إسقاط النظام... اللبناني!
نبيل أبو منصف
5/20/2013 6:53:14 AM
لأن خطر الفراغ والفوضى الزاحف على لبنان لا يتيح اطلاقاً حتى فسحة شماتة تنفس عن كرب الناس حيال ممثليهم الاجلاء في ما يقدمونه في يوميات ساحة النجمة ونجومها المتهافتين، نسارع مكرهين كلبنانيين ذاقوا جمر التجارب التي لا تنفك تتكرر وتستنسخ نفسها الى "توجيه عناية" من يلزم الى ما سوف يهدد لبنان بالانسحاق.
نسأل نجوم ساحة النجمة قاطبة: الا تلاحظون انه، في حين ينهار النظام الدستوري اللبناني على أيديكم، يُعوّم النظام السوري نفسه، فيزحف على القصير وغير القصير ويزهو بأن نبوءاته عن انهيار دول المحيط السوري وفي مقدمها لبنان بدأت تزحف بدورها عليها؟
كان العالم ينتظر انهيار نظام بشار الاسد فإذا بانهيار النظام اللبناني يسبقه، فماذا تراه يعني ذلك في غيبوبة لجنة التواصل، ومن يقبع وراء استدراجها الى تحويل الأيام الاخيرة من مهلة وضع قانون الانتخاب مصيدة للنظام الدستوري؟
ونسألهم ايضاً: شاهدنا وشهدنا تَفَتّح قرائح نيابية في الايام الاخيرة، واكتشفنا ان لديكم خبرات واسعة مشهودة لا ينقصها علم وادراك في الحسابات. فلماذا لم تغدقوا علينا بهذه العبقريات الناضجة في مناقشة المشاريع الانتخابية قبل اشهر؟ ألم يكن ذلك كفيلاً بالتوصل الى قانون "انتخابي" لا محاصصي يوفق بين ضرورات التغيير الحقيقي واحترام الدستور من ام المؤسسات وحارسة الدستور والنظام؟ فمن تراه اذاً دسّ لكم قشرة الموز في ربع الساعة الاخير لتزجوا بالبلاد في اشداق الفراغ والفوضى؟
ونسألهم أيضاً وأيضاً: أمعنتم في لعن قانون الستين وشيطنته كما لم يجمع مجتمع نيابي وسياسي وحزبي على رفض قانون من قبل، وحوّلتموه الفزاعة والمشجب الذي تعلق عليه كل خطايا النظام. فماذا بالمفارقة الساخرة تجعلكم جميعاً أمام مصيبة انقاذ شرعيتكم وما تبقى من القليل المتهافت منها امام ورقة تين واحدة هي الذهاب الى انتخابات على عجل على اساس هذا القانون. فماذا تملكون غير التمديد او الستين لتطالعونا به اليوم او غداً؟ أوليست فجيعة وطنية بكل المعايير ان تتوسلوا غداً هذا القانون لكي تبقى لكم بقايا شرعية ستكون بدورها عرضة للطعن بدستوريتها أو الاستسلام لانتخابات الامر الواقع على اساس قانون الستين؟ ومن يضمن قدرة القوى السياسية على انتاج تسوية بعد التمديد تعيد احياء النظام ما دامت هذه القوى فشلت حتى الآن في مجرد اصدار قانون انتخابي؟
أخيراً لا آخراً، هل يعتقد هواة المدرسة الشعبوية أو النمط الشعبوي ان المضي في هذه الهواية سيكون كفيلاً بتكبير شعبية او بالثبات عليها في حين ينهار النظام اللبناني وتنكشف الحقائق تباعاً؟ وألا يعترفون مرة بأن ما يحصل في ساحة النجمة أقسى وأخطر بكثير من طموحاتهم في العثور على مكاسب بين الركام؟
� ��`��جمالي للصراع السوري، صفراً على اليمين أو الشمال لا فرق. لن تقدّم ولن تؤخّر كثيراً، اذا ما تعلّق الأمر بالترجيح بين النظام البعثي الأقلوي والنسيج الأكثري الثائر. لكنها قد تبدّل وتغيّر اذا ما تعلّق الأمر بتوسيع نطاق الصراع، فضلاً عن تجذير طابعه المذهبي، ورفع معدّله الدمويّ.
مع ذلك، فاذا كان "حزب الله" يمثّل كابوساً لكل من لا تنطلي عليه أكذوبة أنه حزب مقاوم، فان الانتهاء من هذا الكابوس لن يكون أبداً بسهولة ويسر انهزام الشرّ واضمحلاله في الدقائق الأخيرة من أي موقعة لـ"سوبرمان" أو "جونكر" أو "غرندايزر"، فالواقع ليس كالصور المتحرّكة.
>.
ومع هذا السيناريو، أثبت "الحزب" توقعات الخبراء. إنه سيبحث عن المبرّرات "المشروعة" للدخول من الباب العريض إلى الساحة السورية.
فالمقاومة امتياز أتاح، ويتيح، له الإنجازات السياسية والعسكرية والأمنية الكبرى في لبنان.
وهو اليوم ينقل النموذج إلى سوريا، حيث الإنجازات العسكرية تحصل بدعم مباشر من "الحزب"، وأبرزها السيطرة على مدينة القُصير ذات الأهمية الاستراتيجية.
وفيما كان السياسيون غارقين في تفحُّص جنس الملائكة في ساحة النجمة خلال الأسبوع الفائت، كان "الحزب" يحشد مقاتليه، ويجمعهم في الهرمل، ثم يدفعهم إلى الداخل السوري. ولاحظ سكان المنطقة هذا التوغل في الأيام الثلاثة الأخيرة أكثر من أي وقت مضى.
فغطاء "الجهاد ضد إسرائيل" سيبرِّر تحويل البقعة المجاورة للحدود السورية - اللبنانية، بكاملها، ساحة عمل واحدة لـ"حزب الله" وحليفه الأسد. وسيزداد "الحزب" انغماساً في الحرب الأهلية السورية، إذ يصعب الفصل بين عمله في الجولان وعمله في الداخل.
وزيارة مفتي سوريا الشيخ أحمد حسون لموقع "حزب الله" الجهادي في مليتا مدروسة التوقيت: مفتي السنّة السوريين يبارك الدور المقاوم لـ"حزب الله"... في لبنان وسوريا. ومن البديهي أن ترفض الغالبية السنّية في البلدين هذه المباركة، لكن "الحزب" يتشوَّق إلى عمامة سنّية في هذه اللحظات.
ففي القُصير، مثلاً، صراع بين مجاهدي "حزب الله" ومجاهدي الشيخ سالم الرافعي وإخوانهم السنَّة. وفي الجانبين يراق الدم اللبناني "المجاهد" على أرض بلاد الشام، والخوف من أن يسيل، عبر ما تبقى من شريط حدودي، إلى الداخل اللبناني الملتهب.
وفي النتيجة، قد تقع أحداث ذات طابع "مقاوَمي" في الجولان، وقد لا تقع. لكنّ ورقة الجولان ستكون في جيب "الحزب"، واستعمالها رهن بالحاجة إليها.
فـ"حزب الله" متوقف أساساً عن أي عمل عسكري في الجنوب منذ آب 2006 وصدور القرار 1701، فهل يعود إلى المواجهة من الباب السوري فيما هو يقفل الباب اللبناني؟
ولكن يمكن التساؤل، انطلاقاً من "تطويب" الجولان وتلال كفرشوبا ومزارع شبعا بقعة عمل واحدة: إذا وقعت مواجهة حدودية، فكيف ستتداخل الأحداث بين لبنان وسوريا، وكيف سيردّ الإسرائيليون، وما دور قوات الأمم المتحدة بشقيها: "اليونيفيل" و"الأندوف"، حيث الخلاف على الترسيم في المزارع سيزيد التعقيدات ويضيّع المسؤوليات؟
وانطلاقاً من دور "الحزب"، والدعم الهائل بالعتاد والعديد والخبرات لنظام الرئيس الأسد من طهران وبغداد وموسكو، ترتسم 3 مناطق نفوذ قوية، ويجري تدعيم متاريسها وتأمين الترابط بينها:
1 - المنطقة الساحلية.
2 - المنطقة الوسطى: بقعة القُصَير - حمص - ريف دمشق.
3 - المنطقة الجنوبية: جبل الشيخ والجولان وصولاً إلى مشارف الحدود مع الأردن.
وانطلاقاً من هذه المرتكزات الثلاثة، يتمدّد "حزب الله" وحليفه من الجولان شرقاً، ويتوسّع شمالاً عبر شبكة الطرق الدولية التي يحرص على تأمينها، وصولاً إلى العاصمة وحمص فطرطوس.
إنه تماماً خط الحدود اللبنانية - السورية ولكن من الجانب السوري. والتأمّل في الخريطة، يوحي بأن لهذا الخط معناه، لا العسكري فحسب، بل الديموغرافي أيضاً.
لقد رفع الرئيس حافظ الأسد شعار "شعب واحد في دولتين"، لكنه جعل لبنان وسوريا دولة واحدة "في سوريا فقط"، ولها مقاومة واحدة "في لبنان فقط"... وبلا شعب لا هنا ولا هناك!
وأما اليوم، فلا دولة لا في لبنان ولا في سوريا. وتبرز ملامح أكثر من "شعب" هنا وهناك. وعلى رغم ذلك، هناك "مقاومة واحدة" للجميع وعنهم... وعليهم، في البلدين.
مقاومة تتأهب هناك في الجولان، لكن حقلها الفعلي حالياً هو هنا في القُصَير...مقاومة تكمن هناك في المزارع، لكن حقلها الفعلي حالياً هو هنا... في بيروت!