الديناميت والبارود الرقمي يهدّد ما تبقى من الدولة

خضر نجدي

5/3/2026 6:19:36 AM


شكّل اكتشاف ألفريد نوبل للديناميت في القرن التاسع عشر نقطة تحوّل مفصلية في مسار تطوّر البشرية، إذ لم يكن هذا الاكتشاف مجرّد أداة تفجير، بل وسيلة لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والطبيعة. فقد ساهم الديناميت في شق الطرق عبر الجبال الصخرية، وحفر الأنفاق، وتوسيع شبكات السكك الحديدية، ما أدّى إلى تسريع حركة النقل والتجارة وفتح آفاق اقتصادية جديدة. كما كان له دور محوريّ في أعمال البناء الكبرى، من السدود إلى المدن الحديثة، حيث أصبح بالإمكان تنفيذ مشاريع هندسية كانت تُعد شبه مستحيلة سابقًا.

ولم يتوقف أثر الديناميت عند حدود البنية التحتية، بل امتدّ بشكل غير مباشر إلى تطوير الصناعات الثقيلة، ومنها صناعة السيارات، حيث أسهم في استخراج المعادن والمواد الأولية بكميات أكبر وبكلفة أقل، ما انعكس على تسريع الإنتاج الصناعي وتوسيع الأسواق. بهذا المعنى، يمكن القول إن الديناميت كان أداة لتطويع الطبيعة لصالح الإنسان، ومحرّكًا أساسيًا لعجلة التحديث.

غير أن هذه الأداة نفسها، التي ساهمت في بناء الحياة، حملت في طيّاتها نقيضها الكامل. فقد استُخدم الديناميت، إلى جانب البارود، في تطوير الصناعات العسكرية، سواء في تصنيع القنابل أو في تعزيز القدرة التدميرية للأسلحة. ومع تطوّر الحروب، لا سيما خلال الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، أصبح الاستخدام العسكري للمتفجرات أحد أبرز مظاهر الدمار الشامل، حيث لم يعد يقتصر على ميادين القتال، بل طال المدن والبنى التحتية والمدنيين.

هذا التناقض بين استخدام الديناميت في بناء الحياة واستخدامه في تدميرها دفع المجتمع الدولي، بعد الحرب العالمية الثانية، إلى إعادة النظر في كيفية تنظيم استخدام القوة. فبرزت منظومة قانونية دولية تهدف إلى الحد من استخدام الأسلحة والمتفجرات، وتجريم استخدامها خارج إطار الدولة أو بما يهدد حياة الإنسان. كما تبنّت الدول مبدأ احتكار القوة، بحيث تكون حيازة السلاح والمتفجرات محصورة بالمؤسسات الرسمية، باعتبار أن تفكك هذا الاحتكار يؤدي إلى تفكك المجتمع نفسه، ويفتح الباب أمام صراعات داخلية مدمّرة.

وقد تجسّد هذا التوجه في العديد من التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية، التي ربطت بين الأمن والاستقرار من جهة، وحصرية استخدام القوة بيد الدولة من جهة أخرى. فالمجتمعات التي نجحت في ترسيخ هذا المبدأ استطاعت إلى حد كبير الحد من العنف الداخلي، ومنع تحوّل الخلافات السياسية أو الاجتماعية إلى نزاعات مسلحة.

لكن، ومع دخول العالم عصر الثورة التكنولوجية، ولا سيما مع تطور الذكاء الاصطناعي، برزت مفارقة جديدة لا تقل خطورة عن مفارقة الديناميت. فالتكنولوجيا، التي طُوّرت في كثير من الأحيان بدوافع عسكرية، تحوّلت إلى أداة يومية بيد الأفراد، تُستخدم على نطاق واسع دون ضوابط كافية. وعلى عكس الديناميت، الذي يتطلب إمكانات مادية وخبرة تقنية لاستخدامه، أصبحت أدوات التأثير التكنولوجي متاحة لأي فرد، بغض النظر عن مستوى المعرفة أو المسؤولية.

فإذا كان الديناميت يدمّر الحجر، فإن الاستخدام غير المنضبط للتكنولوجيا والفضاء الرقمي يدمّر العلاقات الاجتماعية، والثقة العامة، والوعي الجماعي. وتشير دراسات إعلامية حديثة إلى أن انتشار المعلومات المضلّلة والخطاب الانقسامي عبر المنصّات الرقمية يؤدي إلى زيادة الاستقطاب المجتمعي وتقويض الثقة بالمؤسسات، وهي عوامل تُعدّ من أبرز مسببات عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في الدول الهشة.

اليوم، يعيش لبنان نسخة جديدة من الديناميت، لكن هذه المرة ليس في الجبال ولا في الحروب، بل في الفضاء الرقمي. فان أي شخص يمكن أن يتحول إلى "إعلامي" أو "محلل" أو "مفكر"، دون أي تأهيل، دون أي مساءلة، ودون أي التزام معرفي لتستقر النتيجة على .فضاء عام مليء بأفكار مفككة، لحظوية، متناقضة، تُبث بسرعة، وتُستهلك بسرعة، لكنها تترك أثرًا عميقاً في تفكيك المجتمع. وحين يصبح الرأي بديلاً عن المعرفة، والانفعال بديلاً عن التحليل، والانتشار بديلاً عن الحقيقة، نكون أمام تفجير يومي للنسيج الاجتماعي، لا يقل خطورة عن تفجير الديناميت.

والمشكلة في لبنان مضاعفة ليست فقط بسبب وجود هذه الظاهرة، بل في غياب أي إرادة لمواجهتها، فلا تشريع واضح ينظم الإعلام الرقمي، ولا مساءلة حقيقية للمؤثرين، ولا معايير مهنية ملزمة، ولا حتى اعتراف رسمي بأن هناك خطراً يفتك بالبشر، مع الفتك القائم للحجر والمعيشة، فالدولة التي تحتكر السلاح ولا تحتكر "تنظيم التأثير"، تترك مجتمعها مكشوفاً أمام حرب من نوع آخر. مع الحرب التدميرية التي يشنها العدو الإسرائيلي.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدستور اللبناني، الذي يُفترض أنه يضمن الحريات، فهو لم يُكتب لزمن يستطيع فيه أي فرد أن يصل إلى آلاف الناس خلال دقائق، دون أي مسؤولية.

والتمسك الحرفي بمفهوم الحرية في هذا السياق، دون تحديث، ليس دفاعًا عن الحرية، بل تواطؤ مع الفوضى. والمطلوب ليس قمع الحريات، بل تنظيمها. وليس إسكات الناس، بل مساءلة من يؤثرون فيهم. من أسماء مضخمة بألقاب (المحلل الاستراتيجي، ومراسل القناة الفلانية في بلاد الاغتراب، والباحث، ومدير محطة تلفزيونية حالي وسابق، والاعلامي الباحث، والناشط الإعلامي والسياسي، ووو...)

ولبنان اليوم أيضا لا يواجه فقط خطر الحرب التقليدية الدائرة مع الاحتلال الاسرائيلي، بل يواجه خطر أن يتحول إلى مجتمع مفكك من الداخل، بفعل أفكار متطايرة، بلا جذور، بلا مسؤولية، وبلا حساب. فبينما كانت الديناميت تفجّر الصخور، فإن التكنولوجيا الحديثة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية، قادرة على تفجير المجتمعات من الداخل، خصوصًا مع اشارة أحدث البيانات الرقمية إلى أن لبنان بات من أكثر المجتمعات العربية اتصالاً بالفضاء الرقمي. فعدد مستخدمي الإنترنت بلغ 5.38 مليون مستخدم، أي ما يعادل 91.8% من السكان، فيما بلغ عدد الهويات النشطة على وسائل التواصل الاجتماعي 4.58 مليون هوية رقمية، أي نحو 78.1% من السكان، بزيادة سنوية قاربت 13.8% .

وتُظهر الأرقام أن لبنان يضم نحو 4.87 مليون حساب على فيسبوك وحده، والفئة العمرية الأكثر حضورًا رقميًا هي بين 25 و34 عامًا، وهي الفئة الأكثر تأثيرًا في تشكيل الرأي العام والسياسي، وان هذه الأرقام لا تعني فقط انتشار التكنولوجيا. انما تعني أن المجال العام اللبناني انتقل فعليًا إلى الفضاء الرقمي، ولم يواكب هذا، أي انتقال تشريعي أو مؤسساتي.

فالقوانين الإعلامية اللبنانية، كما تشير دراسات متخصصة، لا تزال في معظمها غير مكيّفة مع البيئة الرقمية الحديثة، وتعتمد على مقاربات وُضعت لعصر الصحافة الورقية والبث التقليدي، لا لعصر المؤثرين ومنصات الفيديو القصير والبث المباشر.

في الوقت الذي أصبح في لبنان آلاف من "الإعلاميين الافتراضيين" الذين يحتلون مساحة واسعة من الشبكة، ويؤثرون يومياً في الوعي الجمعي، من دون أي معايير مهنية أو رقابة أو محاسبة. ويجري الخلط ببلادة بين حرية التعبير وغياب المسؤولية. مع العلم أن حرية التعبير نشأت في سياق تاريخي لم يكن يتصوّر أن يتحول كل فرد إلى منصة إعلامية قائمة بذاتها، قادرة على بث خطاب سياسي أو أمني أو طائفي أو تحريضي إلى جمهور واسع خلال ثوانٍ، يحمل في طياته أفكار مفككة، وقراءات لحظوية، مجتزأة من السياقات، واستدعاء انتقائي للتاريخ، اضافة الى تحليلات منفصلة عن أي تراكم معرفي. فيتحول الى خطاب يُنتج انفعالات أكثر مما يُنتج فهماً، مما يجعله أشبه بالديناميت.

وقد حذّرت تقارير دولية حديثة من هذه الظاهرة. فقد أظهرت تقارير مرتبطة بـاليونسكو أن نحو ثلثي صنّاع المحتوى عالمياً لا يتحققون من صحة المعلومات قبل نشرها، ما يشكّل تهديداً مباشراً للثقة العامة والاستقرار المجتمعي . وإذا كان العالم يناقش اليوم وضع ضوابط لاستخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات العصبية المتقدمة، فإن لبنان لم ينجح بعد حتى في تنظيم المجال الرقمي الأساسي.

المطلوب أخيرًا وببساطة، كما مُنع حمل السلاح خارج الدولة، يجب أن يُمنع استخدام "السلاح الإعلامي" كيفما كان، كونه أصبح أشد خطرًا من حمل السلاح والديناميت بشكل يهدد المجتمع برمّته بما فيه حامل السلاح نفسه.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT