لماذا أصبحت 14 آذار ذكرى فقط؟

كتب مصطفى علوش في "نداء الطن": لم أجد في أبيات الشعر ما يعبّر عن واقع ثورة الرابع عشر من آذار مثل بيت قصيد بشارة الخوري في تلك القصيدة القصيرة الرائعة التي غنّتها فيروز. فيوم الرابع عشر من آذار سنة 2005 كان يوم الفرح العظيم النابع من عمق الحزن والمأساة، هو يوم الأمل المتفجّر من صخرة اليأس المزمن، وهو يوم الحياة التي ولدت من رحم الموت، طائر الفينيق الذي ولد من رماده. هو كل ذلك وأكثر، فمن عاش مثلي، ومثل مئات آلاف اللبنانيين لحظة الفرح العظيم، البشارة العظمى بالقيامة من غفوة الحياة التي هي أشبه بالموت، يعرف معنى تلك اللحظة، وتلك الأيام العظيمة التي اختلطت فيها دموع الحزن مع فرح الأمل. لكننا عدنا إلى الواقع كعاشق خطّ سطراً في الهوى ومحا. خفنا من حريتنا التي وعدتنا بمواطنة، فلجأنا إلى قواقعنا التقليدية، الطائفية، المذهبية، الحزبية، المناطقية... ولم نخرج من بداوتنا المقيتة، وعدنا وأسرنا أنفسنا في قبيلة من قبائلنا الطائفية التي لا تتقن سوى فنّ السطو والغزو والسلبطة على القبائل الأخرى. ولا تعرف أي واحدة منها كيف تبني أو تنجز شيئاً نافعاً، لا لها ولا للبلد، حتى تتوقف عن السطو والغزوات.نعم لقد تمكّن يوم الرابع عشر من آذار من تحقيق ما كان مستحيلاً، فقد خرج نظام الأسد بعد تسع وعشرين سنة من الاحتلال. لكننا أغفلنا حقيقة الأمر، وهو أنّ هذا الاحتلال تمّ تبديله باحتلال إيراني مقنّع بعناصر محلية. لقد بدأ مسلسل تدمير الرابع عشر من آذار في اليوم الذي توهّم قادة قوى الرابع عشر من آذار بأنّه من الممكن لبننة «حزب الله»، كما أنّ السقطة الثانية كانت بتبرئة «الحزب» من اغتيال رفيق الحريري، هذا مع العلم أنّ القاصي والداني كان يعلم أنّه من المستحيل قيام أي جهاز مخابرات بعملية بهذا الحجم من دون علم مخابرات «الحزب». في التحالف الرباعي تمكّن «حزب الله» من الاستحصال على مربحيْن كبيرين، الأول كان فترة من الزمن لاستعادة أنفاسه وبناء خططه للمرحلة التالية، الثانية والأهم كانت تقسيم جمهور الرابع عشر من آذار، وبالأخص المسيحي منه، عندما اندفع الجنرال ميشال عون ليرمي نفسه وتياره وجمهوره في حضن «الحزب».كل ذلك كان، وكانت قيادات ونواب وأمنيون يتعرّضون لعمليات اغتيال منظمة أنهكت قوى الرابع عشر من آذار حتى وصلنا إلى غزوة بيروت التي عرض فيها «الحزب» عضلاته وأكد قدراته على هزيمة سريعة لأي نوع من المقاومة المسلّحة. هذه الغزوة أنتجت اتفاق الدوحة، ومن بعدها خسرت ثورة 14 آذار اندفاعتها بعد أن قبل قادتها بمبدأ أنّ العين لا تقاوم المخرز. ذهب بعدها كل واحد منهم إلى ملجأ للأمان في تسويات جانبية، بحجّة تجنّب «الحرب الأهلية» أو «ردع الفتنة الطائفية» أو شعارات مماثلة عبّرت فقط عن ضيق الأفق وعدم القدرة على الصبر والمواجهة. آثر قادة 14 آذار المشاركة الوهمية في السلطة، بالرغم من ربح الانتخابات، وقبلوا بمنح قدرة تعطيل مسار السلطة إلى «الحزب» وحلفائه، بالرغم من القناعة أنّ الأمر سيُستخدم للتعسّف وتعطيل مسار الحكم، إلا إذا لُبّيت رغبات «الحزب». من بعد ذلك أدرك «الحزب» وحلفاؤه أنهم قادرون على فعل ما يريدون متجاهلين ردّات الفعل الضئيلة التأثير والمؤقتة في أحسن الأحوال. هذا ما أسقط حكومة سعد الحريري وشرّع الباب إلى تجاوز الأكثرية والأقلية، وجعل من إعلان بعبدا حبراً على ورق، فاستباح «الحزب» الحدود وأدخل لبنان في صراع متشابك، غطاؤه كان مواجهة الإرهاب، وحقيقته ما زالت بسط سيطرة ولاية الفقيه على عواصم عربية جديدة. كما استمرّ «الحزب» في اغتيال وترهيب كل رموز 14 آذار، ونجح في تطويع كل من سعى إلى السلامة، أو إلى دور في السلطة.سقطت أيضاً قيادات 14 آذار عندما عُقد اتفاق معراب ببنوده السرّية المستندة إلى حصص السلطة وخانت رفاق الأمس، فنسيت مسألة السيادة ودور «حزب الله» والسلاح غير الشرعي، وسقطت لاحقاً عندما ظنّ البعض الآخر أنّه يمكنه إنشاء حلف مماثل بخيانة رفاق الأمس واستفرادهم وتهميشهم في السلطة ومغانمها. لكن، فوق كل ذلك، سقطت فكرة 14 آذار منذ البداية عندما لم تحمل الشعارات الأولى لثورة 17 تشرين وتسبقها إليها منذ آذار 2005. ففشلت لاحقاً باستلحاق ذاتها بعد أن تلوّثت معظم قياداتها بفساد السلطة.ما ندفعه اليوم هو نتيجة منطقية لفشل قيادات 14 آذار في خلق دينامية ثورية كان بإمكانها جمع 14 آذار و17 تشرين منذ البداية، وبالتالي فإنّ الثورتين سقطتا بسبب الاستفراد وعدم الوصول إلى أرضيات مشتركة.

14-03-2024 06:23

لماذا أصبحت 14 آذار ذكرى فقط؟

كتب مصطفى علوش في "نداء الطن": لم أجد في أبيات الشعر ما يعبّر عن واقع ثورة الرابع عشر من آذار مثل بيت قصيد بشارة الخوري في تلك القصيدة القصيرة الرائعة التي غنّتها فيروز. فيوم الرابع عشر من آذار سنة 2005 كان يوم الفرح العظيم النابع من عمق الحزن والمأساة، هو يوم الأمل المتفجّر من صخرة اليأس المزمن، وهو يوم الحياة التي ولدت من رحم الموت، طائر الفينيق الذي ولد من رماده. هو كل ذلك وأكثر، فمن عاش مثلي، ومثل مئات آلاف اللبنانيين لحظة الفرح العظيم، البشارة العظمى بالقيامة من غفوة الحياة التي هي أشبه بالموت، يعرف معنى تلك اللحظة، وتلك الأيام العظيمة التي اختلطت فيها دموع الحزن مع فرح الأمل. لكننا عدنا إلى الواقع كعاشق خطّ سطراً في الهوى ومحا. خفنا من حريتنا التي وعدتنا بمواطنة، فلجأنا إلى قواقعنا التقليدية، الطائفية، المذهبية، الحزبية، المناطقية... ولم نخرج من بداوتنا المقيتة، وعدنا وأسرنا أنفسنا في قبيلة من قبائلنا الطائفية التي لا تتقن سوى فنّ السطو والغزو والسلبطة على القبائل الأخرى. ولا تعرف أي واحدة منها كيف تبني أو تنجز شيئاً نافعاً، لا لها ولا للبلد، حتى تتوقف عن السطو والغزوات.نعم لقد تمكّن يوم الرابع عشر من آذار من تحقيق ما كان مستحيلاً، فقد خرج نظام الأسد بعد تسع وعشرين سنة من الاحتلال. لكننا أغفلنا حقيقة الأمر، وهو أنّ هذا الاحتلال تمّ تبديله باحتلال إيراني مقنّع بعناصر محلية. لقد بدأ مسلسل تدمير الرابع عشر من آذار في اليوم الذي توهّم قادة قوى الرابع عشر من آذار بأنّه من الممكن لبننة «حزب الله»، كما أنّ السقطة الثانية كانت بتبرئة «الحزب» من اغتيال رفيق الحريري، هذا مع العلم أنّ القاصي والداني كان يعلم أنّه من المستحيل قيام أي جهاز مخابرات بعملية بهذا الحجم من دون علم مخابرات «الحزب». في التحالف الرباعي تمكّن «حزب الله» من الاستحصال على مربحيْن كبيرين، الأول كان فترة من الزمن لاستعادة أنفاسه وبناء خططه للمرحلة التالية، الثانية والأهم كانت تقسيم جمهور الرابع عشر من آذار، وبالأخص المسيحي منه، عندما اندفع الجنرال ميشال عون ليرمي نفسه وتياره وجمهوره في حضن «الحزب».كل ذلك كان، وكانت قيادات ونواب وأمنيون يتعرّضون لعمليات اغتيال منظمة أنهكت قوى الرابع عشر من آذار حتى وصلنا إلى غزوة بيروت التي عرض فيها «الحزب» عضلاته وأكد قدراته على هزيمة سريعة لأي نوع من المقاومة المسلّحة. هذه الغزوة أنتجت اتفاق الدوحة، ومن بعدها خسرت ثورة 14 آذار اندفاعتها بعد أن قبل قادتها بمبدأ أنّ العين لا تقاوم المخرز. ذهب بعدها كل واحد منهم إلى ملجأ للأمان في تسويات جانبية، بحجّة تجنّب «الحرب الأهلية» أو «ردع الفتنة الطائفية» أو شعارات مماثلة عبّرت فقط عن ضيق الأفق وعدم القدرة على الصبر والمواجهة. آثر قادة 14 آذار المشاركة الوهمية في السلطة، بالرغم من ربح الانتخابات، وقبلوا بمنح قدرة تعطيل مسار السلطة إلى «الحزب» وحلفائه، بالرغم من القناعة أنّ الأمر سيُستخدم للتعسّف وتعطيل مسار الحكم، إلا إذا لُبّيت رغبات «الحزب». من بعد ذلك أدرك «الحزب» وحلفاؤه أنهم قادرون على فعل ما يريدون متجاهلين ردّات الفعل الضئيلة التأثير والمؤقتة في أحسن الأحوال. هذا ما أسقط حكومة سعد الحريري وشرّع الباب إلى تجاوز الأكثرية والأقلية، وجعل من إعلان بعبدا حبراً على ورق، فاستباح «الحزب» الحدود وأدخل لبنان في صراع متشابك، غطاؤه كان مواجهة الإرهاب، وحقيقته ما زالت بسط سيطرة ولاية الفقيه على عواصم عربية جديدة. كما استمرّ «الحزب» في اغتيال وترهيب كل رموز 14 آذار، ونجح في تطويع كل من سعى إلى السلامة، أو إلى دور في السلطة.سقطت أيضاً قيادات 14 آذار عندما عُقد اتفاق معراب ببنوده السرّية المستندة إلى حصص السلطة وخانت رفاق الأمس، فنسيت مسألة السيادة ودور «حزب الله» والسلاح غير الشرعي، وسقطت لاحقاً عندما ظنّ البعض الآخر أنّه يمكنه إنشاء حلف مماثل بخيانة رفاق الأمس واستفرادهم وتهميشهم في السلطة ومغانمها. لكن، فوق كل ذلك، سقطت فكرة 14 آذار منذ البداية عندما لم تحمل الشعارات الأولى لثورة 17 تشرين وتسبقها إليها منذ آذار 2005. ففشلت لاحقاً باستلحاق ذاتها بعد أن تلوّثت معظم قياداتها بفساد السلطة.ما ندفعه اليوم هو نتيجة منطقية لفشل قيادات 14 آذار في خلق دينامية ثورية كان بإمكانها جمع 14 آذار و17 تشرين منذ البداية، وبالتالي فإنّ الثورتين سقطتا بسبب الاستفراد وعدم الوصول إلى أرضيات مشتركة.

14-03-2024 06:23

لماذا يسعى جنون إسرائيل إلى توسيع الحرب؟

كتب مصطفى علوش في "نداء الوطن": «سئمت تكاليف الحياة ومن يعشثمانين حولًا لا أب لك يسأمما الحرب إلا ما عرفتم وذقتموما هو عنها بالحديث المرجم»(زهير بن أبي سلمى)في العام 1953، قرّر ديفيد بن غوريون رئيس وزراء إسرائيل، تنفيذ عملية انتقامية ضد قرية قبية الفلسطينية بقيادة الضابط أرييل شارون ذهب ضحيتها تسع وستون من الفلسطينيين الذين نسفت بيوتهم فوق رؤوسهم. عندما ذاع الخبر في العالم وبدأت ردود الفعل المستهجنة تتلاحق، استدعى بن غوريون ضابطه المحبب شارون لتكريمه. تقول الوثائق إنّ بن غوريون قال لشامير «لا يهم ما يقوله العالم عنا، ما يهم هو ما نقوم به نحن على الأرض لتثبيت وجودنا في الأرض التي منحت لنا».قد يبدو أنّ عدد ضحايا تلك المذبحة لا يذكر بالمقارنة بما حصل وسيحصل في غزة عند استكمال مخطط حكومة الوحوش الصهيونية الحاكمة اليوم في الأرض المحتلة، وهي، بالرغم من الاعتراضات السياسية الداخلية عليها، ما زال نهجها تجاه الفلسطينيين يمثل توجه الأكثرية الساحقة من يهود إسرائيل ومعهم الكثيرون من يهود العالم. هذا لا يجب أن يجعلنا ننكر على العديد من أصحاب الضمائر الحرة من اليهود تأييدهم للحق الفلسطيني بشكل يتجاوز أحياناً ما قبل به بعض الفلسطينيين كتسوية. هؤلاء اليهود الأحرار وصفوا دولة إسرائيل بما هي بالفعل، أي دولة استعمار وتجبّر وعدوان وفصل عنصري، وطالبوا بدولة يعيش عليها عرب ويهود بالتساوي...بن غوريون بالذات، كان يرفض أي تسوية تفرض السلام مع العرب لكونها ستضع حداً لمشروع إسرائيل الكبرى. كان يراهن على ردود فعل منطقية وعنيفة من قبل العرب، لحفظ ماء الوجه على الأقل، أو «لفشة خلق» للشعب المظلوم، أو لتسويغ الاستمرار بالحكم لبعض القادة بحجة أن تحمل ظلمهم وتخلفهم هو في سبيل «حشد الطاقات للمعركة الكبرى ورمي العصابات الصهيونية في البحر». رهان بن غوريون، ومن بعده كل قادة إسرائيل، كان على استغلال ردود الفعل العنيفة، بمختلف أشكالها، لتسويغ العنف الأكبر واحتلال المزيد من الأراضي، وجعل قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن غير قابلة للتنفيذ بعد أن يتخطاها الزمن.كما أنّ كل مبادرات السلام المعقولة، كانت قيادات إسرائيل تعتبرها نوعاً من «الاعتداء على إسرائيل بالسلام»، وكانت تواجهها بافتعال حرب تكتيكية، وبعض الأحيان الاستفادة من عملية فدائية تطال مدنيين يهوداً في سبيل جعل أي مبادرة سلام غير قابلة للنقاش. الوثائق بهذا الخصوص كما الوقائع أثبتت تكراراً أنّ إسرائيل استفادت من كل ردود الفعل العنيفة والحروب التكتيكية وتوازنات الرعب لكي تتملص من كل مبادرة جدية لوقف جموحها الاستعماري، بينما هي تتسلح بكل وسائل الردع الاستراتيجي، أكان محلياً أو دولياً.السؤال الآن هو «ماذا تستفيد إسرائيل اليوم من توسيع رقعة الحرب؟» بالرغم من الخسائر الكبيرة التي تتكبدها اقتصادياً وإعلامياً وحقوقياً وبشرياً، الجواب هو أنّ إسرائيل أعدت العدة للمخاطر الاستراتيجية الخارجية، على الأقل في المدى المنظور من خلال تطور الآلة العسكرية والتكنولوجية، من جهة، والقوة النووية ودعم الولايات المتحدة، من جهة أخرى. وما المناوشات والصواريخ الصغيرة والتهديدات العابرة إلى ما بعد حيفا سوى أخطار صغيرة محسوبة في موازين الربح والخسارة. فمسألة خسارة أرواح بعض اليهود في سبيل أرباح استراتيجية ليست جديدة على الفكر الصهيوني العنصري.الخطر الاستراتيجي الداهم بالنسبة لوجود «الدولة اليهودية» هو داخلي بوجود أكثر من سبعة ملايين ساكن غير يهودي على الأرض التي يعتبرها الصهاينة «أرض إسرائيل الصغرى» وهي من النهر إلى البحر، ومن ضمنها الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد أثبتت كل وسائل التمييز العنصري والعنف والتنكيل والإذلال اليومي والاعتقالات التعسفية بحق «الغويم»، أي من هم من غير اليهود، عدم جدواها في جعل فلسطين تتحول إلى دولة صافية العرق. لقد أثبت الفلسطينيون بمختلف أشكالهم مرونة عجيبة في التعامل مع كل صنوف التحديات للبقاء في فلسطين، وقد سدت، على كل الأحوال، سبل الخروج من المعتقل الكبير في الضفة والقطاع. من هنا، فإنّ الحديث عن ترانسفير شبه كامل للعرب الفلسطينيين إلى مصر والأردن في بدايات الحرب على غزة لم يأت من الفراغ، فهو «الحل النهائي» ذاته الذي انتهى بالمحرقة مع النازيين، في حين أنه ابتدأ بتهجير اليهود إلى خارج ألمانيا وأوروبا في بداياته. لكن محرقة من هذا النوع لم تكن ممكنة إلا بغطاء حرب كبرى مثل الحرب العالمية الثانية حيث انشغل العالم بأجمعه في شؤون الحرب على الجبهات، ولم يسأل أحد عما يحدث في «الداخل» من ويلات.هذا بالذات ما تسعى اليه حكومة الموتورين القوميين النازيين في إسرائيل وهو أن تتسع رقعة الموت والدمار الى كل المنطقة، وبالذات إلى لبنان والبحر الأحمر، حتى تتمكن من إجبار مئات آلاف الفلسطينيين المحتشدين في العراء في رفح على التوجه إلى سيناء وذلك بعد تحويل رفح إلى محرقة. وطالما أنّ البقاء للأقوى، فإنّ العالم الذي تعامل مع مجزرة سورية المستمرة، موتاً ودماراً وتهجيراً، قد يستهجن ويستنكر وقد يقطع العلاقات ويطالب بالمحكمة الدولية، لكن، بالمحصلة، فمن هُجّر سيبقى مهجراً ومن قُتل سيبقى ميتاً، حتى وإن صار شهيداً، وما بقي سيتحول إلى واقع جديد، لا يلبث العالم إلا ويتأقلم معه.ما المغزى من كل ما سبق، حتى وإن تلقيت الشتائم على قولي، هو أن إسرائيل تتحقق سياساتها الاستراتيجية مع كل عمل عنيف تكتيكي يهدف، وعن حسن نية، إلى «دعم» أو «تخفيف الضرر» على أهل فلسطين. لا بل أنّ أمثال نتنياهو يتمنون حدثاً عنيفاً على شاكلة طوفان الأقصى أو بقصف مصنع الأمونيا في ما «بعد حيفا» يسقط فيه مئات من الإسرائيليين، فيصبح «الرد» مسوغاً لا يعترض عليه أحد، وإن احتج فبالكلام لوحده.

05-03-2024 06:18

حين يفصل "الحزب" بين الجنوب والرئاسة

كتب وليد شقير في "نداء الوطن": كرّرها أول من أمس نائب الأمين العام لـ»حزب الله»، الشيخ نعيم قاسم، لمن لم يستوعب الفكرة بعد على رغم أن السيد حسن نصر الله وقادة «الحزب» رددوها مراراً في الأسابيع الماضية، بأنه «ما لم تتوقف الحرب في غزَّة فلا يمكن أن تتوقف في لبنان... وأي نقاش سياسي له علاقة بجبهة الجنوب مؤجل إلى ما بعد الحرب في غزة». وهذا موقف سبق أن تبلّغه سفراء أجانب وموفدون دوليون بينهم الوسيط الأميركي آموس هوكستين خلال زيارته الأخيرة إلى بيروت. فهؤلاء سعوا إلى الفصل بين جبهتي غزة وجنوب لبنان لتهدئة الأخيرة.الفصل بين الجبهتين للتهدئة جنوباً، ولتجنيب لبنان حرباً إسرائيلية عليه وعلى «الحزب»، هو ما يأمله فرقاء لبنانيون من خصوم «الحزب»، وما يتمناه حتى بعض جمهور «الحزب» ومؤيدوه في المنطقة الحدودية من جنوب لبنان. فهؤلاء من الطبيعي أن تغلب على مشاعرهم بدعم المقاومة، الخشية الكبرى من الكلفة العالية لاستمرار الاستنزاف الذي يتعرضون له في أرواحهم وأمنهم وأرزاقهم وحياتهم على رغم التمسك البطولي من بعضهم بالبقاء في أرضه، متحدياً المخاطر على مدار الساعة. فالجمهور العريض لا يريد تكرار مآسي القتل والتهجير والدمار التي خبرها جراء العدوانية الإسرائيلية وآخرها عام 2006، ويتمنى تفادي همجية الجنون في الدولة العبرية.لكن التمنيات تصطدم بحسابات تتخطى الساحة اللبنانية، وهو ما جعل بعض الموفدين الدوليين يتصرف ضمناً خلافاً لمسعى الفصل، وإن لم يسلموا بذلك، على قاعدة صعوبة التهدئة على جبهة لبنان، قبل أن تضع الحرب على غزة أوزارها. في طليعة هؤلاء هوكستين نفسه. بعض العواصم لم ييأس من مواصلة المحاولة، لا سيما باريس التي تنسق مع الوسيط الأميركي، آملة في خلق دينامية تفاوض تتيح انضباط الجبهة الجنوبية، ريثما يحصل وقف إطلاق النار في غزة فيتوقف تلقائياً في لبنان ويعفيه من أي حرب. إلا أن هذا التوجه يخضع نجاحه للكثير من التشكيك والصعوبات في ظل انفتاح جبهات المواجهة في الإقليم.الملفت في موقف «حزب الله»، الذي يلتقي فيه مع بعض عواصم دول اللجنة الخماسية، قول الشيخ قاسم إن «لا ربط للاستحقاقات السياسية سواء كانت مسألة رئاسة الجمهورية أو غيرها بما يجري في الجنوب»، ما يعني الاستعداد لانتخاب رئيس حتى لو استمر القتال الدائر حالياً على الحدود. إذ أنّ السيد حسن نصر الله كان أهمل في إطلالاته الأخيرة مسألة ملء الفراغ الرئاسي، ما أوحى بأن «الحزب» يعتبر ملء الشغور الرئاسي مؤجلاً لأنّ الأولوية بالنسبة إلى محور المقاومة هي المواجهة مع إسرائيل والتطورات في المنطقة.فهل بات «الحزب» وإيران من ورائه، مستعداً لإنهاء الشغور الرئاسي، لأنه يعتبر من وجهة نظره أن قوى الممانعة حققت إنجازات بعد عملية «طوفان الأقصى» وتداعياتها العسكرية والسياسية، إذ أن خطاب قادته كافة يشدد على أن المحور حقق مكتسبات، أو أنه على طريق تحقيق انتصارات، بحيث سيكون قادراً على الإتيان بمرشحه للرئاسة النائب السابق سليمان فرنجية؟ أم أنه بات يشعر بمدى ضعف الجسم اللبناني الذي تزيده المواجهات في الجنوب عمقاً، وأنه يحتاج بالتالي إلى العودة إلى عملية إعادة تكوين السلطة من رأس الهرم بإنهاء الشغور لتتحمل هذه السلطة معه تبعات تلك المواجهة؟ أم أنّ الظروف نضجت كي يُقبِلَ على تسوية في شأن الحدود مع إسرائيل وتطبيق القرار الدولي الرقم 1701، بحيث يحتاج الأمر إلى تركيبة حاكمة تغطي اتفاق ما بموازاة الهدنة التي يجري التفاوض عليها في غزة؟الأسابيع القليلة المقبلة كفيلة باتضاح أي من الاحتمالات الثلاثة توجب ما قاله الشيخ قاسم عن هذا الفصل بين المجريات العسكرية جنوباً، وبين الرئاسة. قد يكون الاحتمال الرابع رمي مسؤولية استمرار الشغور على الخصوم، وعلى أميركا، كما حصل خلال الأشهر الـ15 الماضية.

29-01-2024 06:30

المساومة على القرار 1701

كتب فادي كرم في "نداء الوطن": لأنّ لبنان عرضة لغزواتٍ متعدّدة الأوجه من قبل محورٍ مصرّ على تركيع الشعب اللبناني وقمعه وتغيير ثقافته ومفاهيمه وتشليحه حرّيته، تُحاك اليوم ضدّ هذا الشعب خدعة جديدة خطيرة ومصيرية، ومن واجب كل لبناني مُتمسّك بخصائص بلد الأرز، ومن مسؤولية السياسيين والمدنيين السياديين، تركيز كامل جهودهم وقدراتهم للتعاضد لفضح ومواجهة هذه المحاولات الخبيثة وإسقاطها، لانه لو قُدّر لها أن تمرّ، بفعل الحاجة الاقليمية والدولية للمساومات لتحقيق الهدن، لأنهت لبنان بشكل كامل وجذري.وتتمثّل هذه المحاولات بتقديم محور المُمانعة خدماته، تسهيلاً لتنفيذٍ جزئي للقرار الأممي 1701، بما يؤمِّن الطمأنينة لشمال إسرائيل، والهدوء للمجتمع الدولي المأزوم في حروبه العسكرية في أماكن أخرى من الكرة الأرضية، والذي يُعاني من الأزمات الاقتصادية الداخلية، ويدخل إلى منافسات انتخابية حادّة. ومقابل ذلك، ينال المحور مُقايضة ثمينة في الداخل اللبناني، تتمثّل بتسليمه القرار الرسمي اللبناني. إن المحور المُمانع المتعاون وقتياً مع الجهود الدولية، يأمل في أن يُسمح له بالتحايلٍ على بنود أساسية ومهمة في القرار المذكور.يُراهن «حزب الله» على حاجة المجتمع الدولي لتهدئة الجبهات الشرق أوسطية، مُتجنّباً الانجرار لمواجهاتٍ طويلة الأمد مع منظّماتٍ تخريبية، ركّزت تحرّكاتها على ممارسة الضغوطات الأمنية على شركات هذه الدول واقتصاداتها، لدفعها للضغط بدورها على الحكومة الاسرائيلية والآلة العسكرية الاسرائيلية، لوقف حربها الإبادية ضد «حماس»، الذراع الفلسطيني لمحور وحدة الساحات. وتلعب هذه المُنظّمات دوراً إزعاجياً وابتزازياً للسلم الدولي وللممرّات الاقتصادية الدولية، وللأحزاب في الدول الكبرى التي تستعدّ لخوض الانتخابات الرئاسية، وتمتهن المُنظّمات تفعيل أجهزتها الإرهابية لفرض المساومات الأقل كلفةً لهذه الدول ومصالحها.إنّ الدول المتطورة والمستقرّة تُظهر الكثير من الضعف والخوف والخشية على أوضاعها الداخلية ومصالحها الخارجية واقتصاداتها، أمام هذه المُنظمات التخريبية، وتُثبت في الكثير من بلدان العالم أنّها مُستعدة للمساومة والمقايضة مع المُنظّمات، بدل دعم القوى الرافضة لها، من مبدأ استسهال دفع الضريبة الأقل كلفة من الدخول في الحروب والمواجهات العسكرية. ولذلك تتحاور معها وتقدّم لها بعض متطلّباتها، مقابل تقديم هذه المُنظّمات الكثير من الخدمات الأمنية، والتسريبات الثمينة حول الارهاب. كما تتنافس الدول الكبرى، حول تجنيد هذه المنظّمات لصالحها، واستخدامها كمرتزقة، وتشغيلها في سوق الارهاب المتبادل، وبتخاذلها بحرب القضاء عليها، تسمح لها بتطوير قدراتها وتعاظم امكانياتها، حتى تصل إلى حدود الإزعاج الاستراتيجي.إنّ التغاضي عن الصغائر، يُدخل الكبار في لعبة الصغار، وعندما تكتشف الدول الكبرى مدى الضرر الذي أصبحت هذه المُنظّمات قادرة على ارتكابه دولياً، تكتشف أنها فشلت في تدجينها، وأنها قد نمّت وحوشاً تحت أعينها. ومثال على ذلك، المفاوضات الدولية الإيرانية، التي تجري فصولها منذ اكثر من عشر سنوات، وما زالت، وها هي ايران الثورة، قد كبُرَ وترامى نفوذها، وسدّدت الكثير من الأهداف التي أضرّت بدول وشعوب المنطقة، كما بأعمال واقتصاديات العالم بأسره. فمن خاض الحوارات والمفاوضات النووية مع ايران، قد فتح لها المجال للسيطرة على مساحات واسعة في الدول العربية، حيث باتت قادرة على شنّ حروب «التدمير المتبادل».وها هي ايران الآن، من خلال وكيلها اللبناني تفاوض مع موفدي الدول الكبرى لتحوير تنفيذ القرار الاممي 1701، ليُصبح قراراً مُنحصراً بالشقّ الذي يعني أمن حدود إسرائيل الشمالية، في حين أنّ هذا القرار قد صدر بعد حرب تموز 2006 ببنودٍ استكمالية لبنود القرارين الدوليين 1559 و1680، وقد كان الهدف منها، ليس استتباب الأمن على الحدود بين لبنان وإسرائيل فقط، بل مساعدة الدولة اللبنانية لبسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، منعاً من اعادة «حزب الله» بناء قواته مجدّداً واستغلال ضعف السلطات اللبنانية الرسمية لتحديث قدراته مستقبلاً، وللعودة إلى تمكين ايران من اللعب مع الكبار على حساب الدول المُستضعفة. ولو كان الهدف من القرار 1701 فقط، إحلال الهدنة على الحدود، لما كان قد ذكر في بنديه 3 و12 ضرورة بسط الدولة اللبنانية بأجهزتها العسكرية سلطاتها على كامل الأراضي اللبنانية.ولكن ما حدث لاحقاً، أنّه تم احترام البنود المُثبّتة للهدوء على الحدود، واستخدام «حزب الله» ليكون الشرطي المُراقب لهذه الحدود، وقد دام هذا الستاتيكو من سنة 2006 وحتى 2023، ولكان قد امتدّ لفترة أطول، وربما دائمة، خصوصاً أنّه دُعّم بترسيم للحدود البحرية بين البلدين، وقد كانت النيّات واضحة لاستكماله بترسيمٍ برّي أيضاً، لولا لم تُفاجئ «حماس» الجميع، بعمليتها العسكرية على غلاف غزّة، والتي فضحت التفاهمات، وكشفت التخاذل الدولي مع المُنظّمات، وأدخلت المنطقة في تسويات جديدة، من عدادها أيضاً، تنفيذ مبتور ومعوجّ للقرار 1701.إنّ التحايل على القرارات الدولية، ساقط بفعل وعي الأحزاب السيادية اللبنانية لمحاولات المقايضة، والتي تُمثّل خطوة جديدة للغزوات التي يتعرّض لها لبنان. وكما سقطت كافة المحاولات الخبيثة السابقة لالغاء القرار الحرّ في لبنان، ستسقط مخططات أخذ لبنان كجائزة ترضية مُقابل تسويات بين من يسعى للتهدئة في لبنان، لتركيز اهتماماته على أمور أخرى في أماكن أخرى، وبين من يسعى لتشريعٍ دوليّ لسيطرته على القرار اللبناني، وإلحاقه بمحور المُمانعة.إنّ اللبنانيين السياديين ليسوا رهائن لأحد، وليسوا بحاجة لفك أسرهم، فالمأسورون فعلياً هم المجبرون على المساومة مع المُنظمات التخريبية لأجل تمرير مصالحهم. ويلٌ لعالم يُبدّي أعماله على المبادئ الإنسانية.

15-01-2024 06:50

{{ article.title }}

{{safeHTML(article.Text)}}

{{ formatCategoryDate(article.publishDate) }}

Article Image

المزيد

الضمانات يُعطيها فرنجية أم "الحزب"؟

كتب وليد شقير في "نداء الوطن": خفّف رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية من وقع الإيجابية التي ظهر بها أول من أمس عبر المواقف التي بلور فيها إلتزامات سابقة حين قال «لم أتعهد بشيء»، في سياق حديثه عن مسائل عدة تشكّل هواجس لبعض الفرقاء المعارضين لخياره في الرئاسة الأولى، ولا سيما في شأن استبعاد اعتماد الثلث المعطل في تشكيل الحكومات، وفي شأن التزامه المداورة في الحقائب الوزارية...مع الصراحة التي يعترف بعض خصومه أنه تمتع بها، لجهة إعلانه بلا مواربة أنه قادم من خط 8 آذار، إلى المنصب الأول في الجمهورية، بدا بالنسبة إلى هؤلاء غير واثق من أنّ حلفاءه سيُقلعون عن استخدام الثلث المعطل حين أكد أنه لن يستخدمه شخصياً للتعطيل، مقابل حق كل الفرقاء أن يحصلوا على هذا الثلث بحجة أنّ وزراء من عدة أفرقاء يمكنهم أن يتكتلوا فيعطلون، وحين قال بوضوح إنّه مع المداورة في الوزارات لكن هذا يتوقف على موقف الفرقاء الذين ستتشكل منهم الحكومة، فإذا أصر البعض على الاحتفاظ بحقيبة ما يفترض ألا يتعرقل تأليف الحكومة بسبب ذلك. هذا ما كان يحصل طوال السنوات السابقة، بعد اكتشاف سيئات تكريس حق التعطيل هذا في اتفاق الدوحة عام 2008. فكل كتلة من قوى 8 آذار كانت تتنصل من رغبتها بهذا الثلث، لكنها كانت تتكل على تحالفاتها من أجل إشهار هذا السلاح.بين خصوم فرنجية من يعتبر أنّ منطق التعطيل هو الآفة، بالثلث المعطل أو من دونه. فحكومة الرئيس نجيب ميقاتي الحالية تعطلت عن الاجتماع أكثر من 40 يوماً، مطلع العام 2021 لمجرد أن الوزراء الشيعة الخمسة فيها، أي أقل من الثلث زائداً واحداً، امتنعوا عن حضور اجتماعاتها بعد اشتباكات الطيونة، ومن أجل إقالة المحقق العدلي في جريمة انفجار مرفأ بيروت. وحتى خصوم فرنجية يوافقونه على أنّ مشكلة التعطيل ليست عنده ويرون أنّ الضمانات في هذا المجال يجب أن تؤخذ من «الثنائي الشيعي» وليس من رئيس الجمهورية، الذي لا تخوله صلاحياته الدستورية وقدراته السياسية أن يضمن الإقلاع عن آفة التعطيل.ينطبق الأمر نفسه على المداورة في الوزارات، أي أنّه إذا أصر «الثنائي الشيعي» على حقيبة المال، سيدفع هذا «التيار الوطني الحر» (إذا شارك في الحكومة)، إلى الإصرار على حقيبة الطاقة، وهكذا تعود الأمور إلى الدوامة التعطيلية نفسها في تأليف الحكومات، ما يستولد حالة إضعاف رئاسة الحكومة ويحبط معالجة غياب التوازن بين مواقع رئاسات الجمهورية والبرلمان والحكومة... وبإمكان رئيس الجمهورية أن يتنصل من هذا التأخير في تكوين السلطة... على رغم تسجيل بعض أقطاب السياسة من المسلمين إيجابية تأكيد فرنجية التزامه اتفاق الطائف.مع أنّ لدى مريدي فرنجية أجوبة على هذه الملاحظات، منها أنه للأسباب المذكورة تطرح فرنسا تسوية تشمل رئاسة الحكومة والحكومة، وتضمن عدم استخدام سلاح التعطيل، فإنّ قطباً سياسياً اعتبر أنّ إظهار فرنجية النيات الطيبة، لا يلغي أن «الطريق إلى جهنم معبدة بالنيات الطيبة وبالتالي من الخطأ توقع نتائج مختلفة من ممارسة الأسلوب نفسه بعدما أثبت فشله (في انتظام عمل المؤسسات)، في وقت يحتاج البلد إلى أدوات جديدة لمقاربة أزمته العميقة».تطمينات فرنجية للجانب الفرنسي وللجانب الروسي، ثم للرأي العام في مقابلته التلفزيونية، ظلت حمّالة أوجه، خصوصاً أنها جاءت بعد التشدد الذي عبّر عنه «حزب الله» بحشر خصومه في خيار بين رئيس «المردة» والفراغ، وبتهديدهم بأنّ ما يُعرض عليهم الآن لن يكون متاحاً لهم أن يقبلوه لاحقاً. وهو أمر لا يخدم الانطباعات التي أشاعها مريدوه، لا سيما أنه جاء بعدما افتتح وزير الخارجية الإيراني زيارته إلى بيروت بالتأكيد على المعادلة الثلاثية، الشعب والجيش والمقاومة، (مضيفاً إليها الحكومة هذه المرة)، في وقت يرفض الفرقاء الذين يسعى فرنجية إلى إقناعهم بتوجهاته، تكريس معادلة كهذه، مخافة تكرار التجارب السابقة.وهذا ما طرح السؤال عن كيفية استفادة لبنان من أجواء الاسترخاء في المنطقة، جراء التسوية السعودية-الإيرانية، والانفتاح السعودي-السوري، إذا كان حلفاء إيران فيه يتصرفون على أساس أنهم منتصرون وبالتالي على الآخرين التسليم بذلك؟

28-04-2023 07:50

رئيس الجمهورية: مسؤولية لا مواصفات!

كتب القاضي حاتم ماضي في "اللواء": ما انفك مهندسو انتخابات رئيس جمهورية لبنان العتيد سواء في الداخل أو الخارج يضعون المواصفات التي يجب أن يتحلى بها هذا الرئيس.لقد فات هؤلاء، ربما، أن رئيس الجمهورية في لبنان بعد الطائف لم يعد كما كان قبل الطائف. فالرئيس اليوم لم يعد يحكم وحده لأن ثمة من يتشارك معه في الحكم وهو رئيس الحكومة ومعهما مجلس الوزراء.لقد أناطت المادة 65 من دستور الطائف بمجلس الوزراء وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات، ووضع مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية واتخاذ القرارات اللازمة لتطيبيقها والسهر على تنفيذ القوانين والأنظمة والإشراف على اجهزة الدولة من ادارات ومؤسسات مدنية وعسكرية وأمنية بلا استثناء.اذا كان رئيس الجمهورية منتخباً من قبل أكثرية ثلثي أعضاء مجلس النواب أي أكثرية الأكثرية، فإن رئيس الحكومة تعينه أكثرية الأقلية من النواب. ولهذا السبب لا يشكل رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة غالب الأحيان فريقا حكوميا متجانسا سياسيا.قد لا يطيب للبعض الإعتراف بأن الحكم في لبنان بعد الطائف صار عملا مشتركا أقله في القضايا الهامة والحساسة. ومثل هذه الشراكة مطلوبة قي بلد مثل لبنان حيث التنوع الطائفي والمذهبي على أشده. ويفضّلون ربما «سيف التوقيع» الذي يتمسك به من كان معارضا للقرار بحيث تصبح عجلة الحكم مشلولة.وثمة سلاح آخر لا يقل ضررا عن سيف التوقيع يتمثل بالثلث المعطل بحيث ان الفريق الذي يملك هذا الثلث من الوزراء يستطيع التحكم بالحكومة، ويضع استمرارها بالحكم تحت رحمته ورهن ارادته ودائما يكون هذا الثلث المعطل من حصة رئيس الجمهورية لإيجاد نوع من التوازن بين سلطته وسلطة رئيس الحكومة. وقد ابتدعت العبقرية السياسية اللبنانية نظرية «الوزير الملك» أي الوزير الذي يكمل الثلثين عندما تدعو الحاجة.عندما تكون آلة الحكم على هذه الصورة فكيف يمكن أن نتصور أن باستطاعة هذه الآلة ان تحكم وان تنفذ برنامجها الذي تكون قد اعلنته امام مجلس النواب، وتكون قد نالت ثقة المجلس عليه؟! كذلك هل ما يزال يجدي نفعا ان يوافق رئيس الجمهورية وحده على اي تعهد سابق لإنتخابه؟!لقد أظهرت التجربة اللبنانية ان طريقة انشاء السلطة الإجرائية وطريقة انهاء دورها تشبهان عملية النصب المتبادل للأفخاخ، بحيث كانت عملية تأليف الحكومة تستغرق اشهرا طويلة ما يؤدي بالتأكيد الى شلل شبه تام في عمل السلطة الإجرائية.من جهة أخرى، لم يتضمن الدستور اللبناني اي نص يحدد ما هي مواصفات رئيس الجمهورية وانما اكتفى بما ورد في المادة 49 التي قالت بعدم جواز انتخاب احد لرئاسة الجمهورية ما لم يكن حائزا على الشروط التي تؤهله للنيابة وغير المانعة لأهلية الترشيح.كذلك، لم يشترط الدستور على المرشح لرئاسة الجمهورية ان يعلن عن ترشحه أو أن يتقدم من جهة ما بطلب ترشحه مرفقا بالمستندات التي تؤهله لتبؤ سدة الرئاسة.قد يكون المشرع الدستوري تجنب بذلك عمدا الإشارة الى الظروف المذكورة احتراما منه لمقام الرئاسة الأولى واحاطتها بالهالة التي تستحقها. لكن ذلك لا يمنع من الطعن بصحة الإنتخاب اذا لم تحترم الشروط العامة وذلك وفقا لأصول الطعن المعتمدة.وبعيداً عن كل ما تقدم، من الضروري لفت النظر الى أن مسؤولية رئيس الجمهورية في لبنان هي مسؤولية سياسية وليست مسؤولية عقابية لأن «العقوبات» المنصوص عنها في الدستور ليست عقوبات بالمعنى المقصود في مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات. وهذا ما يحدو بنا الى التوقف عن الكلام عن «مواصفات رئيس الجمهورية» لأن هذا الرئيس هو رأس الدولة ورمز وحدة الوطن.

16-03-2023 06:38

الجرأة في القرار السياسي

كتب النائب فادي كرم في "نداء الوطن": تختلف الظروف التي تفرض نفسها على القيادات السياسية لدفعها إلى اتخاذ القرارات المصيرية، هذا إن تلمّست تلك القيادات مصيريّة خياراتها أو قراراتها على المجتمعات التي تقودها. وتختلف الشخصيات السياسية التي تفرض نفسها على الظروف، فتدفع بالخيارات السياسية الوطنية إلى المكان الذي يُناسب مبتغاها ورؤياها السياسية الاستراتيجية. كما تختلف التقييمات بين الأطراف السياسية، فلكلّ طرف زاويته وتموضعه اللذان يسمحان له بالنظر الى القضايا ذاتها من واجهاتٍ مختلفة، ويتحمّل كل طرف مسؤوليات قراراته وعواقب نتائجها.ولكلّ هذه التباينات والاختلافات مسبّباتها وموجباتها ومبرِّراتها، ولكن ما لا يُقبل من القادة السياسيين، أن لا يتمتعوا بالجرأة لاتخاذ القرارات الصعبة والخيارات المصيرية، خصوصاً وأنّنا في لبنان نمرّ حالياً بلحظةٍ مصيرية تحتاج الى مسؤولين وقادة من صنف القادة القادرين على أخذ القرارات الجريئة، لمقاربة الخيارات الرئاسية من منطلقات تضمن مستقبل هذا البلد وتحفظ هويته الأصلية وثقافته المُميّزة.وأكثر الأطراف الذين يواجهون هذا التحدّي هم الأحزاب ذات الاغلبيات المسيحية والقادة المسيحيون، وبالذات «القوات اللبنانية» و»التيار الوطني الحرّ»، وبالطبع «الكتائب اللبنانية» وغيرها من الشخصيات السياسية ذات الحيثيات الشعبية. وإن كان لتكتل «القوات اللبنانية» النيابي القدرة والقيادة التاريخية لاستيعاب هذا الأمر، والإقدام بكلّ جرأة على اتخاذ القرار الحاسم، وعلى رسم الخطوط الحمر التي لن يتجاوزها، فإنّ تكتّل «الكتائب اللبنانية» النيابي لم يتوان أيضاً عن التموضع الجريء والواضح في هذا الأمر الاساسي لبقاء لبنان الذي شكّل حزب الكتائب عموداً من العواميد التي ارتكز عليها بلد الأرز بنشأته.أمّا «التيار الوطني» فهو الجهة التي تقع حالياً تحت الامتحان الصعب والمصيري الوطني، ولن يكون للمواقف العامة الملتبسة وغير الواضحة أي وقع ايجابي، وإنّ اللعب على الخيارين كمن اختار بناء منزل له على حدودٍ متوترة لدولتين عدوّتين، فمصير المنزل وصاحبه الدمار والهلاك، والخسارة هنا ليست مقتصرة على فريق «التيار» أو رئيسه، بل على فئة واسعة من اللبنانيين ومن المسيحيين خصوصاً، ما يعني اختلالاً جديداً وأساسياً في التركيبة اللبنانية، سبب وجود بلد الأرز.إنّ ضرورة اتخاذ القرار بسرعة هي مسألة مصيرية وبأهمّية طبيعة الخيار، فاختيار «التيار الوطني الحرّ» الاستمرار بالتحالف مع محور المُمانعة يعني إعداماً للبنان، لأنّ هذا البلد المُدمَّر بكلّ قطاعاته لن يستطيع في المستقبل القريب استعادة القدرة على إعادة بناء مؤسساته والحياة الطبيعية فيه، مع التأكيد أنّ التعامل معه من الدول القادرة على مساعدته سيكون في الحدّ الادنى، وهذا الواقع سيكون قاتلاً لكل الفئات اللبنانية، وبالأخصّ للمسيحيين الذين وصلوا نتيجة النزف الخطير بالفئات الشبابية إلى الخارج إلى وضع لا يمكن معالجته كلّما تأجّل زمن الانقاذ الوطني.إنّ خيار تجيير لبنان إلى محور التوسّع الايراني الفقهي على حساب الثقافة اللبنانية، مقابل الحصول على مواقع سلطوية وتوازنات داخلية نفوذية، هو طعن في خاصرة التاريخ اللبناني المليء بالنضالات والبطولات.إن كانت الخيارات هي العامل الذي يُحدّد مصير لبنان، فإنّ الجرأة في اتخاذ القرار المصحوبة مع الحكمة هي التي تؤكّد هذا المصير، وإن كانت بعض الأطراف قد عقدت العزم واتخذت القرار الجريء للمضي بالدفاع عن لبنان والحفاظ على ثقافته، مهما غلا الثمن، فإنّ أطرافاً اخرى لم يعد يمكنها البقاء في خندق مُمانعة الجرأة في القرار السياسي، مهما كانت أثمان ذلك الشخصية.

22-05-2023 07:03

ما بعد جلسة "عرض العضلات"

كتب صلاح سلام في "اللواء": يدخل النواب جلسة اليوم، وهم يدركون سلفاً، أن أصواتهم في صندوقة الإقتراع لن تحسم المبارزة الرئاسية، بين الوزيرين السابقين المرشحيْن سليمان فرنجية وجهاد أزعور.ويخوض فريقيْ المواجهة غمار المعركة الإنتخابية، ويعلمون سابقاً، أن ساعة الحسم لم تدق بعد، وأن ليس بإمكان أحدهما أن يؤمن الأصوات المطلوبة لفوز مرشحه بالرئاسة الأولى.ورغم إدراك كل الأطراف السياسية أن جلسة اليوم ستقتصر على «حفلة عرض عضلات» كل فريق، عبر تعداد الأصوات التي سينالها كل مرشح. إلا أن أهميتها تكمن بأن مفعول تداعياتها من المفترض أن ينتهي مع إنتهاء الجلسة وإنصراف النواب، لتبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة في السباق الرئاسي، المفتوح على العديد من المفاجآت.ما بعد الأربعاء ليس مثل ما قبله. لأن أجواء تفاهمات خارجية مرشحة للوصول إلي الفضاء السياسي اللبناني، ومن شأنها أن تُحدث «إختراق ما» في جدار الأزمة المتفاقمة، بسبب الإنقسامات العامودية المدمّرة، والتي أخذت طابعاً طائفياً ومذهبياً في الأيام الأخيرة، وأطلقت العنان لسفاهات التعليقات المحمومة على وسائل التواصل الإجتماعي.جلسة اليوم ستكرّس العجز اللبناني الداخلي على إنهاء الشغور الرئاسي، ووضع البلد على سكة الإنقاذ، عبر سلطة جديدة تحظى بثقة الدول المعنية بتقديم الدعم للبلد المنكوب، وتكون قادرة على تنفيذ الإصلاحات البنيوية الأساسية، لإخراج الدولة من دوامة الإنهيار والتلاشي التي تتخبط فيها.ومقابل الإنسداد الداخلي في مسار الوضع اللبناني المتدهور، ثمة ديناميكية خارجية ناشطة بين عواصم اللقاء الخماسي، لبحث سبل التوصل إلى إنتخاب رئيس لبلد الأرز، يكون بمثابة فاتحة عهد جديد يطوي صفحات التردي والضياع، ويستعيد وحدة اللبنانيين حول السلطة الشرعية والدولة، التي تبقى الملاذ الأخير لكل اللبنانيين، على إختلاف طوائفهم ومناطقهم، ومهما بلغت خلافاتهم.الموفد الفرنسي الجديد جان إيف لودريان سيأتي إلى لبنان ليلملم جراح جلسة اليوم، ويُمهّد لحوار بين اللبنانيين وفك طلاسيم المقاطعة الراهنة بين القيادات الحزبية والسياسية، وشق طريق التوافق حول الرئيس العتيد.والإتصالات بين عواصم اللقاء الخماسي لم تهدأ، وإحتمال العودة إلى الإجتماعات الخماسية وارد في أية لحظة، شرط أن يكون الوضع اللبناني أصبح ناضجاً لتحقيق تسوية تُنتج رئيساً، تكون كل الأطراف فيها «رابحة»،بعيداً عن حسابات الربح والخسارة، ولا يكون فيها فريق منتصر وآخر منهزم.فهل تتجاوب أطراف الداخل مع مساعي الحل الآتي من الخارج؟

14-06-2023 07:02

{{ article.title }}

{{safeHTML(article.Text)}}

{{ formatCategoryDate(article.publishDate) }}

Article Image

المزيد