لبنان بين إعادة تشكيل المنطقة.. ولامركزية الأمر الواقع

أنطوان مراد

3/13/2026 6:12:59 AM

 

يقول المثل اللبناني: "كل الدروب تؤدي إلى الطاحون"، ويقول المثل الفرنسي: "كل الطرقات تؤدي إلى روما". أما ما يؤمن به الأميركيون بالتكافل والتضامن مع إسرائيل بالنسبة للبنان، فهو شعار كل الطرقات تؤدي إلى التطبيع والسلام. وهذا ما عبّر عنه على طريقته الموفد الأميركي توم برّاك حين قال: "لا تبحثوا عن الطرقات القصيرة والموقتة، بل ركزوا على المسارات التي تقود إلى نتائج عملية، فهناك التواصل بين الهاتف الخلوي والهاتف الأرضي، وهو ليس مطلوبًا، بل المطلوب التواصل مباشرة بين الهاتف الخلوي والهاتف الفضائي الذي يعتمد على خدمات ستارلينك"، وما قصده هو حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية جديًّا ونهائيًّا، مقابل توفير انسحاب إسرائيل جديًّا ونهائيًّا من الجنوب، وفتح الباب واسعًا أمام مفاوضات مباشرة تحت سقف الهدنة المستعادة.

وخلافًا لما يعتقد البعض، فإن براك لا يلقي الكلام على عواهنه، ولو أثار مرات عدة جدلًا واسعًا وتساؤلات شتى إن في ما خص طبيعة العلاقة بين لبنان وسوريا، أو في ما خص معادلة سايكس بيكو، أو في يتعلق بالتفاوض مع إسرائيل، لأنه ووفق مصدر دبلوماسي غربي، يتقن لعب دور الكشاف الذي يتولى جس النبض والطرق على النقاط الحساسة لتوليد دينامية معينة مطلوبة. ولذلك لا بد من المتابعة الحثيثة لمسار التطورات المتسارعة والتي توحي بأنه كلما تصاعدت المواجهة، ازداد الاقتناع بإعادة تشكيل المنطقة سياسة وتوزيع نفوذ، وهو ما لن يوفر لبنان الذي قد يكون الخيار الأنسب له، إعادة ترتيب قواعد نظامه دفعًا نحو لامركزية فعلية سياسةً داخلية وماليًا، بما يحمي تنوعه وطابعه كوطن لمجموعات متساوية.
ويقول الدبلوماسي نفسه، إن "حزب الله" في حربه الحالية كشف عن أكثر نواياه خطرًا، إذ تبين أنه نام على صمت مطبق وحرص على عدم الرد على الغارات وعمليات الاغتيال الإسرائيلية على مدى أكثر من سنة، من دون أن يطلق رصاصة واحدة، ليتأكد أنه كان يخدع الجميع: الولايات المتحدة وشركاءها في لجنة "الميكانيزم"، وإسرائيل والدولة اللبنانية بشكل خاص، إذ كان ينصرف إلى إعادة تأهيل قوته العسكرية لا سيما على صعيدي القدرة الصاروخية والمسيّرات، فضلًا عن احتفاظه ببنية عسكرية فاعلة ونشطة جنوب الليطاني، ما أظهر أن الأداء الميداني للسلطات اللبنانية على هذا الصعيد تحت عنوان إخلاء المنطقة من السلاح كان ضعيفًا، علمًا أن التقارير الدبلوماسية وتلك الواردة من "اليونيفيل"، كانت تؤكد حقيقة أن "الحزب"، ما زال يملك قدرات عسكرية لا بأس بها، سواء بالنسبة للتسليح أو بالنسبة للحركية والجانب التنظيمي.

من هنا، يمكن فهم الاستشراس الإسرائيلي في تصعيد الغارات وعمليات الاغتيال، فضلًا عن تعزيز التوغل الأرضي في المنطقة الجنوبية الحدودية، لا سيما وأن الجميع فوجئ بحجم الإمكانات، التي ما زال يمتلكها "الحزب" صاروخيًا ولوجستيًا وعدة وعديدًا. ولذلك، ثمة قناعة تكوّنت ويتشارك فيها الأميركيون والإسرائيليون بضرورة تعطيل القدرة العسكرية لـ "حزب الله" بشكل حاسم ولو كان الثمن باهظًا، في ظل عجز السلطات اللبنانية عن إنجاز المطلوب بالشكل الكافي لأسباب بعضها مفهوم نسبيًا وبعضها غير مفهوم قطعًا.
ويبدو أن خيار إسرائيل، هو الأرض المحروقة جنوب الليطاني، لأن "حزب الله" عرف كيف يحتمي في بيئته وسط البلدات والقرى، وتاليًا فإن "تجفيف" هذه البيئة عبر تهجيرها هو أفضل خيار في الحسابات الإسرائيلية، علمًا أن ما ينال الضاحية الجنوبية لبيروت من تدمير منهجي كان محسوبًا، ولكن كخيار أخير وبعيد، على أن التطورات الأخيرة جعلته مفتوحًا أمام إسرائيل على رغم طابعه العشوائي والدموي أحيانًا كثيرة.
اللافت أن سياسة الأرض المحروقة التي تطول جنوب الليطاني وتتمدد نسبيًا إلى شماله مع الضاحية، ترفدها إسرائيل بغارات تدميرية منهجية بدأت تتفاقم وتيرتها بقاعًا، في وقت تتجه الأنظار إلى الحدود الشرقية والشمالية الشرقية مع تصاعد مؤشرات التوتر بين "الحزب" والنظام السوري الجديد، علمًا أن المخاوف من اجتياح سوري واسع كما يروّج البعض في غير محلها، والإجراءات التي اتخذها الرئيس أحمد الشرع ويتابعها شخصيًا كما يقول سياسي سيادي لبناني، هي فعلًا دفاعية ووقائية، ولا تقتصر على البعد العسكري، بل تشمل تعزيز ضبط الحدود حيال أعمال تهريب البشر والسلاح والممنوعات، علمًا أن هناك ضمانات أميركية وسعودية حول ضوابط أي تحرك عسكري سوري تجاه لبنان، مع الإشارة إلى أن استحضار الخطر على المسيحيين في بلدات بقاعية حدودية عدة، فيه الكثير من الافتعال، ويهدف إلى إشاعة البلبلة من قبل جماعة الممانعة واستعادة نغمة الدفاع عن المسيحيين، وكأن الجيش اللبناني غير موجود. ويضيف، في أسوا الأحوال وإذا عاود "حزب الله" التحرش بالداخل السوري عبر الحدود عبر إطلاق صواريخ أو قذائف أو عبر الإصرار على تهريب السلاح والذخائر، فإن لا شيء يمنع مبادرة القوات السورية إلى تنفيذ عمليات في إطار الهجوم الدفاعي، على أن تكون محدودة وموضعية وتنحصر بمواجهة مجموعات معينة من "حزب الله".

في أي حال، تثقل التطوررات جنوبًا ووسطًا وبقاعًا الضغط على الجيش اللبناني والمهمات المطلوبة منه، علمًا أن "حزب الله" من خلال بعض أصواته وأبواقه، يعمد إلى توجيه رسائل تشكيكية بالجيش وصلت إلى حد التهويل ببوادر انشقاق ما، وهي على خطورتها لا تعكس أي وقائع جدية. وبحسب أوساط عليمة، فإن الجيش اللبناني قادر وأقوى مما يتصوره أو يصوره البعض، وتماسكه غير خاضع للجدل، وقد أثبت ذلك في محطات صعبة ومحرجة كما في حرب مخيم البارد وصدامات عبرا والطيونة، كما إن وحدات النخبة والوحدات القتالية الأساسية في الجيش، تبقى الركيزة الأبرز وهي تتمتع بعصب وطني وعسكري مشهود، يتخطى كل الحسابات الفئوية. وإذا كانت الصورة من هذه الناحية مطمئنة، فإن المطلوب كما تخلص الأوساط نفسها هو حماية المؤسسة العسكرية من التداعيات السياسية ومن محاولة تحميلها تبعات أخطاء وثغرات على المستوى السياسي، وتاليًا، لا يجوز الرهان على استضعاف الجيش حيال أي تحد يواجهه بحجة ادعاء خلل ما على صعيد القرار، لأن الجيش كجيش خط أحمر، والباقي تفاصيل.  

All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT