"سدر" النحاس الدرزي فوق صفيح التحديات والصراعات...

5/15/2026 10:51:32 PM

كتب بلال صالح العريضي:

لطالما كانت عبارة "الموحدون الدروز مثل سدر النحاس" دستوراً غير مكتوب يحكم إيقاع هذه الطائفة في المشرق العربي ويعبّرعن شدة تماسك وترابط أبنائها، وتحديداً في مثلث تواجدهم التاريخي، لبنان وسوريا وفلسطين. فإذا طُرق أو اهتز النحاس من طرف واحد، رنّ واهتز بأكمله، إشارةً إلى تضامنهم وتماسكهم في مختلف الظروف فهم يتداعون لبعضهم البعض مهما تباعدت المسافات واختلفت المناطق. 
لكن اليوم، في اللحظة الأكثر حرجاً من تاريخ الشرق الأوسط والعالم، حيث تعاد رسم الخرائط ومناطق النفوذ بالدم والنار، يواجه الموحدون الدروز اختباراً سياسياً ووجودياً هو الأقسى في تاريخهم الحديث يهدد تاريخ وإنتماء أبناء هذه الطائفة. فبين مطرقة التحديات الجيوسياسية والتحولات الداخلية في سوريا ولبنان، وسندان المشاريع الكبرى والصراعات الإقليمية والدولية، يجد الدروز أنفسهم أمام خيارات مصيرية لا تهدد حاضرهم فحسب، بل قد تقلب صفحات تاريخهم وتؤطر مستقبلاً مختلفاً كلياً. 

دروز المشرق: معادلة "خصوصية المواطنة" في مواجهة الجغرافيا السياسية
تاريخياً، نجح الموحدون الدروز في الحفاظ على تماسك رمزية "سدر النحاس" كبنية عابرة للحدود الاستعمارية، متحدّين بذلك الجغرافيا السياسية التي فرضتها الحقبة الاستعمارية وما تلاها من زرع للكيان الإسرائيلي في قلب المنطقة. وعلى الرغم من وجود كتلة ديموغرافية وازنة من أبناء الطائفة داخل الأراضي المحتلة (عرب الـ48)، نجح أبناء الطائفة في لبنان وسوريا وفلسطين في اجتراح معادلة فريدة تقوم على تنظيم الخلاف والرؤى، من خلال إحترام خصوصيات بعضهم البعض، وعدم التدخل في شؤون بعضهم الداخلية، والالتزام بموجبات المواطنة كُلٌّ في بلده مراعاةً لقوانينه وظروفه السياسية، وتعمُّد استبعاد القضايا السياسية والقومية الخلافية التي قد تزعزع وحدة الانتماء الروحي والتاريخي.

عرب الـ48: بين حكم الواقعية وتحدي الحدود الإستعمارية
ففي فلسطين المحتلة وإبان الإحتلال الإسرائيلي أجمع الدروز على خيار البقاء في أرضهم، ومع تحول الكيان الإسرائيلي إلى دولة بحكم الأمر الواقع، وجد الدروز أنفسهم كأقلية مضطرين للتعاطي مع المعطيات الجديدة بواقعية سياسية للحفاظ على وجودهم. فإنقسم المجتمع الدرزي بين تيارين متناقضين في الخيارات السياسية والوطنية.
 تيار المهاودة والأمر الواقع تمثّل في الفئة التي تماهت مع الكيان الإسرائيلي واختارت المسار الاندماجي داخل المؤسسة الإسرائيلية، منخرطةً في نسيجه الإداري والعسكري، بدءاً من التربية والتعليم وتولي الوظائف الحكومية والحقائب الوزارية، وصولاً إلى الخدمة العسكرية في صفوف الجيش. تتبنى هذه الفئة هوية تعريفية تقوم برأيهم على مفهوم "المواطنة الإسرائيلية" تحت سقف منظومة من "الحقوق والواجبات" التي يكفلها الإطار القانوني للكيان، ويقول هؤلاء أنهم يعيشون حالة من "الاستقرار" و"السلام" والخصوصية.
 وتجد هذه الخصوصية نوعاً من "التفهم الواقعي" لدى شريحة واسعة من الموحدين، الذين ينظرون إلى هذا الخيار بوصفه نتاجاً لظروف جيوسياسية وتاريخية استثنائية فرضت على دروز الداخل الفلسطيني نمطاً من التعايش القسري مع بنية الدولة العبرية ومؤسساتها الرسمية. وتُعتبر "مشيخة العقل" في إسرائيل العمود الأساس في هذا التوجه حيث نجحت المؤسسة الاسرائيلية بكسب ولائها المطلق، فحظيت بالمقابل بامتيازات مادية وسياسية وسلطة واسعة. وأُعتُرف بالطائفة الدرزية كطائفة دينية مستقلة في إسرائيل عام 1957 وأصبحت مشيخة العقل سلطة رسمية ومعترفاً بها من قبل الكيان بشكل قانوني ومنظم عام 1963.

أما التيار الثاني، تمثل بحركات سياسية واجتماعية وأحزاب وطنية وقومية واجهت سياسات الكيان منذ البدايات، رافضة للدولة الصهيونية وسياسات الأسرلة، ولمحاولات سلخ أبناء هذه الطائفة عن محيطها العربي والتوحيدي وحاربت التجنيد الإجباري المفروض على أبناء الطائفة ومشاريع إقتطاع الأراضي ومصادرتها وقوانين التمييز العنصري ودعمت القضية الفلسطينية والحق بإقامة دولة.
ويبرز هنا الشيخ علي معدي، رئيس لجنة التواصل الدرزية - عرب الـ48، كأيقونة دينية وطنية توحيدية جسّد بمواقفه جوهر “سدر النحاس” الدرزي في أبهى صوره، فحوّل “التواصل” على مدى أعوام من مجرد شعائر دينية وحق بالتواصل مع أبناء الطائفة في العالم العربي إلى فعل تحدٍّ وجودي مقدس. فرغم الترهيب والملاحقة والاعتقال التي كانت تطاله ورفاقه، وآخرها بعد زيارة التحدي التاريخية للبنان عام 2023، ظل الشيخ معدي متمسكاً بحق التواصل والانصهار في العمق العربي كضمانة وحيدة لمنع ذوبان دروز فلسطين في “غيتو” سياسي يخدم الأجندة الإسرائيلية.
لكن رغم العداء الوجودي بين الدول المضيفة (سوريا ولبنان) وبين إسرائيل، ورغم وجود فجوة سياسية وجغرافية عميقة بين مختلف التيارات، إلا أن الجسور الاجتماعية والروحية بقيت ممدودة، رافضةً الانصياع لسياسات العزل القسري. فمهما اختلفت الولاءات السياسية أو الإكراهات المعيشية، بقيت الهوية التوحيدية رابطاً عابراً للحدود، يمنح الدروز لحمةً قوية وقدرة على الصمود. 
وقد صمدت هذه اللحمة بين أبناء الطائفة في لبنان وسوريا وفلسطين أمام اختبارات قاسية، من حرب 1967 واحتلال الجولان السوري، الى الحرب الأهلية اللبنانية، مروراً بالاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982 واحتلال قرى درزية في الجنوب، الى الوصاية السورية على لبنان، وصولاً إلى حرب تموز 2006، وانتهاءً بحرب اسرائيل على لبنان عام 2024. وبقيت هذه اللحمة صامدة... الى أن بدأت التحولات الجيوسياسية في المنطقة مع سقوط النظام السوري وما تلا أحداث السويداء الدامية تموز 2025 بين الدروز والحكومة السورية الانتقالية من دعوات الى الانفصال والإنضواء تحت الحماية الإسرائيلية. 

الجولان المحتل: البحث عن الهوية في مهبّ التحولات الجيوسياسية
أما الجولان السوري المحتل، فمثّل نموذجاً بالغ التعقيد في مواجهة التحديات الجيوسياسية وتناقضات الهوية لدى الموحدين الدروز، فمنذ الاحتلال عام 1967، وتحديداً مع "الإضراب الكبير" عام 1982، خاضت قرى الجولان معارك شرسة لرفض "الهوية الإسرائيلية"، متمسكةً بهويتها السورية وبجذورها التوحيدية بالرغم من الضغوط والإغراءات.
 ورغم ظهور حالات عديدة من التماهي مع المؤسسة الإسرائيلية، إلا أن الموقف العام كان يظهر رافضاً للهوية الإسرائيلية، إلى أن جاء سقوط النظام في دمشق وأحداث السويداء ليضع أهالي الجولان أمام اختبار وجودي هو أكثر تعقيداً.

فاليوم، يقف الجولان على مفترق طرق خطير، إذ فقد تيار "الرفض" الحالة الوطنية التي كان ينادي بها في ظل وجود نظامٍ جديد في دمشق يعادي أهله في السويداء، مما أضعف حجة التمسك بالارتباط بالدولة السورية، فرجحت الكفة لصالح تيار الاندماج الذي وجد في هذا الواقع مسوغات إضافية، عززتها دعوات الحماية التي تروج لها إسرائيل.
 إن الثبات التاريخي للجولان بات مهدداً ليس بفعل الاحتلال المباشر فحسب، بل نتيجة الخيارات الوجودية المرة التي حوّلت الانتماء الوطني من يقينٍ صلب إلى قلقٍ وجودي يخشى الذوبان في المشاريع الكبرى.

المشهد السوري: بين نزيف السويداء و"دولة باشان"
تحول المشهد في جبل العرب بعد الهجوم على السويداء من قبل العشائر وقوات الحكومة الانتقالية في تموز 2025 إلى صراع وجودي يضع الدروز أمام تحدٍ تاريخي ومصيري غير مسبوق. فالسويداء التي جرى فيها أبشع المجازر بحق الدروز على يد النظام الجديد متمثلاً بالأمن العام السوري والعشائر، وجد أبناؤها نفسهم في أتون خيارات مريرة وسيف الذبح على رقابهم، ودُفعوا مكرهين نحو معادلة وجودية لم تترك لهم مجالاً للمناورة، فإما الاستسلام لمصير الموت المحتوم، أو الارتماء في أحضان العدو طلباً للنجاة، وهي خيارات لا تعكس رغبة الطائفة بقدر ما تعكس وحشية الظرف الذي فرض عليهم الاستجارة من الرمضاء بالنار.

ونتيجة المجازر، بدت المطالبة بإدارة ذاتية في السويداء حقاً مشروعاً ومبرراً لضمان الأمن والحماية والحقوق نتيجة التوجس والخوف على المصير، إلا أن الانزلاق نحو طرح "دولة باشان" أو الانفصال تحت رعاية أو حماية إسرائيلية مثّل زلزالاً يضرب أسس "سدر النحاس" في العمق، وخصوصاً أنه أتى مترافقاً مع نقض الإتفاق الدرزي الضمني أو المعادلة التوحيدية القاضية بإحترام خصوصيات بعضهم البعض وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل دولة.
 فشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في اسرائيل موفق طريف مدعوماً من المؤسسة الإسرائيلية انخرط بشكل واضح ومؤثر في الملف السوري منذ اندلاع الأزمة عام 2011، حيث قدم دعماً مالياً كبيراً لمشايخ العقل في السويداء وللفصائل الدرزية المعارضة، وبرر تدخله تحت شعار "حفظ الإخوان" وحماية الأرض والعرض.
 وتوج هذا بتدخل عسكري مباشر من اسرائيل خلال أحداث السويداء 2025، التي إدّعت أن تحركها جاء استجابة لمناشدات دروز الداخل والشيخ طريف. ورغم أن مناشدات دروز الداخل نبعت من صدق نوايا وخوف على إخوانهم، الذي تجلى واضحاً في قطعهم للأسلاك الشائكة والحدود وصولاً الى حضر السورية بقيادة الشيخ علي معدي، تكشف أحداثٌ سابقةٌ زيف إدعاءات الحكومة الإسرائيلية، إذ وقفت موقف المتفرج أمام المجازر التي طالت الدروز في ريف إدلب (قلب لوزة -2015) والريف الشرقي للسويداء (2018) وغيرها، وحتى أنها قدمت في قرى جبل الشيخ الدعم والحماية لعناصر جبهة النصرة وداعش في وجه الدروز، وهو ما أثبت أن المحرك الأساسي للسياسة الإسرائيلية هو المصالح الأمنية والجيوسياسية لا حماية الأقليات.

وتتجسد التناقضات الصارخة في هذا المشهد من خلال "الاستثمار الإسرائيلي" في جراح السويداء، فقد برز تنسيق ودعم عالي المستوى من الشيخ موفق طريف للشيخ حكمت الهجري برعاية إسرائيلية رسمية، تضمن تأكيدات بدعم إسرائيل لدروز سوريا. 
هذا التوجه الذي غذى نزعات الانفصال سواء عبر تصريحات الشيخ طريف أو سياسيين دروز إسرائيليين، وصلت الى حد اعلان الجيش الإسرائيلي استحداث منصب جديد وتعيين ضابط درزي إسرائيلي مسؤولاً عن ملف التواصل والتنسيق مع الطائفة الدرزية في سوريا ولبنان. وقد قابل الشيخ حكمت الهجري هذا الدعم برفع العلم الإسرائيلي في ساحة الكرامة وإعلان الإنفصال تحت ما يسمى "دولة باشان" وطلب حماية علنية من اسرائيل، إلا أن هذا الاندفاع سرعان ما خمد، حيث رسم الشيخ طريف خطاً تراجعياً فور تبدل الرؤية الإسرائيلية للملف السوري، ليعود وينفي دعمه الإنفصال ويشدد على أن الدولة السورية هي الخيار الأفضل لأبناء السويداء.

طرح "دولة باشان" أو الانفصال تحت رعاية أو حماية إسرائيلية لا يشكل مجرد خياراً سياسياً بالنسبة للدروز، بل هو نسف للثوابت التاريخية التي حافظت على وحدة الموحدين عبر عقود، فحلم "الدولة الدرزية" هو ذاته المشروع الذي رفضه القائد العام للثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش وحاربه، وهو المشروع الذي تصدى له كمال بك جنبلاط وكرس بعدها ابنه وليد بك جنبلاط حياته السياسية لوأده، تأكيداً على الهوية العروبية والوطنية للطائفة.
 اليوم، يبرز هذا الحلم كأكبر تهديد لوجود الدروز، كونه يضعهم في مواجهة مباشرة مع تاريخهم وانتمائهم ومحيطهم، ويحولهم من "حماة للثغور" إلى "أقلية معزولة" تحت رحمة التوازنات الإقليمية.

لبنان…عنوان المرجعيات الروحية العليا والزعامات السياسية
في المقلب اللبناني، يبدو المشهد أكثر تعقيداً لكنه أكثر وضوحاً في ثوابته السياسية الكبرى. فمع سقوط النظام السوري وأفول دور الأمير طلال أرسلان الفاعل والمؤثر في سوريا وما كان يرافقه من امتيازات استراتيجية شكلت لسنوات ركيزة نفوذه القوي في لبنان والمنطقة، آلت مقاليد هذا الدور بفعل التحولات إلى الزعيم وليد بك جنبلاط الذي برز كقارئ ذكي للمرحلة، ممسكاً بالعصا من المنتصف لمنع انزلاق الطائفة نحو الانتحار السياسي. 

جنبلاط وأرسلان حاسمان في رفضهما لأي حماية اسرائيلية وطرح انفصالي في سوريا، لكن جنبلاط استبق كل السياسيين اللبنانيين بزيارة دعم للرئيس السوري أحمد الشرع، كان لها العديد من الأهداف الداخلية والخارجية، أهمها توجسه وخوفه على مستقبل الطائفة في ظل زلزال التحولات الكبرى في المنطقة، وجاء بعدها الهجوم على السويداء ليؤكد صحة تلك المخاوف. ومع ذهابه بعيداً في دعم السلطة السورية الجديدة ومساندة القوى الدرزية الرافضة لنهج الشيخ حكمت الهجري في السويداء، تبلورت خصومة حادة وصلت حد العداء مع الشيخ موفق طريف والشيخ حكمت الهجري ودروز إسرائيل والسويداء، لتضع جنبلاط في مواجهة مباشرة مع المحور الداعي للحماية والانفصال.

داخلياً، ورغم خلافاتهما السياسية، يظهر جنبلاط وارسلان في حالة من التنسيق الضروري وتوزيع الأدوار لحماية الجبل، وفي مركب واحد حيال الثوابت الاساسية، والتي هي رفض العدوان الإسرائيلي على لبنان، وعدم عزل المقاومة، والإصرار على عدم قبول التفاوض مع اسرائيل الا ضمن إطار الميثاقية الدستورية والذي يحفظ وحدة لبنان والعيش المشترك. ويشكل جنبلاط بدعمه لرئيس مجلس النواب نبيه بري، صمام أمان لكبح جماح القوى المناهضة للمقاومة ومنع لبنان من الانزلاق نحو فتنة داخلية، وفي نفس الوقت يحافظ على علاقة جيدة وتنسيق مع رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء. 

أما على الصعيد الداخلي للطائفة، فيسعى كلا القطبين إلى إضفاء "الشرعية الروحية" على خياراتهما السياسية إذ يدرك الطرفان أن الثقل الديني هو الرافعة الأساسية لتثبيت النفوذ الشعبي. ويتجلى هذا الاستقطاب في الحرص الشديد على حشد المرجعيات الدينية والمشايخ في المناسبات والمواقف المفصلية، في محاولة لخلق هالة من "التفويض والشرعية التوحيدية" حول خياراتهما ومواقفهما، والتركيز على حضور مشايخ العقل في المناسبات والمواقف الحساسة، سواء المنصب الرسمي أو ذاك المعين من الجانب الأرسلاني، باعتبارهما امتداداً للنفوذ السياسي داخل الهيكلية الطائفية. 
وعلى الرغم من قدرة القطبين على حشد الأعداد وتوظيف الرموز، يبقى طموحهما الأكبر هو الفوز بـ "مباركة" المرجعية الروحية العليا للطائفة التي ظلت محتفظة باستقلاليتها التاريخية ومكانتها التي تعلو فوق التجاذبات الحزبية. فهذه المرجعية تعتبر البوصلة الأخلاقية والروحية للموحدين التي ترفض الانضواء تحت عباءة الزعامة السياسية ولا تخضع لحسابات الربح والخسارة وعصية على التجيير لصالح الأجندات السياسية. 

وسط هذا التلاطم، يبرز مقام المرجع الروحي الأعلى لطائفة الموحدين الدروز، الشيخ أمين الصايغ كبوصلةٍ أخلاقية وروحية لا تضلُّ طريقها ولا تحيد عن ثوابتها. يُعد الشيخ الصايغ اليوم بمثابة القطب الذي تلتف حوله القلوب، والضمانة الروحية التي تستمدُّ هيبتها من وقار الزهد وصفاء الرؤية، ليظلَّ صوته هو الصدى الأصدق لضمير الطائفة في أحلك الظروف. يمثل الشيخ الصايغ اليوم "النواة الصلبة" في قلب سدر النحاس، حارساً لإرثٍ توحيدي عصيٍ على التجيير، إذ يقف بوقار الزهد وصلابة الموقف ضد أدلجة الدين أو زجه في مشاريع التفتيت التي تتربص بالمنطقة، ويحذر أن أي كانتونات طائفية ليست إلا فخاً لتفتيت المشرق وتمزيق نسيجه التاريخي. 

بصوتٍ يتهيبُه الساسة ويطمئن إليه المريدون ورسائل يترقبها الجميع، يقطع الشيخ الصايغ الطريق على أي طروحات تقسيمية أو مسارات مشبوهة للتعاون مع الاحتلال تحت أي مسمى كان، مرسخاً مبدأ الانتماء الأصيل. وفي الوقت الذي يحرم على أبناء الطائفة التعدي ويرفض أي تعدي عليهم، فإنه يبارك بلسان الحق حق أهل السويداء في الذود عن كرامتهم والدفاع عن وجودهم، مع إصرارٍ أبويّ على نبذ الاقتتال البيني وتحريم الصراعات الداخلية التي لا تخدم إلا المتربصين. 

ويبقى العنوان الأسمى، والغاية التي تذوب عندها كل التفاصيل في منهج الشيخ أمين الصايغ، هي "وحدة الطائفة" التي يراها الشيخ أمانة وجودية وضرورة توحيدية تحفظ للموحدين دورهم التاريخي في قلب هذا المشرق. فمواقف المرجعية الروحية العليا دائماً ما تؤكد على أن قوة الدروز في "اندماجهم" وليس في "انعزالهم" وتمتعهم بخصوصية معينة في كل دولة وعدم تدخل أبناء الطائفة في شؤون بعضهم البعض، فالمصالح السياسة لا تعنيه أمام وحدة أبناء الطائفة.

حتمية الوحدة في زمن الانكسار
إن محاولة كسر "سدر النحاس" اليوم تتم عبر أدوات ناعمة وخشنة، من إغراءات الاستقلال الزائف في سوريا، إلى ضغوط الاندماج القسري في السياسة الإسرائيلية، وصولاً إلى نيران الحرب في لبنان.
 إلا أن الحقيقة البحثية تؤكد أن الدروز، وعبر تقوى وحكمة مرجعياتهم الروحية العليا وحنكة مرجعياتهم السياسية، يدركون أن مستقبلهم مرتبط بوحدة أوطانهم وبقاء العمق المشرقي.
 من يراهن على كسر هذا السدر، يجهل أن النحاس الدرزي لا ينكسر بالطرق، بل يزداد معدنه صلابةً وصوته وضوحاً كلما اشتدت الأزمات، ليبقى "القلب الواحد والروح الواحدة" هي الضمانة الوحيدة ضد خطر الإندثار.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT