لبنان تحت الحصار: السلاح أم الانهيار؟
سعد شعنين
5/15/2026 8:24:21 AM
لم يعد الضغط على لبنان يُقاس فقط بعدد الغارات أو حجم التهديدات العسكرية. فخلال السنوات الأخيرة، بدأت تتشكل معادلة أكثر تعقيداً تقوم على استخدام الاقتصاد، والاستقرار المالي، وحتى المناخ النفسي العام، كأدوات ضغط موازية للميدان العسكري، في محاولة لدفع لبنان نحو تحولات سياسية وأمنية كبرى، يتقدّمها ملف سلاح حزب الله.
في الظاهر، يبدو المشهد وكأنه أزمة لبنانية داخلية: انهيار مالي، تراجع استثمارات، شلل اقتصادي، خوف المستثمرين، وانهيار الثقة الدولية بالدولة اللبنانية. لكن في العمق، يرى كثيرون أن ما يجري يتجاوز حدود الأزمة التقليدية، ليتحوّل إلى جزء من مسار ضغط إقليمي ودولي متكامل، عنوانه الواضح: لا مساعدات فعلية ولا استقرار طويل الأمد ما دام ملف السلاح خارج إطار الدولة اللبنانية.
أحد أبرز أوجه هذا الضغط يتمثل في رفع منسوب المخاطر أمام المستثمرين والمؤسسات الدولية. فلبنان اليوم يُقدَّم في كثير من التقارير الدولية كساحة مفتوحة لاحتمالات الحرب في أي لحظة، لا كبلد مستقر قابل لجذب الرساميل. وفي عالم المال، يكفي الخوف أحياناً لإسقاط الاستثمارات حتى قبل وقوع أي مواجهة فعلية. فالمستثمر لا ينتظر الحرب كي يهرب، بل يهرب من احتمالها.
هذا المناخ ينعكس مباشرة على القطاع المصرفي وسعر العملة. فكل تهديد أمني أو تصعيد سياسي ينعش القلق حول مستقبل الاقتصاد اللبناني، ويعيد طرح الأسئلة نفسها: هل هناك حرب؟ هل ستُفرض عقوبات إضافية؟ هل سيبقى لبنان معزولاً عن النظام المالي العالمي؟ وهكذا يتحول الضغط النفسي إلى ضغط مالي يومي يطال الناس مباشرة، من سعر الدولار إلى القدرة الشرائية وحتى فرص العمل.
أما السياحة، التي تشكل أحد آخر شرايين الاقتصاد اللبناني، فتبدو الأكثر هشاشة أمام هذا النوع من الضغوط. إذ يكفي تصعيد إعلامي أو تهديد أمني حتى تبدأ شركات الطيران والسياح بإلغاء الحجوزات أو تأجيل الرحلات. وهنا يصبح “التهويل الأمني” سلاحاً اقتصادياً بحد ذاته، لأن ضرب الموسم السياحي يعني ضرب تدفق العملات الأجنبية، وإضعاف قدرة السوق اللبنانية على الصمود.
في المقابل، يظهر ملف المساعدات الدولية كأحد أهم أدوات الضغط غير المباشر. فالمجتمع الدولي لا يخفي ربطه أي خطة دعم جدية للبنان بإصلاحات سياسية وأمنية واسعة، تبدأ من ضبط الحدود وتنفيذ القرارات الدولية، ولا تنتهي عند حصرية السلاح بيد الدولة. ومع الوقت، باتت الرسالة أكثر وضوحاً: العالم مستعد لمساعدة لبنان، لكن ليس بصيغته الحالية.
حتى الشركات الأجنبية بدأت تتعامل مع لبنان كمنطقة عالية المخاطر. مشاريع الطاقة، البنى التحتية، والاستثمارات الكبرى، جميعها أصبحت مرتبطة بسؤال واحد: هل لبنان ذاهب نحو استقرار فعلي أم نحو مواجهة مفتوحة؟ وفي ظل غياب جواب واضح، تفضّل كثير من الشركات تجميد قراراتها أو الانسحاب بهدوء.
المشكلة الأساسية أن هذا النوع من الضغط لا يُشبه الحروب التقليدية. فهو لا يدمّر الأبنية فقط، بل يستنزف الثقة والاقتصاد والمجتمع تدريجياً. ومع مرور الوقت، يتحول المواطن نفسه إلى المتضرر الأول، حتى لو لم تُطلق رصاصة واحدة.
وفي قلب هذه المعادلة، يبدو ملف سلاح حزب الله كأنه العقدة الأساسية التي تدور حولها كل الضغوط. فبين من يعتبر أن السلاح يشكل حماية للبنان في وجه إسرائيل، ومن يرى أنه السبب الرئيسي لعزل لبنان عربياً ودولياً وتعريضه المستمر للخطر، يبقى البلد عالقاً بين معادلتين متناقضتين: معادلة “المقاومة” ومعادلة “الدولة”.
لكن الأخطر ربما أن لبنان دخل مرحلة يصبح فيها الاقتصاد نفسه جزءاً من المعركة. فبدل أن تكون المواجهة عسكرية فقط، باتت تدور أيضاً في المصارف، والأسواق، والمطارات، وقرارات المستثمرين، وحتى في نفسية الناس اليومية. وهنا تحديداً تكمن قوة هذا النوع من الضغوط: إنها حرب بطيئة، لكنها شديدة التأثير.