الحكومة وخطّة "إرضاء الذات"... و"الذوات"
إيفون صعيبي
4/14/2020 6:55:44 AM
كتبت إيفون أنور صعيبي في "نداء الوطن":
منذ العام 2000، يتكرّر على مسامع اللبنانيين اقتراح "خفض النفقات وزيادة الواردات". ومنذ ذلك الوقت، المطلوب واحد: ترجمة هذه الاقتراحات الفضفاضة لتفادي بقائها مجرّد شعارات شعبوية - دراماتيكيّة.
في العام 1998 وفي عهد رئيس الجمهورية الاسبق اميل لحود، طلبت حكومة سليم الحص الاولى، والتي شُكلت على أنقاض حكومة رفيق الحريري، من شربل نحاس ومكرم صادر وضع خطة اقتصادية إصلاحية شاملة، الا أنها لم تُقرّ فظلّت حبراً على ورق. ومع عودة الحريري الى الحكم، تضمنت الموازنات المقدّمة بين الاعوام 2000 و2005 عدّة عناوين إصلاحية، إلا أن المجالس النيابية المتعاقبة رفضت المصادقة عليها. ذلك يعني أنه من باريس 1 و 2 و3 وصولاً الى "سيدر" ومن ثمّ الى خطة ماكينزي وأخيراً ما قُدّم على أنه خطة "لازارد"... كلها تتضمن الأفكار عينها: "زيادة الواردات وتقليص حجم النفقات"، فكيف يمكن تحقيق ما لم يتحقق منذ 20 عاماً، لا سيّما وأن الحكومات المتعاقبة لم تكتفِ بعدم احترام اقتراحاتها فحسب بل "فاجَرَت" بالإنفاق العشوائي، وما الـ 12 ملياراً "المفقودة" من دفاتر الموازنات العامة الا دليل على ذلك.
يقتصر الجديد الذي قدّمته خطّة الفريق الحكومي على عرض الأرقام كما هي واعتراف علنيّ بخسائر بـ 83 مليار دولار، وذلك للمرة الاولى في تاريخ لبنان الحديث. عدا عن ذلك، تضع الخطة وصفات للخروج من الأزمة لكن من دون تبيان كيفيّة تحقيق ذلك. ولعلّ المفارقة الأبرز القابعة في أوراقها الـ 34 تكمن في تحميل مصرف لبنان المسؤولية الأكبر عن الفساد المالي المستمر منذ التسعينات، من خلال الاتفاق على استقدام مؤسسة تدقيق حسابات دولية للكشف على دفاتر البنك المركزي المخفيّة، لكن من دون التدقيق في حسابات المالية العامة.
بذلك تكون الخطة الاقتصادية قد خيطت لإرضاء السياسيين المتعاقبين على السلطة - وهم من الذوات، بدلاً من معالجة الوضع الاقتصادي المترهّل ومشاكل المالية العامة المهترئة. وهي جاهدت في التركيز على الشق الاقتصادي - المالي - النقدي بيد أنها أغفلت الإصلاحات الأساسية التي لم تنل الحيّز الذي نالته قضيّة إصلاح النظام المصرفي، لا سيما في ما خصّ الهدر في "كهرباء لبنان" أو في ملف التهريب الجمركي، كما أنها لم تتضمن طُرقاً لتأمين عائدات ولا حتى استقطاب دولارات جديدة. لكن وكما جرت العادة، فإنّ التنظير في مكان فيما التنفيذ في مكان آخر. وحتى اللحظة، لا تزال المصالح السياسية فوق أي عنوان إنقاذ وطني - إصلاحي، وهو ما دلّ عليه تمرير صفقة سد بسري كما والتجديد لعقود "Alfa" و"Touch"، ما يشكل أول نسف للخطّة ولبنودها الغامضة.
تتناول الخطة أسهل الحلول، وهي إعادة هيكلة الدينَين الخارجي والداخلي من دون الغوص في التفاصيل الاخرى. هي تحمّل المسؤولية في الشأن المالي إلى أطراف معيّنة دون سواها، مبرّئة الحكومات المتعاقبة من التسعينات حتى اليوم، ومبرّئة معها ذمم المجالس النيابية التي صادقت على صفقات الفساد، وشاركت في مشاريع الاستدانة كافة والتي شكّل البنك المركزي جزءاً لا يتجزأ منها، وكلّ ذلك، في ظلّ امتناع مفوضي الحكومة لدى مصرف لبنان عن القيام بالدور الرقابي والتدقيقي المناط بهم قانوناً.
لا تذكر خطة "اللا" النموذج الاقتصادي الذي على لبنان الاقتداء به واعتناقه وهي تتغاضى عن سبل بناء اقتصاد سليم ومعافى، بدءاً برفع الاجور وخلق وظائف وصولاً الى خفض الضرائب بهدف رفع نسب النمو. فهي "لا" تتطرق الى قضية خلق عقد اجتماعي جديد ما بين الفئات التي ستتقاسم التضحيات المقبلة والتي ستجد نفسها عاجزة عن حماية مستوى معيشتها مع خسارة الليرة 50% من قيمتها. وهي أيضاً "لا" تلحظ أي نيّة لطلب المساعدة من صندوق النقد الدولي والأنكى من ذلك أنها تُلبنن توصياته، من دون أن تخفي حاجتها الى المساعدات الخارجية التي من شأنها أن تضخّ الدولارات، الأكثر من ضروريّة لبعث الاقتصاد من جديد. الى ذلك، "لا" تُكبّد الخطة الدولة أية أعباء لسد الفجوة البالغة 83 مليار دولار بل انها تحملها كاملة الى المودعين والمساهمين في المصارف دون شركائهم السياسيين. وبعيداً من ضرورة التدقيق في الحسابات المشبوهة ومصادرها، ليس من المنطقيّ تهرّب الدولة بمعناها السيادي من المشاركة بنسب من الخسائر، علماً أنها الجهة التي تمتلك مجالات واسعة للمساهة وبوسعها، نظرا للإمكانات التي في حوزتها، أن تؤسس شركة استثمار كبيرة تضم جزءاً من أملاكها في عدة مجالات (كشركة طيران الشرق الاوسط، وكازينو لبنان، وكهرباء لبنان، والريجي)، على أن تعطي أسهماً مقابل نسبة الاقتطاع التي ستطال أموال كلّ مودع(من غير المستفيدين من القطاع الريعي المتمثّل بنسب الفوائد الهستيريّة)، بما أن استعادة الاموال المنهوبة ومحاسبة السياسيين الفاسدين خارجتان عن جدول أولويات هذه الحكومة، وخطّتها.