هل يلهم ترامب نتنياهو لإسقاط خامنئي؟
نايف عازار
1/6/2026 7:03:57 AM
لم يفلح صناع القرار في إسرائيل في إخفاء غبطتهم العامرة لوقت طويل، بالعملية العسكرية الأميركية "الهوليوودية" في فنزويلا، والتي انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، بل سارعوا إلى الترحيب بما أنجزه قاطن البيت الأبيض.
رئيس الحكومة الإسرائيلية اليمينية بنيامين نتنياهو، الذي وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ اليوم الأول لتربّعه على عرش الإدارة الأميركية للمرّة الثانية بأنه "صديق بلاده الأعز"، سارع إلى تقديم التهاني له، واصفًا عملية كاراكاس بـ "الجريئة والتاريخية باسم قيم الحرية والعدالة". كيف لا والدولة العبرية تنظر إلى فنزويلا التي قطعت علاقتها بها عام 2009، على أنها ليست دولة معادية فحسب، بل على أنها دولة النظام فيها هو "صديق صدوق" لنظام الملالي في طهران، عدوّها اللدود.
التحالف المتين بين نظامي كاراكاس وطهران ليس وليد ساعته، إنما يعود إلى حقبة حكم الرئيس الفنزويلي السابق هوغو تشافيز، اليساريّ الهوى، والذي كان منسجمًا خير انسجام مع ما يُعرف بـ "محور الممانعة العالمي". والعلاقة هذه تواصلت واشتدّت أواصرها بين خلفه مادورو والنظام الإيراني، ومن ورائه "الحرس الثوري"، كون الجانبين يتعاونان عسكريًا واقتصاديًا في الظاهر، وفي الخفاء يقتاتان من الأنشطة غير الشرعية المتأتية من عمليات غسيل الأموال وتهريب المخدّرات، التي تفتك بالمجتمعين الأميركي الشمالي والخليجي على حدّ سواء.
ما يدعو صناع القرار في تل أبيب إلى تنفس الصّعداء أيضًا مع تلقي نظام مادورو ضربة قاسية، اعتبارهم أن فنزويلا أمست منصّة عالميّة لنفوذ إيران و "حرسها الثوري" وذراعها "حزب اللّه"، وأن المكاتب الدبلوماسية والسفارات الإيرانية في أميركا اللاتينية باتت تشكل غطاءً لحماية أعمال طهران و "حزب اللّه" المشبوهة، خصوصًا أن "الحزب" بات بأمسّ الحاجة إلى تدفق الأموال من أي جهة أتت، إلى شرايينه الاقتصادية المبتورة، بفعل الحرب الإسرائيلية الأخيرة المدمّرة عليه، وإمساك السلطات اللبنانية الشرعية بزمام الأمور الأمنية في المطار والمرفأ، معطوفة على الأعين الأميركية المفتوحة والشاخصة على المرفقين الحيويين في لبنان. وما يعمّق أزمة "حزب اللّه" المالية والتسلّحية أيضًا ويدفعه للبحث عن مصادر تمويل أخرى، سقوط نظام الأسد، الذي أدّى إلى قطع وريد خط إمداده بالسلاح والأموال، والذي كان ينطلق من طهران ويمرّ في دمشق وصولًا إلى بيروت.
لا ريب أيضًا في أن العملية العسكرية "الترامبية" الاستعراضية في "الحديقة الخلفية" الجنوبية للولايات المتحدة، ألهمت حكام الدولة اليهودية، وألهبت حماسة ائتلاف نتنياهو الحكومي المتطرّف، وحفزته على مهاجمة وربّما إسقاط رأس نظام الملالي، المترنح أصلًا تحت وطأة التظاهرات الشعبية الضاغطة المندّدة بالملالي، والتي تكبر ككرة الثلج يومًا بعد آخر. لا شك كذلك في أن حرص الرئيس الأميركيّ على استعراض جبروت بلاده وتفوّقها العسكري العالمي خلال عملية اعتقال مادورو، وعلى إظهار الرئيس المعتقل ذليلًا وخانعًا بين قبضات رجال الأمن الأميركيين، يرمي إلى بث الذعر والهلع في نفوس حكّام طهران، الذين يؤرقون حليفته المدلّلة في المنطقة إسرائيل.
الإعلام العبريّ رجّح أن تكون لعملية اعتقال مادورو، ارتدادات واسعة في منطقة الشرق الأوسط. المحلّل العسكري في "القناة 12" الإسرائيلية نير دفوري، اعتبر أن الهجوم الأميركيّ في فنزويلا، من شأنه التأثير على الحلبة الإيرانية و "حزب اللّه"، مؤكدًا أن اعتقال مادورو يشكّل استهدافًا مهمًّا للمحور بين فنزويلا وإيران و "الحزب"، وأن تنفيذ تهديد ترامب له وزن هائل في الشرق الأوسط، لأن العملية الأميركية ستشكّل عاملًا للجم طهران.
صحيفة "هآرتس" أوردت أن التقديرات في إسرائيل هي أن لـ "حزب اللّه" سيطرة في هذه الدولة، وأن قياديين في "الحرس الثوري" الإيراني حصلوا على جنسية محليّة تسمح لهم بالتنقل من دون حاجة إلى تأشيرة دخول في أنحاء أميركا الجنوبية، وبذلك تمّ توسيع تأثير إيران في المنطقة.
الصحيفة عينها نقلت عن الباحث في برنامج إيران والمحور الشيعي في "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، داني سيترينوفيتش، قوله إن "إيران لن تتخلّى عن أميركا اللاتينية وإنما ستحاول تعميق تأثيرها في نيكاراغوا وكوبا، اللتين تعتبران معاقل لمقاومة الولايات المتحدة، على خلفية تعزيز قوّة اليمين في القارة، وصعود عدد من الزعماء المؤيّدين لترامب في الفترة الأخيرة". وأشارت "هآرتس" إلى أنه "في إسرائيل رحّبوا بصعود اليمين في دول عدّة في أميركا الجنوبية في الآونة الأخيرة، ويأملون في أن العملية الأميركية ضد مادورو والضغط الذي يمارسه ترامب ضد زعيم كولومبيا اليساري، سيعززان هذا التوجّه".
الباحث الإسرائيلي في التاريخ السياسي الأميركيّ د. كوبي باردا، كتب في صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن ترامب يدّعي أن الهجوم على فنزويلا يأتي في إطار الحرب على المخدّرات، لكن هذه مجرّد ذريعة، وقصة مريح بيعها للجمهور الأميركي والجهاز القضائيّ، ومن خلفها يدور صراع أكبر بكثير حول الطاقة والتكنولوجيا والسيطرة العالمية. وأضاف باردا أن استهداف منشآت عسكرية ومطارات وأنظمة كهربائية لا يهدف إلى ردع عصابات وإنما إلى شلّ نظام، معتبرًا أن الرئيس الأميركي سعى إلى عزل فنزويلا عن محور الطاقة الصينيّ، باعتبار أنها مفترق طرق الطاقة. وقدّر الباحث الإسرائيلي أن الهدف من الغارات الجوّية والحصار البحري والإعلان عن فنزويلا أنها دولة إرهاب ليس إسقاط النظام خلال يوم واحد، وإنما وقف الإنتاج والتصدير وتجفيف الأنبوب الذي يربط بين كاراكاس وبكين.