الأمن الاستباقي في الخليج يطوّق خلايا "الحزب" وإيران
طارق أبو زينب
4/7/2026 6:21:26 AM
لم يعد ما يجري في الخليج العربي مجرّد فصلٍ جديد من فصول التوتر الإقليمي، بل تحوّل إلى اختبار مفتوح لمعادلات الأمن والاستقرار في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم. فالمشهد لم يعد يُقرأ كتصعيدٍ عابر، بل كمنظومة ضغط متكاملة تتقاطع فيها أدوات القوة الصلبة مع عمليات اختراق ناعمة، ضمن بيئة إقليمية تتداخل فيها الحسابات الدولية والإقليمية على نحو غير مسبوق.
في هذا السياق، يبرز مضيق هرمز كعنصر اختبار حقيقي لميزان القوى، ليس فقط باعتباره شريانًا أساسيًا للطاقة العالمية، بل بوصفه نقطة ارتكاز استراتيجية تُستخدم كأداة ضغط عند كلّ منعطف حادّ. فاستهداف الملاحة، أو خلق مناخ من عدم اليقين حول أمن الممرّات البحرية، لا ينعكس فقط على الأسواق، بل يضرب في العمق مفهوم الاستقرار ذاته، ويضع النظام الدولي أمام معضلة دائمة بين الردع والاحتواء.
خلايا "حزب اللّه" والحرس الثوري
لكن المواجهة، في صورتها الأحدث، لم تعد محصورة في البحر. فالمعطيات الأمنية القادمة من دول الخليج تشير إلى تحوّل نوعي في طبيعة التهديدات، من المواجهة الظاهرة إلى العمل الشبكي غير المرئي. وفي هذا السياق، تكشف الأرقام عن تفكيك 9 شبكات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني و "حزب اللّه" خلال 27 يومًا فقط، إلى جانب توقيف 74 عنصرًا، وفق مصدر أمني مطّلع. وهذه الأرقام، على دلالتها المباشرة، تحمل معنى أعمق: هناك بنية كانت تتحرك بصمت، وتتهيّأ لمرحلة مختلفة من الفعل.
الامتداد الجغرافي لهذه الشبكات يضيف طبقة أخرى من الخطورة. ففي دولة قطر تمّ تفكيك خليتين، وفي مملكة البحرين ثلاث خلايا، وفي دولة الإمارات العربية المتحدة شبكة واحدة، بينما برزت دولة الكويت كساحة أكثر اتساعًا مع ثلاث خلايا تضمّ العدد الأكبر من العناصر. هذا التوزيع لا يشير إلى حالات منفصلة، بل إلى نمط عمل شبكي عابر للحدود، يستفيد من البيئة المفتوحة، ويستغلّ التداخل الطبيعي بين الدول، في محاولة لبناء حضور غير مرئي لكنه فعّال.
أدوات معقدة بين التمويل والاختراق
غير أن ما تكشفه المعطيات لا يقتصر على البنية التنظيمية، بل يمتدّ إلى أدوات التشغيل نفسها. فهذه الشبكات تعتمد على مزيج من التمويل غير المباشر، والواجهات الاقتصادية، والتحركات المالية المعقدة، إلى جانب جمع معلومات ميدانية تُستخدم لاحقًا في مراحل تنفيذية. وهي بذلك تعكس انتقال التهديد من النموذج التقليدي إلى نموذج أكثر تعقيدًا، يقوم على الدمج بين الاقتصاد والأمن، وبين الظلّ والعلنية، وبين المحلي والعابر للحدود.
في المقابل، تبدو المقاربة الأمنية في الخليج قد دخلت مرحلة أكثر تقدّمًا، عنوانها الاستباق. فلم يعد الهدف مجرّد الردّ على التهديد، بل تفكيكه قبل أن يكتمل. وهذا التحوّل في العقيدة الأمنية يعكس إدراكًا عميقًا بأن طبيعة التهديدات الحديثة لا تسمح بردّ الفعل المتأخر، بل تتطلّب حضورًا دائمًا في مرحلة ما قبل الخطر، عبر أدوات استخباراتية قادرة على التقاط الإشارات المبكرة وتحليلها بسرعة عالية.
توازن دقيق بين الأمن والانفتاح
ومع ذلك، فإن هذا التصعيد الأمني لا يلغي حقيقة أساسية: أن البيئة الخليجية، رغم كلّ التحديات، لا تزال قائمة على التوازن بين الانفتاح والاستقرار. فالجاليات المقيمة، ومنها اللبنانية والإيرانية، تشكّل جزءًا لا يتجزأ من النسيج الاقتصادي والاجتماعي، وتعمل ضمن أطر قانونية واضحة، في ظل منظومة تضع القانون فوق كل اعتبار، دون أن تنزلق إلى التعميم أو الاستهداف.
الإمارات نموذجًا: التسامح ضمن حزم سيادي
وفي هذا السياق، تبرز دولة الإمارات كنموذج متقدم في إدارة هذا التوازن، حيث تستوعب أكثر من 200 جنسية ضمن بيئة تقوم على التسامح، وفي الوقت نفسه تحافظ على حزم أمني صارم لا يتهاون مع أي محاولة للمساس باستقرارها. هذا النموذج يعكس قدرة على الجمع بين نقيضين: الانفتاح المجتمعي من جهة، والحزم السيادي من جهة أخرى، دون أن يطغى أحدهما على الآخر .
معادلة الاستباق والاستقرار
في المحصلة، يقف الخليج أمام لحظة أمنية دقيقة، لا تُدار فيها المواجهة بالسلاح وحده، بل بالمعلومة، والتحليل، والقدرة على المبادرة. فالمعادلة الجديدة لم تعد تسمح بالانتظار، بل تفرض الاستباق كخيار وحيد. وبين مضيق هرمز الذي يختبر الاقتصاد العالمي، والخلايا الإرهابية التي تختبر عمق المجتمعات، يتحدّد مستقبل الاستقرار في المنطقة.
ولعلّ الرسالة الأهم في هذا المشهد هي أن زمن المفاجآت لم يعد لصالح من يراهن على الاختراق، بل لصالح من يملك القدرة على كشفه قبل أن يولد. وهنا تحديدًا، تُرسم ملامح معادلة جديدة: استقرارٌ يُصنع بالفعل، لا يُمنح بالصمت، وأمنٌ يُفرض بالمبادرة والعزيمة، لا يُستجدى بالتمنيات.
في هذا السياق، يبرز مضيق هرمز كعنصر اختبار حقيقي لميزان القوى، ليس فقط باعتباره شريانًا أساسيًا للطاقة العالمية، بل بوصفه نقطة ارتكاز استراتيجية تُستخدم كأداة ضغط عند كلّ منعطف حادّ. فاستهداف الملاحة، أو خلق مناخ من عدم اليقين حول أمن الممرّات البحرية، لا ينعكس فقط على الأسواق، بل يضرب في العمق مفهوم الاستقرار ذاته، ويضع النظام الدولي أمام معضلة دائمة بين الردع والاحتواء.
خلايا "حزب اللّه" والحرس الثوري
لكن المواجهة، في صورتها الأحدث، لم تعد محصورة في البحر. فالمعطيات الأمنية القادمة من دول الخليج تشير إلى تحوّل نوعي في طبيعة التهديدات، من المواجهة الظاهرة إلى العمل الشبكي غير المرئي. وفي هذا السياق، تكشف الأرقام عن تفكيك 9 شبكات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني و "حزب اللّه" خلال 27 يومًا فقط، إلى جانب توقيف 74 عنصرًا، وفق مصدر أمني مطّلع. وهذه الأرقام، على دلالتها المباشرة، تحمل معنى أعمق: هناك بنية كانت تتحرك بصمت، وتتهيّأ لمرحلة مختلفة من الفعل.
الامتداد الجغرافي لهذه الشبكات يضيف طبقة أخرى من الخطورة. ففي دولة قطر تمّ تفكيك خليتين، وفي مملكة البحرين ثلاث خلايا، وفي دولة الإمارات العربية المتحدة شبكة واحدة، بينما برزت دولة الكويت كساحة أكثر اتساعًا مع ثلاث خلايا تضمّ العدد الأكبر من العناصر. هذا التوزيع لا يشير إلى حالات منفصلة، بل إلى نمط عمل شبكي عابر للحدود، يستفيد من البيئة المفتوحة، ويستغلّ التداخل الطبيعي بين الدول، في محاولة لبناء حضور غير مرئي لكنه فعّال.
أدوات معقدة بين التمويل والاختراق
غير أن ما تكشفه المعطيات لا يقتصر على البنية التنظيمية، بل يمتدّ إلى أدوات التشغيل نفسها. فهذه الشبكات تعتمد على مزيج من التمويل غير المباشر، والواجهات الاقتصادية، والتحركات المالية المعقدة، إلى جانب جمع معلومات ميدانية تُستخدم لاحقًا في مراحل تنفيذية. وهي بذلك تعكس انتقال التهديد من النموذج التقليدي إلى نموذج أكثر تعقيدًا، يقوم على الدمج بين الاقتصاد والأمن، وبين الظلّ والعلنية، وبين المحلي والعابر للحدود.
في المقابل، تبدو المقاربة الأمنية في الخليج قد دخلت مرحلة أكثر تقدّمًا، عنوانها الاستباق. فلم يعد الهدف مجرّد الردّ على التهديد، بل تفكيكه قبل أن يكتمل. وهذا التحوّل في العقيدة الأمنية يعكس إدراكًا عميقًا بأن طبيعة التهديدات الحديثة لا تسمح بردّ الفعل المتأخر، بل تتطلّب حضورًا دائمًا في مرحلة ما قبل الخطر، عبر أدوات استخباراتية قادرة على التقاط الإشارات المبكرة وتحليلها بسرعة عالية.
توازن دقيق بين الأمن والانفتاح
ومع ذلك، فإن هذا التصعيد الأمني لا يلغي حقيقة أساسية: أن البيئة الخليجية، رغم كلّ التحديات، لا تزال قائمة على التوازن بين الانفتاح والاستقرار. فالجاليات المقيمة، ومنها اللبنانية والإيرانية، تشكّل جزءًا لا يتجزأ من النسيج الاقتصادي والاجتماعي، وتعمل ضمن أطر قانونية واضحة، في ظل منظومة تضع القانون فوق كل اعتبار، دون أن تنزلق إلى التعميم أو الاستهداف.
الإمارات نموذجًا: التسامح ضمن حزم سيادي
وفي هذا السياق، تبرز دولة الإمارات كنموذج متقدم في إدارة هذا التوازن، حيث تستوعب أكثر من 200 جنسية ضمن بيئة تقوم على التسامح، وفي الوقت نفسه تحافظ على حزم أمني صارم لا يتهاون مع أي محاولة للمساس باستقرارها. هذا النموذج يعكس قدرة على الجمع بين نقيضين: الانفتاح المجتمعي من جهة، والحزم السيادي من جهة أخرى، دون أن يطغى أحدهما على الآخر .
معادلة الاستباق والاستقرار
في المحصلة، يقف الخليج أمام لحظة أمنية دقيقة، لا تُدار فيها المواجهة بالسلاح وحده، بل بالمعلومة، والتحليل، والقدرة على المبادرة. فالمعادلة الجديدة لم تعد تسمح بالانتظار، بل تفرض الاستباق كخيار وحيد. وبين مضيق هرمز الذي يختبر الاقتصاد العالمي، والخلايا الإرهابية التي تختبر عمق المجتمعات، يتحدّد مستقبل الاستقرار في المنطقة.
ولعلّ الرسالة الأهم في هذا المشهد هي أن زمن المفاجآت لم يعد لصالح من يراهن على الاختراق، بل لصالح من يملك القدرة على كشفه قبل أن يولد. وهنا تحديدًا، تُرسم ملامح معادلة جديدة: استقرارٌ يُصنع بالفعل، لا يُمنح بالصمت، وأمنٌ يُفرض بالمبادرة والعزيمة، لا يُستجدى بالتمنيات.