عن "الخلطة" التي تريح اللبنانيّين
داني حداد
2/4/2020 6:31:45 AM
شهد لبنان، منذ سنواتٍ عدّة، "فورة أفران". لكلّ أربعٍ أو خمس أبنية فرن مناقيش. ثمّ كانت فورة محلات الهواتف الخلويّة.
أما عبر الشاشات فكانت فورة المحللين السياسيّين، وبعضهم يفهم في كلّ شيء. في السياسة الداخليّة والخارجيّة، وفي الاقتصاد والنفط والمال والنقد، وفي الخلوي... وحتى في المناقيش، داخل الفرن أو على الصاج!
أما اليوم فنشهد على فورتَين لا صلة للأولى منهما بالثانية.
فورةٌ عبر مواقع التواصل الاجتماعي حيث، كيفما تصفّحنا، تظهر علينا فتاةٌ تريد أن تعلّم الأخريات كيف يستخدمن مستحضرات التجميل، وفتاةٌ تسدي لنا نصائح للمحافظة على البشرة، وثالثة متخصّصة بالشعر وصحّته، ورابعة تخلط الزنجبيل مع قشرة الليمون وتضيف إليهما اللبن لإزالة التجاعيد، ناهيك عن الملابس والتغذية والرشاقة وأين نأكل والى أين نسافر وكيف ننام...
والفورة الثانية تُختصر بتسمية "ناشط في المجتمع المدني". "نَبَتَ" فجأة مئات الناشطين الذين يطلّون عبر الشاشات أو مواقع التواصل الاجتماعي، وهؤلاء يحاضرون في الكهرباء ويحلّلون في الاقتصاد ويملكون محضر اتصال ترامب ببوتين ويعرفون الى أين ذهبت الأموال المنهوبة وأرقام الحسابات التي حُوّلت إليها، والى أين يتّجه الشرق الأوسط، وما السبيل الى حلّ أزمة المحروقات والرغيف والنفايات...
بلدٌ يفهم فيه البعض بكلّ شيء. ميكانيكي يتفوّق على صانع المرسيدس ويقنعك بأن لا حاجة لهذا البرغي في محرّك السيّارة. ونجّارٌ يؤكّد لك أنّ الطاولة تهزّ لأنّ الأرض ملتوية. وسياسيٌّ يقول إنّ لعنة لبنان هي الفساد، وهو لا يوفّر طريقةً إلا ويستفيد فيها من منصبه.
في الأمس، ودّعتُ صديقاً سيهاجر اليوم الى فرنسا. لم ينجح في حبس دموعه. كان يسألني دائماً، ومنذ سنوات، عن مصير البلد. يئس أخيراً وقرّر الهجرة. لعلّه ارتاح، ولعلّه أراحني من الإجابة عن مصير البلد. متى نرتاح جميعاً من فورة السياسيّين الفاسدين الذين يدفعوننا الى الهجرة؟ هل من خلطة كبريتٍ مع بنزين ٩٨ أوكتان لإزالتهم من الوجود؟