"سلّم الفضائل"

الأب الياس كرم

3/21/2026 8:28:17 AM

 

ما أبهى أن يتزيّن الإنسانُ بحُلّة الفضائل، وأن يخلع عن قلبه أثواب الرذيلة والسلوكيات الذميمة، فيغدو نقيّ السريرة، مشرق الروح. ما أقدس تلك الساعة التي نفتح فيها أبواب حياتنا لاستقبال الفضائل المنسكبة علينا من الخالق، فنلج منها إلى رحاب الملكوت المُعدّ لنا منذ البدء.

فالفضائل لا تُولد مع الإنسان، بل تُقتنى بالجهاد الروحي، بالسهر واليقظة، وبمصارعة الأهواء. إنها معركة يومية يخوضها كل مؤمن أدرك أن الخلاص ليس فكرة مؤجلة، بل مسيرة تُعاش على الأرض، وتدريبٌ دائم لولوج حضرة الله.
ما أحوجنا اليوم إلى استعادة جوهر الفضائل المسيحية، لا كعناوين تُقال، بل كحياة تُعاش. فهي سمات أخلاقية وروحية مستمدّة من نور الإنجيل، ترسم ملامح الإنسان على صورة المسيح. في طليعتها الفضائل اللاهوتية الثلاث: الإيمان، والرجاء، والمحبة، وتزدان بثمار الروح من تواضعٍ وغفرانٍ وصبرٍ ومحبةٍ صادقة للقريب.
وليست هذه الجمالات الروحية حكرًا على الإكليروس أو الرهبان، بل هي دعوة مفتوحة لكل إنسان. ففي قلب العائلة، وفي ميادين العمل، وفي تفاصيل الحياة اليومية، يُدعى الإنسان إلى القداسة. فالجهاد نحو الطهارة والعفة والوداعة واللطف والتواضع، متاح لكل من يشاء، مهما كان وضعه أو جنسه أو مستواه. هو جهاد يُعاش في كل الظروف: في السلم والحرب، في الفقر والغنى، لأن المسيح أتى للجميع، ومنح نعمه للجميع، داعيًا الكل إلى الخلاص ومعرفة الحق.
ومنارة هذا الطريق، ما تركه لنا قديس عظيم من القرن السادس، عاش النسك في دير القديسة كاترين في سيناء، وعُرف بـ"يوحنا السلّمي". علّمنا أن الفضيلة سلّمٌ نرتقيه درجةً درجة، بجهادٍ وصبر، يبدأ بترك الخطيئة وينتهي بالاتحاد بالمحبة الإلهية.
وفي مسيرتنا نحو فجر القيامة، تعرض لنا الكنيسة صورة هذا الناسك، الذي صاغ خبرته في كتاب "سلّم الفضائل"، حيث رسم ثلاثين درجة ترتقي بالنفس من الزهد والتوبة، إلى ذروة المحبة والاتحاد بالله، طريقًا يقود إلى الغبطة والخلاص.
فالفضائل، كالمناصب الأرضية، لا تُنال دفعة واحدة، بل تُكتسب بالتدرّج والمثابرة. نبدأ بالزهد والغربة عن الخطيئة، ونسير عبر الطاعة والتوبة والدموع والصمت، حتى نبلغ القمّة حيث تسكن المحبة.
إن التوبة هي الفصح الحقيقي، لأنها قيامة النفس من موت الخطيئة. والصوم، كما أرادته الكنيسة، هو مسيرة نحو هذا الفصح، ارتواءٌ يومي من نوره. فإن لم يتحوّل الإنجيل فينا إلى سلوك حي، بقي كتابًا بين الكتب، لا حياة فيه.
فطوبى لمن جعل من الفضيلة دربًا، ومن التوبة فصحًا، ومن المحبة غاية.

(إلى كل أم، هذا المقال رسالة حب وتقدير لعطائك. حفظ الله أمهاتنا صانعات الأجيال، ورحم الله من رحلن منهن، تاركاتٍ إرثاً من القيم والفضائل).

All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT