السلاح المؤجَّل والزمن كحيلة سياسية: الدولة المستحيلة في ظل الحوار

4/23/2025 1:48:44 PM


ريمون مارون - مركز الشرق الأوسط للابحاث والدراسات الاستراتيجية - MEIRSS 

في زحمة الأزمات اللبنانية، يعود حزب الله ليطرح فكرة الحوار كمدخل لتسويةٍ كبرى تتعلّق بمستقبل سلاحه، في موازاة انسحاب الجيش الإسرائيلي من النقاط المتبقية المحتلّة. وبقدر ما يبدو الطرح عقلانيًا في ظاهره، فإنّه يخفي في عمقه ديناميّة تكرّس المراوحة بدل الحسم، وتُبقي على معادلة الدولة المعلّقة على حافة الكيانية.

لم يعد مقبولًا، بعد كل هذا التاريخ من التحولات، اختزال قضية سلاح حزب الله إلى "ملف قابل للنقاش". فالحوار، وإن كان فضيلة سياسية في الأنظمة التعددية، لا يمكن أن يكون ذريعة لتعليق القرارات السيادية ولا ستارًا يحجب حقيقة الانقسام العميق في تصور الدولة نفسها. السلاح ليس مسألة تفصيلية تُطرح على الطاولة كبند مؤجّل، بل هو في قلب المعادلة الوجودية لأي كيان يريد أن يكون دولة لا مجرد إطار جغرافي.
ما يُسوّقه الحزب كخيار "وطني" للحوار حول الانسحاب الإسرائيلي وجدولة تسليم السلاح، هو في الواقع استراتيجية مدروسة للتهرّب من الاستحقاق الجوهري: تفكيك منظومة السلطة الموازية التي بناها على حساب الدولة. فالزمن بالنسبة له أداة للتمديد، لا للتقارب. والفراغ السياسي ليس طارئًا في حساباته، بل مكوّن وظيفي يتيح له البقاء فاعلًا خارج كل منطق مؤسساتي.

غير أن المعضلة الأعمق اليوم ليست في السلاح بحد ذاته، بل في أزمة انتماء إلى الدولة. فحزب الله، وإن شارك في الحكومات والبرلمانات، لم يندمج فعليًا في منطق الدولة ومشروعها العام. بل بقي كائنًا هجينًا يتحرك بين الشرعية واللامشروعية، بين الداخل والخارج، بين الدولة والدولة البديلة. ومع انحسار الخيارات الإقليمية وتراجع مظلته الاستراتيجية، بات الحزب نفسه في حالة ارتباك بنيوي: كيف يشارك في دولةٍ لا يعترف كليًا بمرجعيتها، ولا يستطيع البقاء خارجها بالكامل؟

أزمة حزب الله ليست فقط في موقعه من الدولة، بل في فكرة الدولة التي يريدها. فالدولة التي يُفترض أن تحلّ محلّ السلاح يجب أن تكون بحسب منطقه  مطابقة لشروطه العقائدية والأمنية، أي دولة على مقاسه. لكن مثل هذا التصوّر يتناقض مع أبسط مبادئ العقد الاجتماعي، حيث تحتكر الدولة وحدها أدوات العنف المشروع، وتُبنى على قاعدة المساواة في الواجبات والحقوق لا التراتبيات الإيديولوجية.

إن بناء دولة حقيقية يبدأ من نزع كل ما يناقض سيادتها الداخلية أولًا. ولا يمكن الحديث عن "مراحل انتقالية" أو "جداول زمنية" لتسليم السلاح ما لم يُقرّ بمبدأ سيادة الدولة كمسلّمة غير قابلة للتفاوض. حين يتحوّل الحوار إلى بديل عن القرار، يفقد معناه كأداة للفعل الجماعي، ويصبح مجرّد آلية لإدارة الفشل.

في هذا الإطار، المطلوب ليس حوارًا يُبرّر التأجيل، بل مواجهة فكرية وسياسية تضع السلاح في موقعه الحقيقي: خارج الدولة، وخارج الشرعية. فلا يمكن للكيان أن يكتمل إذا بقي سيفان في غمد واحد. والوقت، مهما طالت جغرافيته، لن يصنع دولة إذا لم تُبْنَ على أرض صلبة من الحرية والعدالة والوضوح السيادي.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • كأس العالم
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT