مبادرة عون لبنان بين التفاوض والانهيار
سعد شعنين
3/19/2026 12:46:03 PM
في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان، جاءت مبادرة الرئيس جوزف عون حول التفاوض المباشر مع إسرائيل كطرح صادم بالمعنى الإيجابي لكثيرين، إذ عكست جرأة في مقاربة الواقع كما هو، وكشفت في الوقت نفسه حجم الانهيار الذي وصل إليه البلد وخطورة الخيارات المطروحة أمامه. فالمعادلة التي تلوح في الأفق لم تعد محكومة بالشعارات أو التوازنات التقليدية، بل باتت أقرب إلى خيارين قاسيين: إما الانخراط في مسار تفاوضي، أو الانزلاق نحو انهيار شامل قد لا يبقي من الدولة شيئاً.
لبنان اليوم ليس في موقع قوة يسمح له بإدارة صراع مفتوح مع إسرائيل، لا عسكرياً ولا اقتصادياً. البنية التحتية منهكة، الاقتصاد شبه منهار، والمؤسسات تعاني من شلل مزمن. وفي ظل هذا الواقع، فإن أي مواجهة واسعة قد تعني ببساطة نهاية ما تبقى من الدولة. من هنا، يمكن فهم مبادرة عون ليس كخيار سياسي تقليدي، بل كمحاولة لفرض نقاش وطني مسؤول حول ما إذا كان الاستمرار في النهج الحالي ممكناً أصلاً.
لكن اللافت أن هذه المبادرة، وعلى عكس ما كان متوقعاً، لاقت شبه إجماع داخلي واسع، لا يمكن وصفه بالهش، بل يعكس تحوّلاً حقيقياً في المزاج اللبناني العام. فهذا الإجماع لا يأتي من فراغ، بل هو نتيجة تراكم طويل من الأزمات والانهيارات، التي دفعت مختلف المكونات إلى إعادة النظر في أولوياتها، وتقديم منطق الاستقرار على منطق المواجهة المفتوحة. إنه إجماع نابع من إدراك جماعي بأن الاستمرار في المسار الحالي لم يعد خياراً، وأن كلفة الجمود باتت أعلى بكثير من كلفة أي خطوة جريئة نحو الحل.
ويأتي هذا التلاقي الداخلي متقاطعاً مع مواقف صادرة عن عدد كبير من وزراء الخارجية العرب، في اجتماعهم أمس في الرياض، والتي أعادت التأكيد على أولوية الاستقرار الإقليمي، وخفض التصعيد، وفتح مسارات سياسية لمعالجة النزاعات بدل تركها مفتوحة على الاحتمالات العسكرية. هذه المواقف تعكس توجهاً عربياً واضحاً نحو إدارة الصراعات بعقلانية، ما يمنح لبنان غطاءً سياسياً يمكن البناء عليه، إذا أحسن توظيف هذه اللحظة.
في ظل هذا المناخ، لم يعد لبنان معزولاً إذا قرر السير في خيارات غير تقليدية. بل يمكنه أن يتموضع ضمن موجة إقليمية تسعى إلى تبريد الجبهات، لا إشعالها، ما يفتح الباب أمام دعم عربي ودولي، ليس فقط سياسياً، بل اقتصادياً أيضاً، في حال نجح في ربط أي مسار تفاوضي بمفهوم الاستقرار الشامل، وإعادة بناء الثقة مع محيطه.
التفاوض هنا لا يعني استسلاماً، بل قد يكون محاولة عقلانية لوقف النزيف، وتثبيت الحد الأدنى من الاستقرار، وفتح نافذة جدية لإنقاذ الاقتصاد وإعادة تشغيل مؤسسات الدولة. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود في الحروب، بل أيضاً بقدرتها على التقاط اللحظات التاريخية واتخاذ قرارات صعبة عندما تفرضها الضرورة.
في المقابل، يبقى على الفريق المعارض لهذه المقاربة أن يقرأ جيداً التحولات الجارية، داخلياً وإقليمياً، وأن يحجز لنفسه مكاناً ضمن هذا الإجماع اللبناني المتين، بدلاً من التموضع خارجه. فالتاريخ السياسي للبنان يظهر أن التحولات الكبرى لا تنتظر المترددين، وأن من يبقى خارجها يخسر القدرة على التأثير في مسارها.
وتتقاطع هذه المبادرة مع تحولات إقليمية أوسع، حيث تتغير أولويات الدول، وتتقدم الاعتبارات الاقتصادية والاستقرار على حساب المغامرات العسكرية. وهذا يمنح لبنان فرصة نادرة لإعادة تعريف موقعه، ليس كساحة صراع، بل كدولة تسعى إلى تثبيت توازن داخلي مستقر والانفتاح على محيطها.
قد لا تكون مبادرة التفاوض حلاً سحرياً، لكنها تمثل لحظة مفصلية وخياراً واقعياً في مواجهة خطر الانهيار. وبين التفاوض والسقوط، يبدو أن لبنان أمام فرصة جدية قد لا تتكرر، لصياغة مستقبله بعيداً عن منطق الحروب، وقريباً من تطلعات شعبه إلى الاستقرار والحياة الكريمة.