أسبوع الوحدة

الأب الياس كرم

1/24/2026 9:07:00 AM

في عشية عيد الظهور الإلهي (الغطاس)، بلغني أنّ أحد الإخوة الكهنة في الكنيسة المارونية قال في عظته: «إذا قرع بابكم الكاهن الأرثوذكسي في البلدة، فافتحوا له الأبواب ليبارك منازلكم بالمياه المقدّسة». عبارة لم نألفها سابقًا في الخطاب الماروني، فكان السؤال مشروعًا: أهي قناعة شخصية لكاهن، أم تعبير عن توجّه آخذ في الترسّخ داخل الكنيسة نفسها؟

في الماضي القريب، لم يكن التقارب بين الكهنة، على اختلاف انتماءاتهم، أمرًا مألوفًا، حتى على المستوى الاجتماعي. أمّا اليوم، فيبدو أنّ بعض ثمار العمل المسكوني الرسمي بين الكنائس بدأت تنضج، حيث لم تعد شريحة من الكهنة تنظر إلى الآخر كخصم أو منافس، بل كشريك في الشهادة للإيمان الواحد. فالكنيسة الكاثوليكية عمومًا، قيادةً وإكليروسًا وعلمانيين، تخلّت تدريجيًا عن روحية “الأنا”، وانفتحت بصدق على الكنائس الأرثوذكسية، قياداتٍ وشعبًا. وتعاظم وعي الموارنة، تحديدًا، بأهمية تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية وغنى ليتورجيتها وكنوزها، حتى بات كثيرون منهم ينشدون التراتيل الأرثوذكسية التي كانت يومًا غائبة عن يومياتهم الروحية.
لا شكّ أنّ بعض مظاهر التعصّب ما زالت قائمة، عند كل الأطراف، وهي لا تزول بين ليلة وضحاها، كما أنّ الدعابات المتبادلة بين أبناء الكنيستين لن تجد لها حدًّا في المدى المنظور. غير أنّ الأهم يبقى في ضرورة التعامل باحترام كامل مع عقيدة كل كنيسة وقوانينها وعاداتها وتقاليدها وخصوصيتها.

والانفتاح، بطبيعة الحال، لا يعني الوحدة. فبين الكنائس اختلافات عميقة تحمل على أكتافها قرونًا من التاريخ، ولا يمكن تجاوزها بسحرٍ عابر. كما أنّ تسخيف بعض القضايا لا يخدم مسيرة التقارب، ومن ذلك مثلًا طرح توحيد عيد الفصح كمدخل للوحدة، في حين أنّه لا يمكن أن يكون سببًا لها، بل ثمرةً طبيعيةً تتحقق في ختامها.

إنّ جراح المسيح وآلامه تبقى نازفة ما دامت الكنيسة منقسمة. ومن هذا الرجاء يولد أسبوع الصلاة من أجل وحدة الكنائس، الذي يتجدّد كل عام سعيًا إلى العودة للوحدة كما أرادها الله. إنّه رجاء مبارك، فمجرد اللقاء والصلاة معًا يشكّل خطوة أساسية في كسر الحواجز، وفي الإعلان بأننا نعبد الإله الواحد، رغم تنوّعنا واختلافاتنا.

قد تكون الاختلافات كثيرة وعميقة، ولسنا هنا في وارد تعدادها، لكن ما يلفت النظر هو واقع العلمانيين الذين تخطّوا في حياتهم اليومية كثيرًا من الحواجز العقائدية، ويعيشون نوعًا من الوحدة الفعلية، رغم بقاء القوانين والعوائق حاضرة في القاموس الكنسي.

ورغم الانشقاقات، تبقى على الصعيد المحلي بارقة رجاء، نابعة من وعي متزايد، واحترام متبادل، ومعرفة أعمق بالآخر. فقد ترسّخ الاحترام بين الكنائس، وتقدّم الحوار فيما بينها، نتيجة اللقاءات الدورية والمؤتمرات والحلقات الحوارية والبرامج التلفزيونية، فضلًا عن الزيجات المختلطة التي قرّبت المسافات. كما أصبح المؤمنون أكثر انفتاحًا بعضهم على بعض، بعدما تعرّفوا إلى كنوز هذه الكنائس وتاريخها وعقائدها، وخرجوا من دائرة التقوقع والعزلة والتعصّب الأعمى.

في منطقتنا، تحرّرنا إلى حدّ كبير من هذا الانغلاق، ونعيش مناخًا من الثقة، غير أنّنا ما زلنا بحاجة إلى توعية أعمق، تُمكّن كل واحدٍ منّا من فهم حقيقة كنيسة الآخر واحترام فرادتها وخصوصيتها وغناها الروحي.
في الماضي القريب، لم تكن المشاركة في أي احتفال صلاة أمرًا واردًا، لا سيّما على مستوى الأساقفة والكهنة. أمّا اليوم، فقد بات الاشتراك ممكنًا في بعض الخدم، ولا سيما في المآتم والأعراس، حيث يُعطى لكل كاهن دور محدّد في الصلوات. كما أنّ مسألة المناولة الأولى لم تعد إلزامية في المدارس، وتراجعت سياسة “الاقتناص”، إلا لدى بعض الجماعات التي ترفض الانصياع للقوانين الكنسية والقرارات المتّخذة، وتستغل الناس ماديًا.
يبقى أن نضع ثقتنا بمجلس كنائس الشرق الأوسط، وباللجنة الرسمية للحوار المسكوني اللاهوتي بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية، وأن نصلّي من أجل أعمالها، من دون تطرف أو مبالغة في العدائية، الموجودة عند كافة الأطراف بمحدودية، لأنّ الله يريد رحمة لا ذبيحة، عندها نلج عنصرة جديدة.

نعم، إنّ الوحدة الكاملة تتجسّد في الشركة في القرابين المقدّسة. وحتى نبلغ شراكة الكأس الواحدة، علينا أن نسير معًا في درب الصلاة، وخدمة الفقراء، ومواجهة الانحدار الأخلاقي، والحفاظ على هويتنا المشرقية، وتشجيع أبنائنا على البقاء في أرضهم، والحدّ من بيع الأراضي والبيوت، ودعم طلاب المدارس والجامعات، وأن تضطلع الكنائس بدورها الفعّال في كل ذلك، مع الاستمرار في الحوار. لعلّنا نصل يومًا إلى ما ابتغاه الرب حين قال:
«لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي» (يوحنا 17: 21).
عندها فقط، تندمل جراح المسيح، المتألّم دومًا من انقساماتنا.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT