الفرح الحقيقي
الأب الياس كرم
1/31/2026 2:48:21 PM
في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات وتتراكم الضغوط، يختلط مفهوم الفرح على الإنسان، فيُختزل غالبًا في لحظة متعة سطحيّة أو حدث استثنائي، فيما يغيب عنه معناه الأعمق والأبقى. فالفرح، في جوهره، ليس نقيض الحزن، ولا حالة دائمة من الابتهاج، لا. الفرح حقيقة وجودية يعيشها الإنسان ليتمكن من مواصلة الحياة وسط ما يثقلها من آلام وتحديات.
ومضات الفرح تلمع سريعًا وتخطف الأنظار، لكنها ما تلبث أن تتلاشى، بينما يطيل الحزن مقامه، ويترك أثره العميق في النفس. ومع ذلك، يبقى الفرح أشبه بنفقٍ مظلم لا يخلو من بصيص نور في نهايته، نورٍ ينعكس أملًا وسلامًا، ويمنح الإنسان القدرة على الاستمرار.
ولا يقتصر هذا المشهد على الأفراد وحدهم، بل ينسحب أيضًا على الأوطان. فكما ينهض الإنسان من كبواته، تستطيع الدول أن تتجاوز محنها، حين يقرر أبناؤها شقّ طرق الفرح من بين ركام الأزمات. الشعوب لم تُخلق لتنتظر زوالها؛ خُلقت لتقاوم الانكسار، وتعيد بناء ذاتها ومحيطها، رغم القيود التي تفرضها التقاليد الجامدة أو القوانين الظالمة.
في هذا السياق، يبرز لبنان نموذجًا لافتًا. فرغم ما يمرّ به من أزمات متلاحقة، لا يزال يمتلك عناصر النهوض: كفاءة شبابه، حكمة شيبه، وإيمان شعبه بالحياة. هذه المقومات جعلت منه، على الدوام، أرضًا خصبة للمواهب، ومصدرًا للفرح الخلّاق، وشريكًا فاعلًا في نهضة المجتمعات التي يقصدها أبناؤه مهاجرين أو مغتربين.
للفرح مصادر متعددة: اجتماعية، ثقافية، رياضية، فنيّة وترفيهية. لكنّها في معظمها مؤقتة، سرعان ما تخبو، ليعود الحزن ويتسلل من جديد. ويقع كثيرون في فخ الاعتقاد بأن المال أو السلطة أو اللذة أو السفر هي الطريق الأضمن إلى الفرح، غير أن هذه مصادر ظرفية لا تضمن استمراريته.
الفرح الحقيقي، في المقابل، يتجاوز البعد المادي إلى عمقٍ إنساني وروحي. فهو يولد من العلاقات الصادقة، ومن الإنجازات التي تحمل معنى، ومن خدمة الآخرين، وقبل كل شيء من الفرح الروحي: الفرح في الله. هذا الفرح لا يتزعزع بتقلّب الظروف، لأنه نابع من الإيمان، والرجاء، والمحبة التي تجد معناها حتى في الألم.
من هنا، يصبح التواضع مفتاحًا أساسيًا لهذا الفرح، كما يظهر في مثل الفرّيسي والعشّار، الذي يفتتح به زمن “التريودي” في التقليد الكنسي الأرثوذكسي. فحيثما وُجد التواضع، انسكبت نعمة الله، وحيث تحلّ النعمة، يولد الفرح الذي لا يزول.
في عالمٍ يلهث وراء المتعة السريعة، تبقى الحاجة ملحّة لإعادة تعريف الفرح، كأسلوب حياة متجذر في المعنى، والإيمان، والإنسان.