العراق مسرح ساخن للصدام بين أميركا وإيران
نايف عازار
4/3/2026 6:46:10 AM
يواصل العراق انغماسه القوي في أتون الحرب المستعرة في المنطقة، ليكاد يكون أبرز الساحات المضطربة بعد الساحة اللبنانية، إذ أمست "بلاد الرافدين" مسرحًا ساخنًا للصدام بين الولايات المتحدة والدولة العبرية من جهة، وإيران ممثلةً بالفصائل العراقية المسلّحة التي تدور في فلكها من جهة ثانية، بعدما كانت في بادئ الحرب ساحة لتبادل الرسائل الساخنة بين واشنطن وطهران عبر بريد بغداد.
غدا العراق، بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، ميدانًا لتقاسم النفوذين الأميركي والإيراني، ومذّاك باتت كلّ حكومة تُشكّل تسعى إلى المواءمة بين رغبات الدولتين، كي يُكتب لها عمرٌ سياسيٌ سليمٌ، وتتمكّن من تسيير شؤون البلاد وشجونه، ولو بالحدّ الأدنى. ومع انطلاق شرارة الحرب الأخيرة ضدّ إيران، أضحى العراق أهمّ ساحاتها، بحكم مجاورته للجمهورية الإسلامية، وكونه بيئة خصبة لمخطّطات إقليمية ودولية متعارضة.
بعدما كانت تدور "حرب ناعمة" في "بلاد الرافدين" على مدى سنوات بين أطراف خارجية، زجّت الحرب الراهنة الدولة العراقية نفسها في أتونها، بعدما امتدّ الصراع إلى صلب البنية العراقية ومؤسسات الدولة. والمفارقة الغريبة التي أفرزتها هذه الحرب، أظهرت العراق وكأنه يقصف نفسه. ففيما تستهدف المقاتلات الأميركية والإسرائيلية مواقع الفصائل العراقية الشيعية الإيرانية الهوى، تردّ هذه الفصائل بقصف داخل البلاد، مستهدفة المصالح الأميركية والغربية خصوصًا في بغداد، كما تستهدف تلك المصالح في إقليم كردستان العراق، فضلًا عن مواقع لفصائل إيرانية كردية معارضة في الإقليم، تعتبرها نواة لانطلاق أي عملية برية للمعارضين الكرد الذين يتوقون لقبع نظام الملالي، خصوصًا بعدما عوّل عليهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب سابقًا، لشن عملية برية انطلاقًا من شمال غرب إيران، بهدف إضعاف النظام المركزي في طهران، وتهيئة الظروف المؤاتية لإسقاطه.
لطالما احتلّ العراق دورًا محوريًا ومركزيًا بالنسبة إلى العقل الإيراني الاستراتيجي، من جهة لناحية موقعه الجغرافي الذي يشكّل امتدادًا طبيعيًا لإيران، ومن جهة ثانية كونه امتدادًا أمنيًا يحمي الخاصرة الإيرانية أو يعرّضها لمخاطر خارجية متى هبت رياح غربية. ومع نشوب الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضدّ نظام آيات الله، برزت ثمار الاستثمار الإيراني الطويل الأمد في الفصائل والأذرع العراقية، وشكّلت الحرب اختبارًا جدّيًا لقدرة هذه الأذرع على خوض حرب استنزاف ضدّ المصالح الأميركية والغربية في "بلاد الرافدين"، خدمة وإسنادًا للنظام العليل في طهران.
دخول الفصائل الموالية لإيران حلبة الصراع العسكري في العراق، الذي يئن أصلًا تحت وطأة أزمة سياسية حادة تركت البلاد في شبه فراغ دستوري، نظرًا لتعذر انتخاب رئيس للجمهورية حتى الآن كما في الاتفاق على اسم رئيس الحكومة العتيدة، عقّد مهمّة رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني، ووضعه أمام اختبار مفصلي ودقيق، لمدى قدرته على احتكار قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وإدارة التوازنات الداخلية الدقيقة، ومنع انزلاق البلاد أكثر إلى درك خطر في إطار الصراع الإقليمي. وهنا يجهد السوداني للمواءمة بين الحرص على حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة منعًا لتفلّت الأمور من عقالها، وبين مراعاة مشاعر ورغبات بيئته الحاضنة، المتمثلة بـ "الإطار التنسيقي" الشيعي الحاكم.
من كلّ ما تقدّم، يبدو أن "بلاد الرافدين" باتت تقف اليوم في عين العاصفة الإقليمية، وأمام تحدّيات داخلية عسكرية وأمنية واستراتيجية وسياسية جمّة، لا تقتصر فقط على معالجة تداعيات وشظايا الحرب الراهنة، بل تتعدّاها إلى رسم مستقبل دولة، لم تبلسم بعد جراح الحروب المتعدّدة الخارجية والداخلية، ولم تتعافَ بعد اقتصاديًا وماليًا.