بعد الهدنة مع إيران… لبنان بين النار ومبادرة عون
سعد شعنين
4/9/2026 8:35:32 AM
لم يكن التصعيد الإسرائيلي الأخير على الساحة اللبنانية حدثاً معزولاً عن السياق الإقليمي، ولا مجرد ردّ عسكري محدود. فالتزامن بين أكثر من مئة غارة إسرائيلية خلال دقائق، وبين تثبيت وقف إطلاق النار مع إيران، يشير إلى أن ما جرى يتجاوز الميدان، ويحمل رسائل سياسية واستراتيجية للمرحلة التي قد تلي المواجهة الإقليمية.
تريد إسرائيل من خلال هذا التصعيد أن تؤكد أن التهدئة مع طهران لا تعني بالضرورة تهدئة على الجبهة اللبنانية، وأن لبنان لن يكون تلقائياً جزءاً من أي مناخ تهدئة ما لم تُحسم شروطه الخاصة. الرسالة واضحة: فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني، ومنع حزب الله من تحويل أي تهدئة إقليمية إلى فرصة لإعادة التموضع أو ترميم قدراته.
كثافة الغارات وتوقيتها تعكس ضربة استباقية لإيقاف أي استراحة ميدانية أو سياسية. فالهدف لا يقتصر على التدمير العسكري، بل على فرض ميزان قوى جديد يسبق أي تفاوض محتمل على مستقبل الجبهة اللبنانية. إسرائيل تسعى إلى أن تكون لبنان ساحة استكمال الضغط بعد تثبيت الهدنة مع إيران، بمعالجة الملف اللبناني بشكل منفصل وشروط أكثر صرامة.
الرسائل الموجهة إلى الداخل اللبناني أيضاً شديدة الوضوح. فحجم الغارات وطبيعتها لا يهدفان فقط إلى إيقاع خسائر، بل إنتاج ضغط نفسي وسياسي على الدولة اللبنانية والبيئة الداخلية. لبنان سيبقى معرضاً للتصعيد ما دام قرار الحرب والسلم خارج سيطرة الدولة، والجبهة اللبنانية مرتبطة بتوازنات إقليمية تتجاوز قدرة البلاد على الاحتمال.
وهنا يظهر الاختبار الحقيقي للدولة اللبنانية. المطلوب ليس مجرد إدانة الغارات أو تحرك دبلوماسي، بل قدرة الدولة على تقديم مقاربة سياسية وسيادية تمنع تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة في مرحلة إعادة ترتيب الإقليم. رد الفعل اللبناني سيشمل التحرك الدبلوماسي، التشديد على دور الجيش اللبناني، واحترام القرارات الدولية. لكنه لن يكون كافياً إذا لم يقترن برؤية داخلية تعالج ازدواجية القرار الأمني والعسكري في لبنان.
في هذا السياق، تكتسب مبادرة الرئيس جوزاف عون أهمية خاصة. فالمقاربة التي يقوم عليها عهده، وتعزيز موقع الدولة والجيش واستعادة القرار السيادي، لم تعد مجرد طرح إصلاحي، بل ضرورة وطنية ملحّة في ضوء التطورات الأخيرة. التصعيد الإسرائيلي لا يضع فقط حزب الله أمام تحدٍّ جديد، بل يضع الدولة اللبنانية أمام لحظة اختبار حقيقية: هل تكتفي بإدارة التداعيات، أم تحوّل الخطر إلى فرصة لإعادة تثبيت مرجعية الدولة في الأمن والسيادة؟
هامش المناورة اللبناني يضيق باطراد. فكل جولة تصعيد إضافية تعيد طرح السؤال: من يملك فعلياً قرار الحرب والسلم في لبنان؟ وما لم تُقدَّم إجابة عملية، سيبقى لبنان معرضاً لأن يُستدرج مرة بعد أخرى إلى مواجهة تتجاوز قدرته على الاحتمال وتُفرض عليه شروطها من الخارج.
ما جرى امس ليس مجرد تصعيد عابر، بل إشارة إلى الضغوط التي قد يتعرض لها لبنان بعد الهدنة مع إيران. وخطر هذا التطور لا يقتصر على عدد الغارات أو توقيتها، بل في أنه قد يشكل بداية إعادة صياغة التوازن الأمني والسياسي في لبنان تحت ضغط النار والتسويات الإقليمية. السؤال المركزي الآن: هل تستطيع الدولة اللبنانية، عبر مبادرة الرئيس جوزاف عون أو ما يشبهها، أن تحول لحظة التحول الإقليمي إلى فرصة لاستعادة القرار الوطني قبل أن يُفرض عليها تسويات من الخارج؟