قبل "كورونا": جراد المجاعة وقمح حوران ومقتل الطبيب سبيريدون

نبيلة غصين

3/15/2020 12:10:20 PM

كتبت نبيلة غصين في "المدن": 

لم تكن فاطمة بنت محاسن قد ولدت بعد، عندما اجتاح الجراد البلاد مع بداية القرن المنصرم. وعلى الرغم من تجاوزها اليوم الخامسة والتسعين، ما زالت تذكر ما روته لها والدتها وجدتها عن المجاعة والجراد وفتكهما في البلاد في الحرب العالمية الأولى.
المجاعة وحوران
كان الجراد يغير على المحاصيل فيأكلها. وكان الناس يلتزمون منازلهم ويغلقون أبوابها ونوافذها، لئلا يدخل الجراد منها، فيأكل مؤنتهم المخبأة. وأقلعت النساء عن طبخ الطعام أمام منازلهن، كما كن معتادات، وصرن يطبخن داخل المنازل.
لم يعانِ الأهالي من الجوع في السنة الذي جاء فيها الجراد، لأن المحاصيل الزراعية والمؤونة كانت لا تزال متوافرة. المجاعة حلّت في السنة التالية بعد نفاد المؤونة والتهام الجراد المحاصيل الزراعية. وكان سكان القرى الجنوبية يقصدون حوران لتحصيل ما تيّسر من حبوب. ومنهم من مكث يعمل هناك ليأكل. وقبل المجاعة كان الجنوبيون يقصدون حوران نساءً ورجالا للعمل في الزراعة. وكانوا يمكثون هناك شهوراً يعملون في الحصاد. وفي المجاعة، قصدت النساء حوران للملمة بقايا حبوب المحاصيل المنسية سهواً في الحقول وعلى البيادر. كنّ ينقبّن عن حبوب القمح أو الشعير، ويعدن سريعاً لإنقاذ عائلاتهن من الجوع.
طائر العذاب
ابنة بلدة فاطمة المدعوة سهجنان نفذ محصول عائلتها، وبدأ الجوع يشتد عليهم، فحملت طفلتها التي لم تكن قد تجاوزت الثالثة من عمرها وشدّت رحالها إلى حوران سيراً على قدميها. في الطريق اشتد جوع الطفلة، فراحت تبكي وتبكي بلا توقف. فهددتها أمها بتركها إن لم تتوقف عن البكاء، ثم نفذّت تهديدها وتركتها في الطريق ورحلت. وبعد عودتها إلى القرية صار يتراءى لبعض الناس أن طائراً يحط على كتف سهجنان كلما مرّت بالمقبرة، فيقولون أن الطائر هو روح طفلتها التي عادت لتذكّرها بما فعلت وتعذبها.
وتروي مريم (65 سنة) عن لسان جدتها عليا، التي كانت تصف لأحفادها حال الحصار والمجاعة قائلةً: "سكر البحر يا ستي وما عاد حدا راح ولا إجا، الناس ماتت من الجوع وإجا الجراد وأكل الأخضر واليابس". وكان لعليا ابنة تدعى قدسية في السنة الأولى من عمرها، فتركتها برعاية والدتها وذهبت إلى حوران. ولما عادت بعد أيامٍ كانت ابنتها قد ماتت جوعاً.
بيض الجراد
يتحدث أبو نايف (مواليد العام 1927) عن الجراد الذي غزا البلاد مرتين: المرة الأولى قبل ولادته بسنوات عشر، وكان الجراد زحّافاً لا يطير: "إجا مثل هالإيام أول الربيع، الناس صاروا يقشروا جذور النبات إللي ما بتتاكل، يفرموها وياكلوها مع المخيض (اللبن). وإضطروا ياكلوا باقية وشعير تبع الحيوانات". وفرضت الدولة العثمانية أعمال السخرة على الأهالي والفلاحين. فكان على كل فلاحٍ أن يجمع 100 بيضة من بيض الجراد يومياً. وكانت كل بيضة تفقس 150 "نقزة" (جرادة). وكان البيض يسلّم للسلطات المعنية لإحراقه.
جاء الجراد مرةً ثانية في الأربعينات من القرن الماضي، لكنه كان من النوع الطيّار: "كان يعمل غيمة فوق روسنا قبل ما يحط عالأرض، وياكل ويرجع يطير". ويقول أبو نايف أن هذا الجراد لم يبق طويلاً. "لقد كافحناه بمزج النخالة (قشور القمح) بدواء الـ دي. دي. تي. ورشه في الحقول بعيداً من المحاصيل الزراعية.
سبيريدون حكيم الشعب
يعتبر أبو نايف أن الأمراض كانت قليلة جداً في تلك الأيام، باستثناء الأوبئة الكبيرة، مثل الجدري والهواء الأصفر. وعلى مر سنوات تعاقب على مرجعيون وبنت جبيل طبيبان: كاظم ظالم في الأربعينيات، وطبيب يدعى سبيريدون من إبل السقي، فنال شهرةً ومحبةً واسعة بين سكان القرى.
ذاع صيت سبيريدون كثيرا في الستينات والسبعينات، وكان هذا الطبيب يقوم بزيارات ميدانية إلى القرى، فيفحص المرضى ويصف لهم العلاج اللازم: "ياالله كان ما أحلاه هالحكيم. كان يضل عم يضحك وشاطر كثير". وتقول الحاجة فاطمة إن الدكتور سبيريدون كان يقسم زياراته إلى القرى في أيام الأسبوع. له في كل قرية منزل محدد يفتح له أبوابه لاستقبال المرضى ومعاينتهم. يدخل المنزل حاملاً حقيبة بنية اللون فيها آلة الفحص وبعض الأدوية والحقن، فيما تمتلئ سيارته من نوع الستايشن بحقائب الأدوية. سكان البيت يشعلون له نار بابور سبيرتو، عليه طنجرة ماء الساخن، يعقم الحقن فيها قبل حقنه المرضى. بعض النسوة كانت تقصدنه لسؤاله عن الارشادرات الصحية للنحافة.
الراعي القتيل
كانت سلطة النظام الإقطاعي قد انحسرت آنذاك لصالح الأحزاب التي أقدم الجيل الجديد على الانتساب إليها. وكان جيش لبنان الجنوبي بقيادة إنطوان لحد يقوم بتنظيم فصائله، بعدما أصبحت بلدات الشريط الحدودي وقراه تحت إمرته.
ووضعت قوات الاحتلال في بلدة القنطرة المطلة على وادي الحجير حاجزاً بين المنطقة المحررة والمنطقة المحتلة. فنشطت عمليات التهريب بين فلسطين ولبنان. مجموعة من الشبان نشطت بسرقة السيارات والشاحنات من الشطر المحرر وإدخالها عبر نقطة العبور (القنطرة) لبيعها في المناطق المحتلة. لم يرق لشبان من القنطرة تهريب البضائع المسروقة من اللبنانيين لبيعها للإسرائيليين. ومن أولئك الشبان الراعي محمد عقيل الذي تصدى لمهرب التقاه في الوادي. وبعدما تكرر اعتراضه طريق المهربين عمد جنود جيش لبنان الجنوبي إلى قتل محمد عقيل.
اغتيال سبيردون
بعد تقدمه في السن، قام الطبيب سبيريدون بتوظيف سائق لسيارته، فأثار شكوك بعض سكان القرى والفصائل الفلسطينية المسلحة والأحزاب، واتهموه بالعمالة للعدو الإسرائيلي. وبعد كل زيارة للطبيب إلى بلدة القنطرة، كان الجيش الإسرائيلي يسيّر دوريات ومداهمات في القرية. مضيف الطبيب في منزله بالقنطرة، المدعو أحمد جميل، نصح سبيريدون باستبدال سائق سيارته، لكن الطبيب لم يفعل.
واليوم يجلس ع.ع منفذ عملية اغتيال سبيريدون في منزله المطل على الوادي متذكراً تلك اللحظات: "كانت عملية قتل سبيريدون وسائقه رداً على عملية قتل محمد عقيل. فبعض الأحزاب عزمت على توجيه رسالة قاسية إلى إسرائيل وقوات لحد، بانها لن تقف مكتوفة الأيدي حيال "استشهاد" عقيل.
في ذلك اليوم ربض ع.ع ورفيقه للطبيب وسائقه قرب رأس نبع الحجير. لما مرت السيارة اعترضها منفذا العملية، فطلبا من السائق الترجل، فرفض الامتثال للأوامر. وكانت قوات حفظ السلام الدولي تسيّر دوريات في المنطقة. لذا كان على ع.ع تنفيذ العملية سريعاً. ولما اقتربت الدورية الدولية، أطلق ع. ع النار على السائق والطبيب، وفر مع معاونه.
ويروي أبو نايف (95 عاماً) أن خبر مقتل الطبيب سبيريدون صدم سكان القرى، فهرب بعضهم خوفاً من شن الفصائل المسيحية عملياتٍ انتقامية. وإلى اليوم يتحسر كبار السن في القرى على وفاة طبيبهم المحبوب، الذي كان يوفر عليهم مشقة الذهاب إلى النبطية أو صور لعيادة الأطباء.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT