا يكون مع الرأس المدبّر مباشرةً بل مع المروّجين الذين يعتمدون أساليب عدة للتمويه والتبديل بين بعضهم.

أسباب الحرب


تفعيل ملاحقة تجار المخدرات أخيراً جاء أولاً نتيجة تجميع القوى الأمنية داتا كبيرة في هذا المجال، إضافة الى إغلاق الحدود بعد عملية "فجر الجرود" وإمكان تفعيل عملية المراقبة في الداخل، فضلاً عن العين الدولية المفتوحة على لبنان لإنهاء هذه الظاهرة والتخفيف منها، كون تجارة المخدرات تشكّل دخلاً أساسياً لتمويل الجماعات المسلّحة والإرهابية، وهو ما أثمر تعاوناً مع الخارج خصوصاً أنّ مافيات المخدرات مرتبطةٌ بعضها ببعض وغير محصورة في إطار جغرافي محدَّد.


الى ذلك، أعطى لبنان مكافحة هذه الظاهرة أولويّةً كونها تندرج في إطار تحقيق الأمن الإجتماعي، خصوصاً مع ظهور تعاطي غالبية مرتكبي الجرائم في المجتمع أدوية الهلوسة أو المخدرات.

سقوطُ الغطاء السياسي؟


ما ساعد في انكشاف هذه العصابات هو سقوط الغطاء السياسي عنهم نوعاً ما، بعدما كان يُقال إنّ الزراعات الداخلة في هذا الإطار في البقاع محميّة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من "حزب الله" والسياسيين هناك، إذ تبيّن مدى تضرّر المجتمعات التابعة لهذه الأحزاب من المخدرات، وهو ما دفع الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله إلى الحديث في خطابات عدة وفي لقاءاته عن تحريم هذه الظاهرة، وهو ما سهَّل تحرّك الأجهزة الأمنية داخل الضاحية الجنوبية، حيث قبضت خلال إحدى عملياتها على أحد التجار الكبار، وقد كُشفت مخابئ سرّية داخل منزله المكوّن من 3 طبقات لكمية أسلحة ومخدرات وأموال ضخمة.

مؤشرات خطيرة

أمّا ما دفع الأجهزة إلى التحرّك سريعاً، فهو أنّ كل المؤشرات باتت تدلّ على أنّ الأوضاع بلغت حداً خطيراً بحسب العاملين في مجال مكافحة المخدرات، حيث تبيّن انخفاض مستوى أعمار متعاطي المخدرات من 20 الى 15 سنة عام 2017 بحسب التوقيفات التي حصلت، وهو ما يدلّ على أنّ هذه الظاهرة تعدّت الجامعات لتصل الى المدارس، وما الدلالة على ذلك إلّا توقيف طفل عمره 13 سنة في إحدى مدارس جبيل يروّج للمخدرات بين رفاقه.

وفي السياق، يقول الخبراء إنّ أهمّ ما يروَّج له بين الأطفال هو حبوب الكبتاغون، الحشيشة، والسيلفيا حيث يوزّع رقم تلفون يوصل البضاعة "دليفيري" مسهّلاً عملية البيع والشراء، وهو ما يشكّل خطراً كبيراً على الأطفال.

ويكشف مصدر أمني لـ"الجمهورية"، أنّ الأجهزة الأمنية باتت تملك صورة عن كيفية تحرّك تجار المخدرات والمروِّجين نتيجة المتابعات الدقيقة، واستطاعت من خلال سلسلة تحقيقات مع متعاطين تأمين داتا كبيرة عن كيفية شراء المخدرات ونقلها من التاجر الى "الديلر"، ثمّ المتعاطي.

وهنا يشير المصدر إلى أنّ هناك أوامر عليا من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي أكّد أن لا أحد "فوق راسو خيمة" بعد اليوم، وأنّ القرار اتُّخِذ بإنهاء هذه الظاهرة بعدما باتت تشكّل خطراً كبيراً على الأمن الإجتماعي، وهو ما أكّده عون نفسُه منذ بضعة أيام أمام وفد من جمعية "جاد" التي تُعنى بمكافحة تعاطي المخدرات، حين قال إنّ الأوامر المعطاة الى الأجهزة الأمنية جازمة في هذا الملف، إضافة الى تشديده على التعاون بين جميع المعنيين فيه، لأنّ العمل ليس أمنياً فقط بل أبعد من ذلك.

خدمة العلم حلّ؟
تتطلّب عملية القضاء على هذه الظاهرة وجهَين، أمني واجتماعي، وفي هذا الإطار يردّد قائد الجيش العماد جوزف عون أمام الجمعيات والبلديات أنّ إعادة العمل بخدمة العلم، وإن بشكل مختلف، على رغم أنّ هذا القرار سياسي، لها دور كبير في التخلّص من آفتي الإرهاب والمخدرات، لأنّ المعطيات والدراسات أظهرت أنّ الأجيال التي دخلت خدمة العلم كانت أقلّ عرضةً لتعاطي المخدرات أو الانتماء الى مجموعات إرهابية والعكس صحيح، وهو ما يهمّ الأجهزة الأمنية كون هؤلاء الشبان يشكّلون الخزان الذي تعتمد عليه لبناء نفسها وتطوير دمائها.

غــــــــرد تــــــــعــــــــــــلــــــــيــــــــقــــــــك

إقــــــرأ أيــــــضــــــاً