لماذا اختار لبنان واشنطن للتفاوض المباشر مع إسرائيل؟
داود رمال
4/25/2026 6:48:50 AM
يتعامل لبنان مع مسار التفاوض المباشر المرتقب مع إسرائيل بوصفه واحدًا من أكثر الاستحقاقات السياسية أهمية وخطورة منذ اتفاق ترسيم الحدود البحرية، ليس فقط بسبب طبيعة الملفات المطروحة، بل لأن شكل التفاوض ومكانه ورعايته السياسية كلها عوامل ستحدد إلى حد كبير نتائجه وحدود المناورة فيه. ومن هنا، كان خيار العاصمة التي ستستضيف هذه المفاوضات قرارًا سياديًا وسياسيًا محسوبًا بدقة، دفع بيروت إلى حسم موقفها بطلب واضح يقضي بأن تكون المفاوضات في واشنطن حصرًا، بعيدًا من أي عاصمة أخرى، رغم التقدير اللبناني الكامل للدول الشقيقة والصديقة التي أبدت استعدادها للإاستضافة، ولا سيما فرنسا وقبرص ومصر.
هذا التوجه اللبناني ينطلق من قراءة واقعية لطبيعة المرحلة المقبلة، حيث ترى الدولة اللبنانية أن أي تفاوض مباشر مع إسرائيل، سواء تعلق بترتيبات أمنية أو سياسية أو بملفات ترتبط بتثبيت الاستقرار جنوبًا وتطبيق القرارات الدولية، يحتاج إلى راعٍ قادر فعليًا على التأثير في القرار الإسرائيلي، لا مجرد وسيط ناقل للمواقف. وفي هذا السياق، تعتبر بيروت أن وزارة الخارجية الأميركية، بما تملكه واشنطن من نفوذ مباشر على تل أبيب، تبقى الجهة الأكثر قدرة على الضغط، وعلى ضمان تنفيذ ما يمكن التوصل إليه، وعلى تحويل التفاهمات من مجرد نصوص سياسية إلى التزامات قابلة للتطبيق.
ولبنان لم يتعامل مع العروض الفرنسية أو القبرصية أو المصرية من باب الرفض أو التقليل من أهمية هذه الدول، بل من باب الحرص على إبقاء الملف تحت الرعاية الأميركية المباشرة، لأن التجربة اللبنانية السابقة، سواء في ملف ترسيم الحدود البحرية أو في ملفات التهدئة جنوبًا، أثبتت أن واشنطن وحدها تملك القدرة العملية على مخاطبة الإسرائيلي بلغة الإلزام لا بلغة النصائح الدبلوماسية. ويرى لبنان أن أي تفاوض خارج العاصمة الأميركية قد يخفف من مستوى الالتزام الأميركي المباشر، أو يحوّل واشنطن إلى مراقب من بعيد بدل أن تكون شريكًا ضاغطًا في صناعة النتائج.
والمبدأ اللبناني يقوم على أن الرعاية الأميركية يجب ألا تكون سياسية فقط، بل تنفيذية أيضًا، لأن المرحلة المقبلة لا تحتمل تجارب تفاوض مفتوحة على المماطلة الإسرائيلية أو على استنزاف الوقت، خصوصًا في ظل الوضع الأمني الخطير في الجنوب، وحجم الضغوط الاقتصادية والسياسية التي يعيشها لبنان داخليًا. لذلك فإن إبقاء المفاوضات في واشنطن يعني عمليًا إبقاء الملف داخل غرفة القرار الأميركي نفسه، بما يسمح بتدخل مباشر وسريع عند كل عقدة أو محاولة تعطيل.
وحتى الآن، هناك تجاوب أميركي مبدئي مع هذا الطلب اللبناني، والتحضيرات الجارية داخل المؤسسات الرسمية اللبنانية تُبنى على أساس أن المفاوضات ستُعقد في واشنطن، لا في أي مكان آخر، ما يعني أن مرحلة الانتقال من الاتصالات التمهيدية إلى وضع الهيكل التنفيذي للمفاوضات بدأت فعليًا، ولو بعيدًا من الأضواء. والجانب الأميركي يتفهم المنطق اللبناني، لا سيما أن نجاح هذا المسار يحتاج إلى مظلة سياسية قوية تمنع انهياره عند أول اختبار ميداني أو سياسي.
أما على مستوى التمثيل اللبناني، فقد حُسم مبدئيًا أن يرأس الوفد السفير سيمون كرم، في إشارة واضحة إلى أن لبنان يتعامل مع هذا المسار بوصفه تفاوضًا سياسيًا من الدرجة الأولى، وليس نقاشًا تقنيًا أو أمنيًا محدودًا، ويحمل اختيار كرم دلالات متعددة، أبرزها أن الدولة تريد شخصية دبلوماسية ذات خبرة سياسية وقانونية وقدرة على إدارة مفاوضات معقدة تتجاوز الإطار العسكري التقليدي، خصوصًا أن الملفات المطروحة لن تقتصر على ترتيبات ميدانية، بل ستلامس ملفات سيادية وحساسة ذات أبعاد إقليمية ودولية.
إلا أن تركيبة الوفد لم تُحسم بالكامل بعد، لأن الأمر مرتبط أيضًا بطبيعة الوفدين الإسرائيلي والأميركي، بحيث يسعى لبنان إلى اعتماد مبدأ التوازي في التمثيل، أي أن تركيبة الوفد اللبناني ستُبنى على قاعدة موازية للتركيبة المقابلة، بما يحفظ التوازن السياسي والتفاوضي ويمنع أي اختلال في مستوى التمثيل أو الاختصاص. وعلى هذا الأساس، قد يتم ضم أعضاء إضافيين إلى جانب السفير كرم وفقًا لما ستفرضه طبيعة الملفات وهوية المشاركين من الطرفين الأميركي والإسرائيلي.
بالمبدأ، لبنان ذاهب إلى مفاوضات سياسية، وهذه نقطة أساسية في فهم المشهد، لأن الأمر لا يتعلق فقط بترسيم خطوط أو معالجة خروقات حدودية، بل بمسار سياسي أشمل يتصل بتثبيت قواعد الاشتباك الجديدة، وضمان تنفيذ القرار 1701، ومنع الانزلاق نحو حرب شاملة، وربما وضع أسس لترتيبات أكثر استقرارًا على الحدود الجنوبية. وهذا يعني أن المفاوضات ستكون شديدة الحساسية، لأنها ستلامس التوازن الداخلي اللبناني كما ستلامس الحسابات الإقليمية والدولية المحيطة بلبنان.
وفي موازاة الوفد المفاوض في واشنطن، تعمل بيروت على إنشاء ما يشبه غرفة عمليات سياسية وتقنية داخلية، تتمثل في مجموعة دعم متخصصة تضم خبراء واختصاصيين في مختلف الملفات التي يمكن أن تُطرح على طاولة التفاوض، من القانون الدولي إلى العلاقات الدولية، ومن ملفات الحدود والطوبوغرافيا إلى مسائل الترسيم والخرائط والقرارات الدولية، وصولًا إلى الجوانب الدبلوماسية والاستراتيجية المرتبطة بأي تفاهم محتمل.
هذه المجموعة لن تكون بديلًا عن الوفد المفاوض، بل ذراعه الخلفية السريعة، بحيث تكون في حالة انعقاد دائم لتأمين أوراق العمل والدراسات والاستشارات والاقتراحات بصورة فورية، بما يسمح للوفد اللبناني بالتحرك بسرعة ومن دون ارتجال أمام أي طرح مفاجئ أو ضغط تفاوضي. وهذه الآلية تهدف إلى منع تكرار الأخطاء التقليدية التي كانت تقع فيها الوفود اللبنانية سابقًا حين كانت المفاوضات تتحول إلى ردود فعل ظرفية بدل أن تكون جزءًا من استراتيجية وطنية متكاملة.
وستعمل هذه المجموعة بتنسيق مباشر مع رئاسة الحكومة، ومع اطلاع رئاسة مجلس النواب، بما يعكس محاولة واضحة لإحاطة هذا المسار بأوسع غطاء سياسي داخلي ممكن، وتجنب تحويله إلى مادة انقسام داخلي في بلد يعرف جيدًا كيف يمكن للملفات السيادية أن تتحول سريعًا إلى ساحات اشتباك سياسي داخلي. فنجاح المفاوضات لا يحتاج فقط إلى راعٍ خارجي قوي، بل أيضًا إلى جبهة داخلية متماسكة قادرة على حماية المفاوض اللبناني ومنحه هامش الحركة اللازم.
لذلك؛ لا يبدو لبنان متجهًا إلى مفاوضات تقنية محدودة، بل إلى مسار سياسي بالغ التعقيد يعيد رسم جزء من قواعد العلاقة غير المباشرة مع إسرائيل تحت المظلة الأميركية. ولهذا السبب، كان الإصرار على واشنطن لا باريس ولا نيقوسيا ولا القاهرة، لأن بيروت تدرك أن المكان هنا جزء من ميزان القوة نفسه. وفي مفاوضات من هذا النوع، لا تُقاس النتائج بما يُقال على الطاولة فقط، بل بمن يملك القدرة على فرض تنفيذ ما يُقال بعدها.