ولك آخ يا هالبلد
اوكتافيا نصر
01/01/0001
نتحدّث عن الخطوط الحمر طوال الوقت، وكأنها خطوط محدّدة جيداً لا يمكن تجاوزها لأن لذلك عواقب غير مرغوب فيها. لكننا ننسى أن الخط الأحمر هو خط افتراضي غالباً ما يكون موجوداً في رأس الشخص، ويمكن أن يكون ملوّناً بأيِّ من ألوان قوس قزح أو بكل ألوانه مجتمعة. وقد اصطُلِح على تسميته الخط الأحمر للإشارة إلى ضرورة التوقّف عنده وعدم تخطّيه. لكن نادراً ما يحدث ذلك في الواقع، فالناس يتحدّثون عن الخط الأحمر لكنهم لا يلتزمون عدم تجاوزه.
ومع مرور الوقت، صار هذا الخط مرناً جداً، وربما وجب أن نسمّيه الخط المطاط لأنه يتحوّل ويتحرّك ويتوسّع أو يتقلّص بحسب الأوضاع والمستجدّات. ثمة سيناريوات كثيرة لإنهاء نزاع أو تصعيده، تماماً كما أن هناك ملايين الوسائل للتفاوض على تسوية أو بلوغ حائط مسدود. إنها مسألة خيار دائماً - خيارنا نحن - أياً كان الدور الذي نضطلع به في المعادلة. لذلك أرجوكم هذا الأسبوع أن تعفوني من كل هذا الكلام عن الخطوط الحمر في ما يتعلّق بالوضع في سوريا وشمال لبنان. لطالما كانت طرابلس وستبقى نقطة تفجّر لتنفيس الاحتقان في سوريا، وتهريب الأسلحة والمقاتلين، ولعب الأوراق السياسية المعهودة دعماً لنظام الأسد أو المعارضين له. هكذا هي الأمور دائماً، واستمرارها على هذا النحو أو توقّفها ليس رهناً بموافقة هذه الجهة أو اعتراض تلك.
تثير الخطوط الحمر الافتراضية القلق والخشية لدى البعض من دون سبب محدّد أو حقيقي. حتى إنني لم أعد واثقة من أن الناس يفهمون معنى "الخط الأحمر". فهذه العبارة تُستخدَم يمنةً ويسرةً للإشارة إلى تهديد محتمل ناجم عن حدث أو فعل معيّن.
لدى مشاهدة الأحداث الدموية الأخيرة في طرابلس، تذكّرت كل الخطوط الحمر هناك: القديمة والجديدة، كما المقبلة.
ما أعتبره خطاً أحمر حقيقياً ومخيفاً هو المدّة التي انقضت قبل أن تبدأ وسائل الإعلام المحلية بثّ تقارير عن الصدامات الدموية الأخيرة. حتى إن بعض النقّاد ذهب إلى حد القول إن الإعلام المحلي تجاهل ما يجري في طرابلس لوقت طويل. وقد يكون السبب السأم من تكرار رواية تنتهي دائماً كما بدأت، أي بصورة فجائية ومن دون أي سبب منطقي. عندما نضع نصب أعيننا أن كل وسيلة إعلامية في لبنان تخدم طرفاً سياسياً معيّناً، يصير واضحاً أن طرابلس ليست سوى ترجمة على الأرض للسياسة الضالعة في الانتفاضة السورية المشروعة التي تحوّلت حرباً أهلية قبل أن تغرق في فوضى شديدة من غير أن يكون لها هدف واضح أو قيادة مركزية، في مواجهة نظام بعثي منظّم وهمجي وقاسٍ. سوف يستمرّ المستنقع السوري والسياسات اللبنانية المتورّطة هناك في التمدّد نحو لبنان عموماً، ومدينة طرابلس الشمالية خصوصاً، مراراً وتكراراً بحسب حاجات النزاع والأفرقاء الضالعين فيه. سوف تستمرّ حصيلة القتلى في الارتفاع من جولة إلى أخرى، وسوف تواصل الحكومة تبجّحها في كل مرة، وسنستمع دائماً إلى مديح زائف يُغدَق على الجيش الذي يتلقّى على الدوام أوامر متأخِّرة للتحرّك، وسوف تُكرّر وسائل الإعلام على مسامعنا المعزوفة نفسها عن إعادة بسط الهدوء المصطنع، وعودة الحياة الطبيعية السوريالية إلى الشوارع. كل هذه الأمور غير حقيقية تماماً مثل الخط الأحمر الذي حذّر منه السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة. فقد تخوّف من عبور أسلحة كيميائية من سوريا إلى "حزب الله" من خلال النزاع الأخير في طرابلس. حقاً؟ قال تحديداً إن هذا الأمر هو... خط أحمر! هل تنتظر سوريا حتى الآن لمشاطرة حليفها الأقوى والمدلّل الذي يُقدِّم لها الخدمات مباشرة ترسانتها الكيميائية؟ حسناً، شكراً على التحذير أو التهديد، سواءً قصدت هذا أو ذاك بحديثك عن "الخط الأحمر"، لكنه يضاف إلى الخطوط الحمر الأخرى التي تتكرّر كثيراً على مسامعنا.
بالنسبة إلي، كما إلى كثر سواي، طرابلس هي القناة التي تُستخدَم لتبادل الرسائل بين الحكومات والتنظيمات والسياسيين. وفي نهاية المطاف، سكّانها هم الذين يعانون، الأشخاص أنفسهم الذين يُفترَض في السياسيين تمثيلهم وحمايتهم، إلخ.
كالعادة، تعقّبت انطباعات الناس عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وتوصّلت إلى الاستنتاج الآتي: عنوان مثل "طرابلس بدأت تشبه سوريا" يثير الهلع لدى الناس. تنقبض القلوب وتنقطع الأنفاس وتتشنّج الحناجر وتختنق الكلمات. تضج ساحات الذاكرة بأصوات وصور نتمنى لو لم تحصل و نصلي ألا تعاد.
اعتبروه خطاً أحمر رسمه المواطنون اللبنانيون المتوجِّسون!