جنرال "التحرير" و"التغيير".. و"التكفير"

جورج بكاسيني

5/19/2013 7:46:09 AM

عرف المسيحيون عموماً، والموارنة خصوصاً، ظواهر عبر التاريخ، لجأ فيها بعض السياسيين إلى الدين والقديسين في حملاتهم الانتخابية. وقد بلغت هذه الظواهر ذروتها مع إعلان بعض مرشحي "الحلف الثلاثي" في كسروان العام 1968 "استدارة" تمثال السيدة العذراء في حريصا، علهم من خلال هذه "الدعاية الانتخابية" يكسبون مقاعد الدائرة.

إلا أن المسيحيين أنفسهم لم يسبق أن شهدوا ظاهرة كتلك التي اعتمدها جنرال "التغيير والإصلاح" ميشال عون وأعضاء تكتله من "اقتباس" دور السيد المسيح أو "الروح القدس" في مواقفهم، ناسبين لأنفسهم حقاً حصرياً بتمثيل حقوق المسيحيين، ونزع هذا "الحق" عن المسيحيين الآخرين.

هذا ما فعله في الأيام القليلة الماضية الوزير جبران باسيل مع دعوته المسيحيين إلى "إضاءة" الشموع في منازلهم.. علّ الروح القدس يهبط على بعضهم (غامزاً من قناة رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع" ليصوّت لمصلحة المشروع الأرثوذكسي). وبذلك أعطى باسيل انطباعاً أنه "ناطق رسمي"، أو "ممثل شرعي وحيد" للروح القدس، موحياً أنه كفيل بأن يلبي رغبته تلك.

أما النائب نبيل نقولا فشبّه جعجع بـ"يوضاس" مذكراً بأن السيد المسيح سامح كل تلامذته إلا يوضاس.. موحياً بذلك أيضاً أنه "ناطق رسمي" باسم السيد المسيح، ومشيطناً جعجع (وغيره) إلى حد "التكفير"، وهو الخطاب الذي انتهجه ميشال عون منذ افتتاحه حياته السياسية، تفادياً للقول منذ الطفولة.على أن الأخطر من هذه وتلك، يبقى ذاك الفجور الذي بلغ مع شلّة التغيير والإصلاح" وفي مقدمهم باسيل، حدّ رهن مصير المسيحيين ومستقبلهم بتحديد نسل المسلمين، وكأن المسيحيين اكتسبوا دورهم التاريخي من خلال تحديد نسل الآخرين، متجاهلاً أن تردي وضع المسيحيين سياسياً وديموغرافياً إنما يعود أولاً إلى ما ارتكبه عمه ميشال عون. ذلك أن ثمة إجماعاً لا جدال حوله أن من أهم أسباب هذا التردي هو هجرة المسيحيين، التي شهدت ثلاث موجات متتالية في تاريخنا الحديث: الأولى مع الحرب الأهلية، والثانية مع "حرب التحرير" التي شنها الجنرال عون والثالثة مع "حرب الإلغاء" التي شنها الجنرال نفسه، مع التذكير بأن المحطات الثلاث شهدها لبنان ولم يكن تيار "المستقبل" قد ولد بعد أو أبصر النور.

لكن الجنرال وأعضاء تكتله يصرون دوماً على حرف الأنظار عما ارتكبوه، أو تحميل المسؤولية للآخرين، كما فعل باسيل في مؤتمره الصحافي الأخير عندما أوحى أن تيار "المستقبل" أبلغ جعجع أن المناصفة لم تعد مقبولة، ظناً منه أن هذه الفكرة يمكن أن تنطلي على المسيحيين، متجاهلاً عن سابق تصور وتصميم أن تيار "المستقبل" ورئيسه سعد الحريري هما أول وأكثر من تمسك "بالمناصفة"، تماماً كما فعل مؤسس التيار الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي طالما اعتبر أن المناصفة من أهم إنجازات الطائف.

لكن رواد الاستنسابية، لا سيما في الأمور المصيرية، يختارون ما يريدون من الطائف ويرفضون جوانب أخرى من الاتفاق نفسه رغم تكاملها وتلازمها.. فيتمسكون بالمناصفة ويتناسون تركيز الطائف على "العيش المشترك" أيضاً، بحيث تكون هذه المناصفة تحت سقف هذا "العيش المشترك"، وليست مناصفة من أجل انفصال المكونات اللبنانية عن بعضها البعض كما يحلو للجنرال من خلال مشروعه "الأرثوذكسي".

السؤال: كيف يمكن أن يستقيم النقاش حول موضوعة مهمة كقانون الانتخاب في ظل هذا الصراخ والفجور الذي تجاوز كل السقوف والمحرمات والمسلمات والثوابت التي قام عليها لبنان؟ وإلا فلماذا يتغنى اللبنانيون، ولا سيما المسيحيون منهم بما سمّي "الميثاق الوطني"؟ وماذا بقي من هذا الميثاق مع هذه الأصوات المسعورة التي تخبط خبط عشواء، يمنه ويسرة، فقط من أجل مقعد نيابي من هنا.. أو رئاسي من هناك؟.

غريب عجيب أمر أعضاء "التغيير والإصلاح" يدّعون مواجهة "التكفير" في طوائف الآخرين ويمارسونه داخل طائفتهم وإزاء الطوائف الأخرى في آن. يزعمون الدفاع عن حقوق المسيحيين من خلال المشروع "الأرثوذكسي" وقد فضحهم موقف السيد حسن نصر الله وبشار الأسد وممثله ايلي الفرزلي أن المطلوب هو انتشال "حزب الله" والنظام السوري من "فييتنام" الثورة السورية.. متناسين أن انتخاب 26 نائباً مسيحياً أو أكثر لتكتل "التغيير والإصلاح" إنما يصب في خدمة هذا الحزب وهذا النظام، وليس في خدمة أي حقوق، مسيحية أو غير مسيحية.

ما شهدته الأيام والأسابيع والشهور القليلة الماضية من سجالات ساخنة وأفكار ومشاريع تجاوزت كل السقوف أعطى انطباعاً أن بعض المسيحيين أعاد سلّم الأولويات في لبنان إلى مرحلة ما قبل الدولة، التي صنعوها هم.. الى انقسامات حادة على نحو الصراعات القبلية وعصبياتها التي سبقت الدولة (ابن خلدون). وهكذا صارت أولويات هؤلاء ترسيم الحدود بين الطوائف والمذاهب ـ بما في ذلك المذاهب المسيحية نفسها ـ بدلاً من ترسيم الحدود السياسية والجغرافية بين لبنان وسوريا مثلاً. كما تناسى داعمو هذه الصراعات (القبلية) ومشروع "اللقاء الأرثوذكسي"، كالنظام السوري و"حزب الله" "لاءاتهم" التاريخية لمشاريع تفتيت لبنان إلى طوائف ومذاهب خشية أن تصب في خدمة "العدو الصهيوني" الذي طالما سعى إلى شرذمة لبنان والمنطقة و"كنتنتها".

السجال الدائر بين بعض المسيحيين في هذه الأيام ضرب في ذاكرة المسيحيين أنفسهم فكرة أنهم كانوا رواد "النهضة" في المنطقة، وهي التي أعطت مضموناً حضارياً للعروبة بحيث حملت معنى "العيش المشترك" بين كل مكونات هذه العروبة. كما ضرب فكرة أن المسيحيين هم طلاب "سيادة"، تناغماً مع شعار القرن السابق (سيادة الدول والاستقلال)، بحيث حلت سيادة الطوائف والمذاهب واستقلالها عن بعضها البعض، مكانها.

ومع هذا المفهوم الجديد لـ"السيادة" صار في استطاعة جبران باسيل تركيب عدّاد، يتابعه على مدار الساعة، من أجل احتساب النمو الديموغرافي للمسيحيين والمسلمين، وإظهار النتائج ـ أول بأول ـ على شاشات التلفزة. ومع هذا المفهوم المشار إليه صار تكفير بعض المسيحيين "حلالاً" لدى تكتل "التغيير والإصلاح" بحيث لا يعود مسيحياً من لا ينتخبه المسيحيون وحدهم.. لا بل لا يصنف مارونياً من لا ينتخبه الموارنة وحدهم (وفق المشروع الأرثوذكسي) بدليل أن أعضاء تكتل "التغيير والإصلاح" لا يعتبرون النواب المسيحيين الذين انتخبوا بأصوات طوائف أخرى "مسيحيين"، كما رددوا مراراً عند الحديث عن أن قانون "الستين" أتى بـ15 نائباً مسيحياً فقط (بأصوات المسيحيين وحدهم).

لا نديم الجميل ولا سامر سعاده ولا ايلي ماروني ولا هادي حبيش ولا جورج عدوان موارنة: وحدهم ميشال عون ونبيل نقولا وحكمت ديب وجبران باسيل موارنة، علماً أن الأخير لم يستحق لقب نائب في الدائرة التي ترشح عنها على دورتين متتاليتين رغم غالبيتها المسيحية.

أكثر من ذلك الجنرال عون وأعضاء تكتله وحدهم المؤتمنون على المسيحيين في لبنان وسوريا وكل المشرق، وكل من ليس معهم من المسيحيين "خائن" ومرتد ومرشّح لمقصلة "التكفير"، أما السعي إلى تلبية رغبة السيد حسن نصر الله في عقد "مؤتمر تأسيسي" من أجل ضرب المناصفة لمصلحة المثالثة فليس "خيانة" على الإطلاق.

لم يعد سراً أن ما يخطط له "حزب الله"، وينفذه الجنرال بأمانة، من تفريغ للمؤسسات الواحدة تلو الأخرى، إنما القصد منه الوصول إلى ما دعا إليه أمينه العام، أي "المؤتمر التأسيسي". فرفض المشاركة في حكومة إلا وفي يد الحزب ورقة لإسقاطها (الثلث المعطل) واضح المعنى والدلالة. وكذلك التهديد بالاستقرار في حال تشكيل حكومة من دونه واضح أكثر وأكثر. وبهذا المعنى فإن عرقلة التوافق على قانون جديد للانتخاب والتهديد بعدم السماح بتطبيق القانون النافذ حالياً فله دلالاته المباشرة والصريحة. والدليل أن الجنرال وأعضاء تكتله سارعوا فور توصل قوى 14 آذار والنائب وليد جنبلاط إلى اتفاق على مشروع مختلط، إلى إعلان "سقوط الطائف" (جبران باسيل) والدعوة الى صياغة "نظام سياسي جديد" (عباس هاشم) تماماً كما فعل أبرز ممثلي النظام السوري في لبنان ايلي الفرزلي ووئام وهاب.

لكن إذا كان اللبنانيون لم يتمكنوا من التوافق على قانون انتخاب على مدى عام وأكثر من النقاش والاجتماعات المتواصلة والاتصالات والمشاورات فإلى كم عام سيحتاجون يا حضرة الجنرال للتوافق على نظام سياسي جديد للبنان؟ وفي حال اتفقوا ـ بعد عمر طويل ـ فعلى حساب من سيكون هذا النظام الجديد؟.

All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT