كي لا يحكم "بدوي" الوطن...
فيرا بو منصف
01/01/0001
يقول النائب ميشال عون ان سمير جعجع لا يزال يعيش في عصر البدو وعصور ما قبل الاسلام! بعصبية بالغة رد عون جعجع الى التاريخ! الى القبائل وعصر البدو، وكل ذلك رداً على سؤال جعجع لعون: "كيف استطعت أن تغفر لقاتل شهداء 13 تشرين؟".
طبعاً طبعاً أخطأ جعجع في توجيه سؤال مماثل لسياسي مماثل، يرفض حتى الآن أن يواجهه اي صحافي بما لا يعجبه من الاسئلة، فكيف بسياسي آخر منافس له في كل شيء؟ طبعا من منظار عون.
عون رد جعجع الى ما قبل الاسلام، الى عصر البدو، وهو يقصد ان هؤلاء البدو كانوا سكان الصحراء جهلة لا يفقهون بشيء، وان كان على حد علمنا ان البدوي وبحسب التاريخ يتمتع بكرم الضيافة والاهم الاهم بصفات الشهامة والزود عن الضعيف وخوض الحروب للدفاع عن العشيرة والارض والعرض. هل سمع جنرال 13 تشرين بهذه الصفات؟! وإن كان عون يقصد ان البدو رحّل يتنقلون من مكان الى آخر، فالاخصام قبل الحلفاء يعترفون أن جعجع ثابت في مواقفه من القطارة الى معراب، لم تهزّه 11 عشر سنة إعتقالا إنفرادياً ويعيبون على بعض الحلفاء في "14 آذار" إنتقالهم السياسي الى محور "لبنان أولاً" الوريث الطبيعي للجبهة اللبنانية، فيما باتت شهرة عون الترحال من مقلب الى آخر، مرة يشهد في الكونغرس لمحاسبة سوريا ومرات يحج اليها في طائرة الاسد الرئاسية داعياً اللبنانيين الى تلاوة فعل الندامة لنظام الاسد، مرة يلتجئ الى أحضان فرنسا ومرات يشتمها ويهرول الى طهران مبشراً اللبنانيين بنظافة شوارعها.
يعتبر عون ان "البدوي" جعجع لا يفهم بعلم الاجتماع، ولا يعرف قواعد الحرب ولا قواعد السّلم، ولا متى يجب أن تبدأ الأمور ومتى يجب أن تنتهي. ولمن لم يفهم أبعاد هذا الكلام، اذ ان كلام الجنرال دائما أعمق مما نظن، هو يقصد ان علينا أن نعقد هدنة مع النظام في سوريا على اساس أن الحرب انتهت، والسوريون انسحبوا من لبنان، وكل شيء عاد الى طبيعته الحلوة، سوريا في سوريا ولبنان في لبنان، ولم يعد بيننا لا حدود سائبة منتهكة، ولا الاف المعتقلين في زنزانته، ولا آلاف الشهداء ربما المطمورين في ظلام المقابر الجماعية هناك، وبالتالي يجب عدم مساءلة ذاك النظام عن أبشع مجازر القرن العشرين التي ارتكبها في عهده الميمون، أي شهداء 13 تشرين، و، و، و... وكل ذلك يجب أن يُمّحى بزيارة وعناق ومصافحة للقاتل ويا دار ما دخلك شر وعفا الله عما مضى! لو اعترف جعجع بكل ذلك لما كان ليكون بدويا متخلفا، وبناء عليه على جعجع الا "يتعاطى في المجتمع ويلقي الخطابات فليتعلّم أوّلاً بين من ومن يُقام السلم بعد الحرب". لكن، وهنا المشكلة التي أصابها الجنرال في الصميم، "من أين نستطيع أن نأتي بأناسٍ معلّمين ومثقّفين سياسيّاً لنتكلّم معهم؟". والجواب، فليأت بمرتزقة، أو بجماعة "حزب الله" فهؤلاء هم المثقفون الفعليون، فليأت ببعض الاقلام الرصينة التي تكتب له وعنه على صفحات العونيين، هؤلاء متوافرون بالمئات وكل قلم مشروع زعيم مثقف حقيقي، وليس بالتأكيد زعيماً بدوياً متحدراً من الصحراء!!
الجنرال زعلان لأن في كل مرّة يصر جعجع على التوجه اليه بسؤال محرج: "كيف يمكن ان يغفر للنظام السوري ما فعله في 13 تشرين؟!". معه حق ان يعصّب، فهو تجاوز هذه المحنة من زمان ونسي وغفر لأن قلبه كبير ويتسّع للجميع حتى لأشد القتلة قتلاً وحتى لو كان "القتلى" من جيشه الذي قاتل لاجله واستشهد دفاعا عنه ظنا منهم انهم يدافعون عن لبنان، وهذه نعمة النسيان والغفران، والا فليعمل جعجع بنصيحة عون وليذهب الى سوريا وليقاتل النظام وليبحث بدربه عن الذين قتلوا هؤلاء الجنود في لبنان!!
من أين لجعجع، هو البدوي، أن يعرف كل هذه الامور التي "تحتاج للمعرفة وللنّضج السياسي، كما أنّها تحتاج لشخصيّة تتحمّل المسؤوليّات وتسير عكس عواطفها، لأنّه ولإنقاذ الإنسان، على المسؤول أن يسير عكس عواطفه" هذه قمة في التضحية والتنازل يا جنرال!!! ما يعني ان الجنرال يعضّ على جرحه النازف وبشدة، وكل يوم وهو يصافح القاتل في الشام، يدخل غرفته وحيدا ويبكي معصورا من الالم على شهداء 13 تشرين، وكل ذلك لان السياسة فن الممكن، وعلى السياسي المحنك الشاطر، أن يعرف كيف يعتمد سياسة القوي ولو على حساب المبادئ والمصداقية، ولو على حساب الوطن بأجمعه، السياسة شطارة وليس كرامة. لكن كيف لذاك "البدوي" أن يفهم؟؟ كيف لذاك البدوي المتمسك بتلك المبادئ البائدة المستقاة من روح الشهامة والدفاع عن الاخر وعن الارض والعرض، كيف له أن يفهم كل ذلك وهو المتقوقع في التخلّف وفي عصر ما قبل الاسلام؟!
ويبقى ان ما على الجنرال الا اقامة دروس خصوصية لامثال جعجع، شرط الا يقل المدرسون عنه كفاءة، وعلى ان تخصص الدروس أولاً في علم الحروب وهو الخبير في خوضها بحيث تكللت جميعها بالهزيمة، وثانياً والاهم في علم النفس وتحديدا في كيفية تناسي القضايا الوطنية الكبيرة مثل شهداء 13 تشرين، ليستقيم الوطن ولا يحكمه "البدوان"...