آذار 1976 الشهر الفاصل في تاريخ الحرب: أول انقلاب عسكري في تاريخ لبنان

نبيل يوسف

4/3/2026 6:39:16 AM


مضى شهر آذار وهو الذي شكّل عام 1976 حدًا فاصلاً في تاريخ الحرب اللبنانية التي كانت اندلعت قبل سنة، فشهد تصعيدًا عسكريًا غير مسبوق على جميع الجبهات، استعملت فيه الأسلحة الثقيلة ودخلت المنظمات الفلسطينية الحرب بكامل قوتها في مواجهة الأحزاب والقوى اليمينية وبدأ ما عرف بمعركة الحسم العسكري، فيما راحت ثكنات الجيش اللبناني تتساقط بيد "جيش لبنان العربي" الذي أصبح خلال أسابيع قوة عسكرية ضخمة مزودة بالدبابات وناقلات الجند والمدفعية من مختلف الأحجام التي تم الاستيلاء عليها من مستودعات الجيش اللبناني، وقامت الميليشات المختلفة باقتحام جميع السجون على امتداد الأراضي اللبنانية وإطلاق سراح آلاف المساجين.



الانقلاب العسكري الأول في تاريخ لبنان

عصر الخميس 11 آذار وفيما كان الوفد السوري المؤلف من وزير الخارجية عبد الحليم خدام والعماد حكمت الشهابي واللواء ناجي جميل يغادر قصر بعبدا إلى دمشق همس العماد الشهابي في أذن العقيد جول البستاني رئيس الشعبة الثانية إن كان لديه أي معلومات عن انقلاب عسكري يتم التحضير له، رد العقيد بستاني: أن لا معلومات لديه أجابه الشهابي: غريب لدينا معلومات بذلك.

الساعة 8،30 مساءً وفيما كان اللبنانيون يتابعون نشرة الأخبار المسائية من تلفزيون لبنان، ظهر قائد موقع بيروت العسكري العميد الركن عزيز الأحدب على الشاشة يتلو البلاغ رقم واحد معلنًا الانقلاب العسكري ضد الرئيس فرنجية وأمهله 48 ساعة للاستقالة، منصّبًا نفسه حاكمًا عسكريًا مؤقتًا، مطالبًا النواب بانتخاب رئيسٍ جديدٍ في غضون 7 أيام، في خطوة شبيهة بما يجري في البلاد العربية.

فاجأ الانقلاب الجميع تقريبًا، وبدا القادة في حالة ضياع عن خلفياته ومن يقف وراءه!!

عند منتصف الليل أذاع تلفزيون لبنان والمشرق في الحازمية بيان الرئيس فرنجية الذي رفض فيه منطق الانقلابات العسكرية مؤكدًا استمراره في تحمل مسؤولياته الدستورية حفاظًا على الوطن والشرعية.

صباح اليوم التالي، بدأت تتوضح الصورة: فقائد جيش لبنان العربي والأحزاب اليسارية أعلنوا دعمهم الانقلاب، حتى أن عدة قيادات حزبية يمينية من الصف الثاني أيدت الانقلاب، لكن قادة الأحزاب عارضوه بقوة، وكان الرئيس شمعون أول من أعلن معارضته فجر الجمعة 12 آذار.

في مقابل الانقلاب، أعلنت وحدات من الجيش اللبناني بقيادة العقيد أنطوان بركات تمسكها بالشرعية التي يمثلها الرئيس سليمان فرنجية.

شهد اليوم التالي للانقلاب حراكًا سياسيًا واسعًا كان محوره قصر بعبدا شارك فيه عدد من الرؤساء والوزراء والنواب الحاليين والسابقين، كما أوفد البطريرك خريش المطرانين أغناطيوس زيادة ورولان أبو جودة.

وفي الوقت الذي كانت الاجتماعات تتوالى في القصر الجمهوري، كان مجلس النواب يشهد سلسلة اجتماعات للبحث عن مخرج من الأزمة الحالية، ورأى بعض النواب أن المخرج قد يكون في توقيع عريضة نيابية تطالب رئيس الجمهورية بالاستقالة خاصة بعد أن نقل لهم الرئيس كامل الاسعد أن الرئيس فرنجية يوافق على الاستقالة إذا وصلته عريضة بهذا المعنى من النواب. وراحت العريضة تدور على النواب بهدف جمع التواقيع التي وصلت إلى 66 توقيعًا.

وأعلنت "جبهة الحرية والإنسان" رفضها منطق استقالة رئيس الجمهورية. واعتبرت هذا الطرح جزءًا من المؤامرة على لبنان ونظامه الدستوري ودعت الجيش إلى العودة إلى ثكناته، ولكن من غير إقفال الباب أمام إمكان فتح مفاوضات حول المخارج السياسية، وقررت أن ترسل وفدًا إلى دمشق لمناقشة الوضع مع القيادة السورية.

رفض الرئيس فرنجية العريضة النيابية، مؤكدًا استمراره في تحمل مسؤولياته الدستورية حتى آخر يوم من ولايته، معتبرًا ما يحصل طعنة للشرعية، وأعلن حزبا "الكتائب" و "الاحرار" رفضهما أي بحث في موضوع استقالة رئيس الجمهورية، وبعد معرفة موقف رئيس الجمهورية سارع قرابة 25 نائبًا ممن وقعوا العريضة للقاء الرئيس فرنجية وأبلغوه أنهم وقعوا بناء على كلام وصلهم من أن الرئيس مستعد للاستقالة إذا وصلته العريضة.

بعد الانقلاب العسكري انقسم البلد حتى إعلاميًا: تلفزيون لبنان من محطة تلة الخياط مع العميد عزيز الأحدب ومحطة الحازمية تؤيد الشرعية، وإذاعة لبنان في بيروت الغربية مع الانقلاب وانفصلت عنها محطة الارسال في عمشيت وراحت تبث باسم إذاعة لبنان بإشراف رامز الخازن مدير عام وزارة الإعلام.

راحت الاستعدادات تتكثف لحسم المعركة العسكرية ضد الرئيس فرنجية، فيما راح العميد الاحدب يصعّد في تهديداته بعد أن بدأ ينسق مع الملازم أول أحمد الخطيب، ووصلت معلومات إلى الرئيس فرنجية عن دخول وحدات عسكرية سورية نظامية إلى البقاع فيما بدأت آليات جيش لبنان العربي بالتحرك باتجاه بعبدا.



إلى دمشق

في محاولة يائسة لوقف التدهور الأمني ومعالجة التهديدات العسكرية بالحسم أصبحت دمشق محجًا للقادة اللبنانيين وموفديهم، فصباح الإثنين 15 آذار غادر الدكتور جورج سعاده والمحامي كريم بقرادوني إلى العاصمة السورية والتقيا فور وصولهما الوزير عبد الحليم خدام واللواء ناجي جميل لمدة 4 ساعات، وأبلغ الوفد الكتائبي الجانب السوري وجهة نظر الرئيس فرنجية و "جبهة الحرية والإنسان" وحزب "الكتائب" بالأوضاع الراهنة في لبنان التي ترتكز خصوصًا على ما يأتي:

تأكيد الحرص على التنسيق مع سوريا واستمرار دعم المبادرة السورية.

ضرورة إيجاد حل سريع وجذري للوضع الخطير على أن يكون بالاتفاق مع الرئيس فرنجية.

تأكيد التمسك بالشرعية وعدم ترك الأحداث تستبق الإرادات الخيرة والانجراف في مؤامرة تستهدف ليس فقط لبنان ووحدته أرضًا وشعبًا بل سوريا أيضًا.

الاستفسار عن حقيقة الدخول العسكري السوري إلى البقاع والهدف منه، ومطالبة المسؤولين السوريين بالعمل على تجميد الوضع العسكري فورًا ومنع الانفجار لإنقاذ الوضع.

في الوقت الذي كان الوفد الكتائبي يجري مباحثاته في دمشق، كانت العاصمة السورية تشهد اجتماعات متتالية للقيادة السورية مع عدد من القيادات اللبنانية من بينهم الإمام موسى الصدر الذي التقى الرئيس الأسد ووفد "الكتائب"، وزار الرئيس رشيد كرامي العاصمة السورية إضافة إلى عدد من القيادات الفلسطينية، ودعي الزعيم كمال جنبلاط للمشاركة لكنه رفض التوجه إلى العاصمة السورية متحديًا دمشق للمرة الأولى على المكشوف، لكنه عاد وزار دمشق في 27 آذار وعقد لقاء مطولًا مع الرئيس السوري انتهى بفشل ذريع وكانت القطيعة النهائية بين الطرفين.

ظهر الأربعاء 17 آذار، التقى الرئيس الأسد الوفد الكتائبي وأكد له أنه لن يكون هناك أي حل في لبنان بالعنف أو بالقوة، وضرورة إيجاد جو من الاسترخاء العسكري وتجميد كل العمليات العسكرية للوصول إلى الحل السياسي

عاد الوفد الكتائبي مساءً إلى بيروت. وبدأت ترشح من أجواء المباحثات أن تسلسل الحل قد يكون باستقالة الحكومة الحالية وتشكيل حكومة جديدة قد تكون برئاسة الرئيس كرامي، يلي ذلك إصدار قانون عفو عن الجنود وإعادة توحيد الجيش، واستقالة رئيس الجمهورية على أن تكون مرتبطة بالضمانات المطلوبة لاستمرار الشرعية والدستور غير المكتوب، وانتخاب رئيس جديد للبلاد.

لم يتلق الرئيس فرنجية والبطريركية المارونية وقيادات المنطقة الشرقية بند استقالة رئيس الجمهورية بارتياح، ويبدو أن هذه الأجواء انتشرت في بيروت ووصلت إلى دمشق فعاشت بيروت ليل الخميس الجمعة 18- 19 آذار ساعات مجنونة من القصف والاشتباكات.

عاد الوفد الكتائبي صباح الجمعة 19 آذار إلى دمشق حاملًا رد قيادات المنطقة الشرقية، وفي هذا النهار كادت كارثة تقع عندما استهدف صاروخ الطائرة الجاسمة على مدرج مطار بيروت التي كانت ستقل الرؤساء كامل الأسعد، رشيد كرامي، وصائب سلام إلى العاصمة السورية، لكنهم نجوا بأعجوبة.

تركزت المباحثات في دمشق على إيجاد مخرج لقضية رئاسة الجمهورية بين إصرار القيادات الإسلامية واليسارية على استقالة الرئيس فرنجية ورفض قيادات المنطقة الشرقية الاستقالة. وكانت الصيغة التي اتفق عليها: إجراء تعديل دستوري يسمح بانتخاب رئيس جديد للجمهورية قبل 6 أشهر من انتهاء الولاية وبعد ذلك تترك الحرية للرئيس فرنجية بالاستقالة إذا رأى ذلك مناسبًا.

عاد الوفد إلى بيروت والتقى الجبهة اللبنانية في قصر بعبدا ناقلاً حصيلة المناقشات، وفيما الاجتماع ما زال مستمرًا وصلت معلومات جديدة عن عبور قافلة عسكرية سورية ضخمة من الحدود باتجاه البقاع الغربي.



خلص اجتماع الجبهة اللبنانية في بعبدا إلى الموافقة على خريطة طريق الحل التالية:

الموافقة على إعادة إحياء اللجنة الأمنية المشتركة.

انعقاد مجلس الوزراء بحيث تعتبر الحكومة قائمة وتتولى مهمة الإشراف على الإخراج والمرحلة الانتقالية.

يقر مجلس الوزراء قانون العفو عن العسكريين وتبدأ عملية لملمة الجيش وقوى الأمن.

يحيل مجلس الوزراء على مجلس النواب الوثيقة الدستورية إلى جانب مشروع قانون العفو ومشروع قانون تعديل المادة 73 من الدستور بحيث يصبح ممكنًا انتخاب رئيس جمهورية جديد قبل 6 أشهر من انتهاء ولاية الرئيس الحالي أي ابتداءً من 23 آذار.

يدعى المجلس النيابي إلى جلسة لانتخاب رئيس جديد ضمن مهلة أقصاها 2 أيار.

يتم التسلم والتسليم بين الرئيس المنتخب والرئيس فرنجية في الموعد الذي يختاره الرئيس فرنجية.

من قصر بعبدا اتصل الدكتور جورج سعاده بالوزير خدام ناقلًا إليه الموقف. وبعد أن طلب بعض الوقت لمراجعة قيادته، عاود خدام الاتصال معلنًا تأييد دمشق للحل المقترح متعهدًا بإقناع الرئيس رشيد كرامي والقيادات المعارضة المصرّة على استقالة رئيس الجمهورية.

ما أن انتشر خبر المبادرة حتى راحت شلالات القذائف تنهمر في كل اتجاه في طوفان لم تعهده بيروت من قبل، ورافق ذلك تصعيد هائل على جميع الجبهات، فيما كان السراي الكبير يشتعل ويتحول مكتب رئيس الحكومة  إلى أنقاض ويتزايد الضغط  على فندق "هوليداي إن" من قبل المقاتلين الفلسطينيين واليساريين وجيش لبنان العربي، ما اضطر المدافعين عنه للانسحاب منه تمهيدًا لتشكيل خط دفاع آخر، ووصف أحد المراسلين الأجانب ما يجري بقوله في رسالته "كأنه يوم القيامة". ورافق التصعيد العسكري تصعيد سياسي تمثل بإعلان العميد الأحدب ما يسمى مجلس قيادة للحركة التي يتزعم.

رغم كل التصعيد العسكري من المتضررين بدأت مسيرة الحل. فنهار الثلاثاء 23 آذار انعقد مجلس الوزراء في أول جلسة له منذ انقلاب الأحدب بغياب الوزيرين الأمير مجيد أرسلان وفيليب تقلا. وبعد انتهاء الجلسة أعلن الرئيس كرامي أنه بناء على اقتراح الرئيس فرنجية قررت الحكومة إحالة قانون تعديل المادة 73 من الدستور إلى مجلس الوزراء، وقانون العفو عن العسكريين، وإعادة احياء اللجان الأمنية.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT