"لا يتخطى عدد أصابع اليدين". هي أفضل عبارة لوصف عدد التقارير التي تقدّم بها مستثمرو المولدات في بيروت حتى الآن، بعد البلاغ الذي أصدره محافظ مدينة بيروت القاضي مروان عبود، في تشرين الأوّل من عام 2025، والذي يطالب جميع أصحاب ومستثمري المولدات ضمن نطاق محافظة مدينة بيروت بضرورة تقديم تقرير فني إلى وزارة البيئة بهدف الحدّ من التلوث البيئي، ضمن مهلة أربعة أشهر من تاريخ صدور البلاغ، تحت طائلة الملاحقة القانونية.
يأتي ذلك في وقت يعاني لبنان عمومًا وبيروت خصوصًا من حالة تلوث كبيرة منذ سنوات طويلة، حيث تشير التقديرات إلى وجود آلاف المولدات الكهربائية خاصة في بيروت الإدارية. وكانت دراسة لمجلة لانسيت توقّعت أن يكون لبنان في المرتبة الأعلى عالميًّا من حيث زيادة الوفيات الناتجة عن السرطان بنسبة تصل إلى 80 في المئة بحلول عام 2050. أرقامٌ صادمة تضع بيروت في الصدارة من حيث الأعداد، وتحوّل مرض السرطان من حالات فردية إلى أزمة صحية عامة تفتك بآلاف الأشخاص سنويًّا.
ويتضمن التقرير المطلوب تقديمه عدة معلومات منها ما هو حول صاحب المولد وموقع المولد ومعلومات أخرى مثل: القدرة الحرارية، ونظام ضبط الملوثات الهوائية المزود به، والإجراءات المتبعة لإدارة مختلف أنواع الملوثات عن تشغيل المولد. ومع اقتراب انقضاء المهلة، يبرز سؤال أساسي: هل سيُلاحق المخالفون؟ وما الإجراءات التي ستُتخّذ بحقّهم؟
الالتزام غائب وتوقيف المخالفين
تؤكّد مصادر في بلدية بيروت أنّ بعض المؤسسات بدأت بالفعل تقديم التقارير الفنية المطلوبة بموجب التعميم لوزارة البيئة، مشيرة إلى أنّه يتم إيداع نسخة منها لدى البلدية. مضيفة: "بدأ الالتزام بالتعميم، ولكن حتى الآن عدد الملفات التي وصلت إلى بلدية بيروت لا يتجاوز الـ10 ملفات فقط، معظمها من مؤسسات كبيرة". يأتي ذلك في وقت تشير الأرقام إلى وجود نحو 9300 مولد كهربائي في بيروت الإدارية.
وتتابع المصادر:"بدورنا، نقوم بالمتابعة والملاحقة عبر حث مستثمري المولدات على تكليف مكتب متخصص لإعداد هذه التقارير المطلوبة والتقدم بها إلى الوزارة"، مشدّدة على أن بلدية بيروت مستمرة في القيام بدورها للحدّ من التلوث لما له من تأثيرات مباشرة على ارتفاع نسب السرطان. ولقد تمّت إحالة أكثر من 20 مستثمر مولد إلى قائد الشرطة لتوقيفهم عن العمل في 21-1-2026 لعدم التزامهم بتعميم المحافظ المستند إلى تعميم رئيس الحكومة ووزيرة البيئة، والأرقام في ارتفاع مستمرّ. وهي مقسمة على الشكل الآتي:
2 ضمن نطاق فصيلة المصيطبة - 10 ضمن نطاق فصيلة الطريق الجديدة - 9 ضمن نطاق فصيلة البسطة - 1 ضمن نطاق فصيلة زقاق البلاط.

وعن الإجراءات التي ستتخذها البلدية بحقّ المخالفين، تلفت المصادر إلى أنّ هذا الملف معلّق بانتظار الوزارة لأنّها هي صاحبة الصلاحية للنظر في ما إذا كانت ستوافق على هذه التقارير وما إذا كانت التقارير تتضمن كل التفاصيل المطلوبة.
ورغم المساوئ الجلية لانبعاثات المولّدات، تشير مصادر البلدية إلى أنّ غياب الكهرباء يدفع كثيرين إلى الاعتراض على إيقاف المولدات رغم أنها إجراءات تصبّ في مصلحة المواطن، كونهم "يفضلون الكحل على العمى".
هنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّنا تقدّمنا بطلب معلومات إلى وزارة البيئة للاطلاع على مدى الالتزام بتقديم التقارير الفنية بالتفاصيل والأرقام، إلا أنّنا لم نلقَ أي ردّ. (تجدون طلب المعلومات مرفقاً بالصّورة)
أكثر من 400 محضر ضبط
يُعتبر غياب تركيب الفلاتر للمولدات الكهربائية في بيروت من المشاكل الأساسية التي تضاعف خطر التلوث. وفي محاولة لمواجهة عمق الأزمة تكشف النائبة وعضوة لجنة البيئة نجاة عون صليبا أنّه تم تنظيم أكثر من 400 محضر ضبط بحقّ أصحاب مولدات ضمن نطاق بيروت، قائلة إنّ هناك التزام بتركيب الفلاتر. وتشرح: "منذ سنتين نرفع الصوت بضرورة أن يتم تركيب فلاتر للمولدات. ورغم أنّ هذه الفلاتر لن تمنع تلوث الهواء بالكامل، إلا أنّها ستحدّ منه. وقد عملنا مع وزير البيئة السابق ناصر ياسين من أجل تجديد وتعديل المرسوم رقم 4/1 - 2024، ليُعالج موضوع الفلاتر بطريقة أفضل، ويُحدّد المواصفات وفق أحجام المحركات. كما عملنا مع المدعية العامة البيئية في بيروت القاضية نادين زوين، ومع فرق قوى الأمن الداخلي خصوصاً قسم الأشرفية لاعتمادها كنموذج وتعميمه في ما بعد".
وتضيف صليبا، في حديثٍ لموقع mtv، أنّها تواصلت مع وزارة الصحة بشأن هذا الموضوع، وقد أكّدوا أنهم سيتخذون الإجراءات اللازمة، لافتة إلى أنّ وزير الصحة ركان ناصر الدين أكّد أنه سيتم إنشاء قسم للتوعية ضد التدخين وكيفية تفادي الإصابة بالسرطان إضافة إلى متابعة الحالات.
لبنان الأوّل عالميًّا بالسرطان
تأتي هذه التحركات في وقت لا بدّ من دقّ ناقوس الخطر، مع التوقّع بأن يكون لبنان في المرتبة الأعلى عالميًّا من حيث زيادة الوفيات الناتجة عن السرطان بحلول عام 2050.
وتنقسم أسباب هذا الارتفاع إلى ثلاثة أقسام: سلوكي (Behavioral)- بيئي (Environmental) وأيضي (Metabolic)أي العامل الوراثي. والعاملان الأكثر أهمية هما السلوكي بسبب عدد المدخنين الكبير في لبنان إضافة إلى التلوث. ولذلك فإنّ الاعتماد على المولدات بهذا الشكل يزيد من الخطر، إذ أنّ نصف ما يتنشقه اللبناني يأتي من مولدات الكهرباء، وفق ما يؤكّد الاختصاصي في أمراض الدمّ والأورام فراس كريدية، شارحاً عبر موقع mtv أنّ "أكثر المواد التي يتنشقها اللبناني هي من النوع الأوّل أي المثبت تسببه بالسرطان".
نسب السرطان في لبنان في تصاعد مستمرّ. و"ستبقى كذلك" يقول كريدية، مؤكّداً أنّه إذا استمرّ الوضع على ما هو عليه سنرى أن نسب السرطان سترتفع خصوصاً لدى الفئات العمرية الصغيرة أيضاً، كما أنه سيكون في مراحل متقدمة. ويتوقّع أن نشهد ارتفاعات أكبر في إصابات ووفيات السرطان في السنوات المقبلة إذا استمرّينا في الوتيرة نفسها.
ما الحلّ؟
يعتبر كريدية أنّ النسب يجب أن تشكّل إنذاراً للبنانيين والدولة على حدٍّ سواء، لأن تكون المراقبة والمحاسبة أكثر فعالية خصوصاً في موضوع المولدات لجهة تركيب الفلاتر بما أنّها الطريقة الأمثل للتقليل من الانبعاثات والمواد المسرطنة. ويُضيف: "كما أنه يجب العمل في قطاع الطاقة على الاستفادة من الموارد الطبيعية كالهواء والمياه من أجل توليد الكهرباء والاستغناء عن المولدات وغيرها". هو أمرٌ توافق عليه صليبا، إذ تؤكّد أنّنا "نحتاج في البداية إلى قرار من وزارة الطاقة من أجل تأمين الكهرباء إذ لا يوجد أي دولة حول العالم لديها كمية المولدات الموجودة في لبنان". وتشدّد على أنّه لا ينقصنا تشريعات بل نحتاج إلى متابعة.
وفي هذا الإطار، تنذر صليبا أصحاب المولدات المخالفين، قائلة: "نحن سنلاحق للتأكد مما إذا كان التطبيق على أرض الواقع جارياً، وإلا فسنلاحق الأشخاص الذين يلوّثون. هناك الكثير من الإجراءات التي اتّخذت في هذا الملف ويتم متابعتها، كي نتمكن من الحدّ من تلوث الهواء، الذي يقتل عددًا كبيرًا من الناس ويسبب أمراضًا سرطانية".

"يُنشر هذا التقرير في إطار زمالة صحافية تنظمها مؤسسة مهارات حول التغطية الإعلامية لمسار الإصلاحات".