لو كنت شيعية من بيئة "الحزب"

اليسا الهاشم

2/23/2026 1:30:00 AM

لو كنتُ شيعية من بيئة حزب الله، لسألت نفسي اليوم سؤالاً بسيطاً ومصيرياً: هل أملك قرار حياتي ومستقبل أولادي، أم أن هذا القرار بات معلّقاً بمصير طهران؟ ‏ماذا كسب الإنسان الشيعي العراقي, اللبناني أو الفلسطيني واليمني من شعارات "المقاومة"؟ وماذا كسب التطرف من "جهاديته"؟  لا شيء سوى الموت والدمار. 
التصعيد الإقليمي يتسارع. الأمين العام لـحزب الله، نعيم قاسم، صرّح في 16 شباط بأن أي هجوم على إيران سيكون بمثابة هجوم على الحزب. هذه ليست عبارة تضامنية عابرة، بل إعلان ربطٍ استراتيجي مباشر بين الساحتين. أي أن قرار الحرب والسلم في لبنان اصبح تلقائياً جزءاً من معادلة إقليمية أكبر من قدرة اللبنانيين على احتمالها.
المعلومات المتداولة في الأوساط الدبلوماسية تشير إلى ضغوط إيرانية مكثفة منذ زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت في كانون الثاني، إذ يُقال إن طهران تعتبر أن الدور المحدود الذي لعبه الحزب في حرب الأيام الاثني عشر العام الماضي كان خطأً لا يجب أن يتكرر. الرسالة واضحة - في الحرب المقبلة، إن وقعت، لا حياد ولا نصف مشاركة.
لكن ما يجري ميدانياً يسبق التصريحات. غارات البقاع ليل 20 شباط شكّلت رسالة تحذيرية قاسية. الضربات جاءت من دون إنذار مسبق، من دون رسائل إخلاء، ومن دون أي مراعاة لما كان يُعرف سابقاً بهوامش التحذير. في بعلبك، غارة واحدة قضت على قيادة ما يُعرف بالوحدة الصاروخية الثانية في الحزب، تمت تصفيتهم دفعة واحدة وعلى رأسهم “الحاج ساجد”، الذي وُصف بأنه أحد أهم العقول العسكرية في التنظيم.
الرسالة الإسرائيلية كانت واضحة، في أي مواجهة مقبلة، لا إنذارات، لا تدرّج، ولا تحييد مضمون للمدنيين أو لأي مجموعة أخرى. المعركة، إن اندلعت،
ستكون مختلفة في قواعدها وسقفها
وهنا لا بد من التوقف عند ما يُحضَّر في المقابل. 
القيادة الشمالية في إسرائيل تتحدث عن استعدادات لضربات استباقية “غير مسبوقة” ضد الحزب ووكلائه. أي أن أي انخراط لبناني في حرب دفاعاً عن إيران قد يقابله ردّ واسع النطاق، يستهدف البنية العسكرية وربما ما يتجاوزها إلى البنية التحتية المدنية، كما حصل في تجارب سابقة ولكن بحجم أكبر.
هذه لن تكون حرب جبهة واحدة. إذا اندلعت مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن إسرائيل ستضرب في لبنان والعراق واليمن في الوقت نفسه لتفادي فتح جبهة مزدوجة لاحقاً. عندها يصبح لبنان جزءاً من مسرح عمليات إقليمي واسع فمن يتحمل النتائج؟
الكلفة الداخلية ستكون كارثية. لبنان اليوم ليس كما في 2006. الاقتصاد منهار، صفر استثمارات، المصارف مشلولة، مؤسسات الدولة عاجزة. أي حرب واسعة تعني تدمير ما تبقى من بنى تحتية كهربائية واتصالات ومرافئ، نزوح داخلي بمئات الآلاف من الجنوب والضاحية والبقاع، انهيار إضافي في سعر الصرف وارتفاع جنوني للأسعار وتوقف أي مسار إصلاحي أو دعم دولي.
هناك أيضاً الخطر الاجتماعي. بيئة الحزب دفعت أثماناً بشرية واقتصادية خلال السنوات الماضية. جيل كامل نشأ في ظل العقوبات والعزلة والتوتر الأمني. حرب جديدة ستكرّس صورة هذه البيئة كخزان دائم للصراعات الإقليمية، لا كمكوّن وطني له حق في التنمية والاستقرار.
وثمة مخاطرة استراتيجية أساسية فالتجربة تقول إن أولويات الدول تبقى داخل حدودها. في لحظة المواجهة الكبرى، ستكون طهران منشغلة بحماية منشآتها ونظامها، فيما يُترك لبنان ليواجه تداعيات المواجهة على أرضه.
المسؤولون اللبنانيون يحاولون، وفق ما يُسرَّب، إبعاد الحزب عن الانخراط المباشر في أي صراع إيراني - إسرائيلي أو إيراني- أميركي. لكن المال والضغط السياسي الإيرانيين يبدوان عاملين حاسمين. وهنا تكمن المعضلة، هل يُحسم قرار مصيري كهذا في بيروت أم في طهران؟
من ينتمي إلى هذه البيئة اليوم لا يمكنه تجاهل المستقبل الأسود الذي يلوح في الأفق.
من داخل هذه البيئة نفسها، لا بد من قراءة الوقائع ببرودة أعصاب. قيادات تاريخية أُزيلت من المشهد، وقيادات أخرى دخلت دائرة الاستهداف. في الحروب المفتوحة لا توجد حصانات دائمة، ولا ضمانات لأحد. التسلسل القيادي نفسه يصبح هدفاً، والرمزية تتحول إلى عبء.
المعادلة تغيّرت. لم يعد الصراع محصوراً بأذرع عسكرية، بل بات يطال رأس المشروع في إيران نفسه. المشروع دخل فعلاً مرحلة اهتزاز عميق، والضغط لم يعد هامشياً بل بنيوياً. حين تصبح القيادة السياسية والدينية في دائرة استهداف وضغط غير مسبوقين، فهذا يعني أن المنطقة أمام مرحلة كسر عظم تاريخية، قد تعيد رسم خرائط النفوذ بالكامل.
والسؤال هنا لبناني بامتياز، هل أربط مصيري بمشروع إقليمي يهتز وقد يدخل مرحلة تفكك أو انكفاء؟ أم أُعيد تموضع طائفتي وبيئتي داخل الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، فأحتمي بها بدل أن أكون جزءاً من دولة موازية؟
إذا كانت المنطقة تتغيّر، وإذا كان النظام الإقليمي نفسه يهتز اليوم أمام تحولات كبرى، فهل الحكمة أن أتشبث ببنية قد تتعرض لضربات وجودية؟ أم أن الذكاء السياسي يقتضي إعادة التموضع قبل فوات الأوان؟
المسألة ليست تخلياً عن هوية او انقلاباً على تاريخ، بل محاولة إنقاذ مستقبل.
إما أن أختار الاندماج في الدولة، وأحجز مقعداً آمناً في لبنان الغد، وإما أن أراهن على مسار مجهول قد يأخذ معه كل من ربط مصيره به.
هذه لحظة عقل وحساب بارد.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT