الجنرال من إلغاء السياسيين إلى إلغاء الإعلام!
بول شاوول
01/01/0001
ميشال عون معروف بذهنيته "الإلغائية" كأن سيرته محكومة بحروب إلغاء الآخرين. في السياسة وغيرها. فكل من يخاصمه أو يجادله أو يواجهه مصيره النفي. الإعدام حياً أو ميتاً. لا شيء يجب أن يعترض سبيله. يهدمه. يحطمه. ويفحمّه! فهو "فحام" السياسة بامتياز. وفحام العسكر. وفحام الانتصارات. وليس غريباً أن يجمع بين عبارة "تيارة" وبين الفحم، بين التيار الكهربائي ذي التوتر العالي. مصير كل من لا يعجبه التفحيم. هكذا صرخ وهدد الشهيد وسام حسن بالتفحيم. وقد حقق "حلفاؤه" آماله وطموحاته. عال! اذا لم يعجبه سؤال من زميل صحافي "يلغيه" يهزئه. يصرخ في وجهه. يمسخه شيئاًَ أمامه. إذا لم تعجبه صحيفة أو وسيلة إعلام يشتمها أو يهددها بالويل والثبور. إذا انتقده كاتب يرعبه بالقضاء. وهو وتياره وأبطاله من أكثر الذين رفعوا دعاوى قدح وذم بحق الصحافيين والسياسيين. أي يستعمل "القضاء" لكم الأفواه. رائع! فهو الفريد من نوعه، والمعدن الغالي النادر، يرى نفسه في مرآة واحدة: أحياناً يرى نفسه هنيبعل ولا أحد يقارع هنيبعل، وأحياناً نابليون، الطاغية الأكبر في الثورة الفرنسية. وأحياناً يرى نفسه أسداً يريد أن يفترس كل ما حوله. هو حر في أن يصور نفسه كما يشاء ويصدق فكرته عن نفسه. هذه يسمونها "الميغالومانية" وأحياناً "النرجسية" وأحياناً "اللوناتيكية"! ومن كان على هذه الأحوال يكسر كل من يراه أمامه منافساً أو كبيراً، أو معارضاً: فالميغالومانية تعني أولاً وأخيراً بالنسبة لصاحبها أنه دائماً "منتصر" وأنه دائماً على حق، ومن واجبه أن ينظر إلى الكائنات والمخلوقات نظرة دونية. ومن واجبه أن "يطهر" كل من لا يراه مناسباً لمصالحه.
هذا ما فعله في حرب الإلغاء مع القوات اللبنانية، عندما أعلنها "يا قاتل يا مقتول" لتوحيد البندقية، ورفض التعددية (إنها فكرة موروثة عن الطغاة والميليشيات والاستئثارية) أراد أن يلغي القوات، لا لأنها اخطأت بل لأنها تقف عقبة أمام مشروعه، وفي طموحه الرئاسي، فهو وحده يمثل مجتمعه الأحادي المفترض، وهذا ما فعله مع كل الزعامات مع دوري شمعون ومع ريمون اده.. وسواهما. ولا ننسى "مسخه" كل رؤساء الجمهورية: من الشهيد رينه معوض، إلى الرؤساء الياس الهراوي واميل لحود وحتى ميشال سليمان. فهو وحده يستحق هذه الرئاسة، ولأنه وحده يتمتع بملكات وقدرات خارقة فمن الضروري أن يحتقر ويمحو ويصفي كل من يدعي عكس ذلك، أو كل من أدرك هذه المناصب والمراتب. من القوات الى الرؤساء، فإلى 14 آذار. فإلى رفاقه في التيار. وكلما أمعن في السياسة توغل عقله في الإلغاء، خصوصاً إذا وجد أن بين هؤلاء من يسعى إلى مزاحمته، بطرس حرب فبرك محاولة الاغتيال وكذلك سمير جعجع والشهيد رفيق الحريري وشهداء 14 آذار تلقوا منه ما يستحقون في حياتهم وفي شهاداتهم. وكلنا يذكر كيف كان يحمل ممحاة الوصايتين ويشطب هؤلاء من سجل الزعامة أو السطور (حتى وصل به الأمر إلى حليفه المفدى سليمان فرنجية) اليوم، يتعمق ميشال عون في هذه المشاعر الغنية، والنبيلة ليدرك مرحلة لم يدركها أحد لا في السند ولا في الهند... ولا في بلاد الماو ماو... ربما أدركها الطغاة الصغار في أميركا اللاتينية، أو الأنظمة الشمولية، لكنه، هو تفوق على نفسه. واللهّ بمعجزة إلهية أعانه على تحقيقها "الحزب الإلهي" (الذي لا يختلف عنه) فعون يتطور من إلغاء منافسيه الى إلغاء الأعلام. عدة وسائل اعلامية كبرى، مقروءة ومرئية باتت على مرمى ضرباته من "النهار"، الى "المستقبل"، الى "الديار". فالى الـ "L.B.C" .. إلخ. فها هو يمارس هذه المرة الإلغاء الجماعي للإعلام. فكل هذه الوسائل التي لم تصدق روايته عن محاولة اغتياله يجب أن تكتم ، يجب أن تعاقب. (سبق بقصفه الشرقية والغربية والبقاع وبيروت في حربي التحرير والإلغاء الى ممارسة العقاب الجماعي باستهداف المدنيين في الشوارع وفي المنازل والملاجئ ومنزلي في الحمراء كان من ضحاياه).
فممنوع على الإعلام أن يحلل او يعلق أو يصور (حتى التصوير) ما لا ينطبق وتخيلات عون. فالمؤامرة هنا (سبق أن شتم "Le jour) و"النهار" و"L.B.C." .. واللواء... واليوم ينتقل من الشتيمة الى الإلغاء والكم والإسكات بواسطة القضاء: أنا خط أحمر ، أنا أعطيكم المعلومات والحقائق.. وأنتم تصدقونها وتنشرونها كما هي: (يا جدانوف ويا غوبلز ويا أحمد سعيد ويا رستم غزاليّ تجاوزكم الجنرال) أكثر: وقد هدد بأن كل من يروي "على هواه" حكاية "محاولة اغتياله المزعومة" معرض للملاحقة! أكثر: كل من يشكك بهذه "المحاولة" سيلاحقه بالقانون! رائع! وكأنه يقول كطغاة إيران وسوريا أو العراق (أيام صدام حسين)، لا إعلام خارج إرادتنا، لا إعلام خارج سيطرتنا! لا إعلام متعدداً ولا اجتهادات، ولا حرية ولا ديموقراطية، أنا ميشال عون الحقيقة الوحيدة. أنا الإعلام. أنا التلفزيونات. أنا الكُتَّاب. أنا المصدر الموثوق به. أنا ورق الجرائد. أنا حبرها. أنا معلوماتها. أنا قراؤها.. أنا كل شيء.
أنا ميشال عون كما ألغيت من ألغيت (وهزم في كل معاركه) أعلن أنني، وحتى إشعار آخر، أصادر كل الآراء بقوة القانون... وبلا رحمة.