البناء
أسوأ ما في حسني مبارك ونظامه غير المأسوف على رحيله أنه أدّى دور "شرطي الحدود" مع دولة الكيان الغاصب، وقبض على غزة من بوابة معبر رفح، متحكماً فيه إغلاقاً وفتحاً وفق الأجندة "الاسرائيلية"، وتحويل سيناء الى بقعة جغرافية معزولة، شبه خالية من الجيش المصري وفق اتفاقية "كامب ديفيد" وملاحقها، فغدت "سيناء" بقعة آمنة للجهة المقابلة من الحدود حيث يمكث المحتل الصهيوني بكل جبروته وقدراته العسكرية الهائلة، فيما يبدو الجانب المصري خالياً من العداد والعديد العسكري الكافي لأي خرقٍ او مواجهة محتملة.
أما أفضل ما في الثورة المصرية المُباركة تمكنها من قلب الأدوار عند نقطتي معبر رفح وسيناء، إذ شرعت الأبواب للغزاويين ومن بعدهم لكل الفلسطينيين نحو العالم من البوابة المصرية (وإن دون القدر الكافي للحياة الطبيعية). فضلا عن تحويلها سيناء من بقعة جغرافية آمنة للصهاينة الى نقطة إنطلاق لعمليات نوعية تصيب عمق الكيان الغاصب. وفي آخر تجلّياتها عملية "إيلات" التي نأمل عبرها في التأسيس لخط تصاعدي في العمل المقاوم.
ولم يقف زمن ما بعد الثورة عند حدّ تبديل الأدوار من "شرطي الحدود" الى "بوابة المقاومة". بل ذهب شارع الثورة أبعد من ذلك فلعب الثوار دور الحماية لخيار المقاومة وتسهيل مهمتها في العمق المصري، فتوجهوا بالآلآف نحو السفارة "الاسرائيلية"، وأنزل العلم الصهيوني ليرفع المتظاهرون علم بلادهم. ثم إنتقلوا نحو منطقة "المعادي" وحاصروا منزل السفير الصهيوني الذي شعر للمرة الأولى بالقلق بعد سنين طويلة من راحة البال والهدوء.
كما استطاع زمن ما بعد الثورة إيقاظ العداء الكامن في كينونة الشعب المصري حيال الصهاينة وتحريك الدم العروبي من جديد في شراينه وتذكيره بمقولات قومية تنادي بالقضية المركزية فلسطين التي ظن الصهاينة ومعهم الاميركيون والغرب انها أصبحت من الماضي السحيق في الذاكرة الجماعية المصرية.
كل ذلك دفع مراكز الدراسات الصهيونية وأركان القيادة العسكرية للسؤال:هل تحولت سيناء ومعها معبر رفح الى خطوط إمداد للمقاومة؟ وماذا بعد عودة الكراهية في الشارع المصري حيال "إسرائيل"؟ وهل يُسقط الشعب المصري إتفاقية "كامب ديفيد" بعدما أسقط حارس الإتفاقية حسني مبارك؟
اسئلة مقلقة لن يتمكن الصهاينة من الإجابة عنها بسهولة، ولو تمت الإستعانة بالصديق الأمير القاتل لوالده،القاطن في "المشيخة" الاميركية، او بمساعدة الملك الصديق القابع في مملكة يُحرم على المراة فيها قيادة السيارة.هذا الملك الذي يظن أن بناء مبنى جديد للسفارة السعودية في القاهرة، وإرسال حقائب البترودولار يكفيان لمشاركة المصريين لعبتهم السياسية وخياراتهم الشعبية. اسئلة صهيونية تعجز عنها كل دول "الإعتلال العربي" لأنها ستجد نفسها قريباً أمام أسئلة داخلية لا تقل تعقيداً عنها.
ولأن "سيناء" أكثر مفاتيح الأسئلة المُقلقة عند الصهاينة، بدأت تعلو داخل "اسرائيل" اصوات تبحث عن خيارات جديدة.فالفراغ العسكري الذي فرضته إتفاقية "كامب ديفيد" على الجيش المصري لم يعد الحل، بعدما رحل جهاز أمن الدولة التابع لحسني مبارك الذي كان يملأ هذا الفراغ بعيون وآذان صهيونية.
وبدأت اثر ذلك تتسرب العديد من التقارير "الإسرائيلية" في هذا السياق، منها ما نقلته صحيفة "هارتس" عن وزير الأمن "الإسرائيلي" إيهود براك، إنه في حال طلبت مصر إدخال آلاف الجنود إلى سيناء فإنه سيصادق على ذلك، موضحا أن الحديث يدور عن مصلحة "إسرائيلية"،وقلق من تحول "سيناء" بالفعل الى خاصرة رخوة،على شاكلة الجنوب اللبناني وقطاع غزة.
لكن باراك نفسه عاجز عن الإجابة وفق التقرير المنشور عن دور الجيش ما بعد دخول سيناء.كما انه لا يستطيع ان يؤكد لقيادته السياسية تبعات هذا القرار الميدانية.والإجابة عن السؤال الأساس الذي تطرحه الطبقة السياسية:"هل سيلعب الجيش المصري دور "شرطي المرور" او مسهل خط إمداد المقاومة؟
تبدو الإجابة رهن الحوادث التي نأمل في أن تستمر في الخط التصاعدي المقاوم للتطبيع.اما الاجابة عن سؤال مستقبل إتفاقية "كامب ديفيد" فسهلت الإجابة بعد ان سقط احد ابرز بنود الإتفاقية وبدأ الجيش المصري برفع وتيرة إنتشاره وحجمه في ارض سيناء المُحرم عليه دخولها وفق "كامب ديفيد".
اضافة الى العديد من التصريحات لشخصيات مصرية، تؤكد ان الإتفاقية ليست قرآناً او إنجيلاً كما جاء على لسان الامين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي، ما يؤشر الى ان تسديد الاهداف سيتوالى في مرمى اتفاقية "كامب ديفيد" الى حين تسديد الضربة القاضية وطرد السفير وإلغاء الإتفاقية.
وحتى تأتي تلك الضربة القاضية نتمنى ان تستمر هيئة مكافحة الإرهاب "الإسرائيلية "التابعة لمكتب رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتانياهو بالتجديد للمذكرة التي تتضمن "إنذاراً من الدرجة الخطيرة "للإسرائيليين" بالامتناع عن السفر إلى شبه جزيرة سيناء خوفاً من تعرضهم لاعتداءات.
وهذا ما لم نسمع به لعقود طويلة تحت مظلة نظام مبارك العميل والفاسد الذي نأمل في ان يتابع الشعب المصري عملية إسقاطه عبر إلغاء إتفاقية "كامب ديفيد" وملحقاتها التي لا تقل سوءا عن مضمون الاتفاقية بحد ذاتها.