تَلَّةُ البَلَمَنْد

الأب الياس كرم

5/16/2026 7:55:54 AM

عجيبٌ هو اللهُ في صُنْعِهِ، باسطٌ رحمته على الأرض كندى الفجر، يختار من البقاع مواضعَ للنور، ويجعل من التلال مذابحَ للصلاة، ومن السهول خيامًا لحضوره. وفي لبنان، هذا الوطن الصغير بحجمه العظيم برسالته، تناثرت الأديرة والكنائس كنجومٍ مضيئة في ليل الشرق، ترفع البخور نحو السماء، وتحفظ في جدرانها صدى التراتيل ودموع المؤمنين وعطش القلوب إلى الله.

وفي الشمال اللبناني، حيث يلتقي زرقة البحر بخشوع الجبال، تنتصب تلة البلمند كأنها صفحةٌ من سفرٍ مقدّس، خطّتها العناية الإلهية بمداد التاريخ والإيمان. هناك، لا يبدو المكان مجرد ديرٍ أو مقرٍ بطريركي أو صرحٍ جامعي، بل مدينةً روحيةً كاملة، تتعانق فيها الصلاة مع المعرفة، والرهبنة مع العلم، والتأمل مع الرسالة.

وقبل بلوغ هذه التلة المباركة، يمرّ الحاجّ بمحطاتٍ من النور. في دير سيدة النورية، تلك الشرفة المعلّقة على المتوسط، تستقبلك العذراء بصمتٍ مهيب، وتحدّثك بعينيها أكثر مما تفعل الكلمات. هناك، يهدأ القلب كطفلٍ عاد إلى حضن أمّه، ويشعر الزائر أنّ البحر نفسه يصلّي تحت أقدامها. وإلى جوارها، يقوم دير القديس سمعان العمودي، كواحةٍ من السكينة، تظلله صلوات الراهبات اللواتي حوّلن المكان إلى منارة عزاءٍ وتعزية، فيغادره الزائر محمولًا على سلامٍ داخلي لا يشبه إلا النعمة.

ثم ترتفع الطريق شيئًا فشيئًا، من السهل إلى الهضبة، كأنّها ارتقاءٌ من الأرض إلى ما فوق الأرض، حتى يلوح دير البلمند شامخًا على التلة، كقنديلٍ معلّق بين السماء والتراب. هناك، لكل حجرٍ ذاكرة، ولكل زاويةٍ حكاية، ولكل جدارٍ صلاةٌ عتيقة ما تزال حيّة في الهواء.

دير رقاد والدة الإله في البلمند ليس مجرد أثرٍ من الماضي، بل كائنٌ حيّ يتنفّس الإيمان منذ قرون. فمنذ العام 1603، صار هذا الموضع مركزًا للرهبنة الأرثوذكسية الأنطاكية، ومقرًّا لتكريم العذراء مريم والقديس جاورجيوس. وعلى مرّ الزمن، بقيت التلة ثابتةً في وجه التحولات، تحفظ شعلة الروح وتورثها للأجيال.

ومع الزمن، لم تكتفِ البلمند بأن تكون ديرًا للصلاة، بل تحوّلت إلى صرحٍ جامعٍ للحياة الروحية والفكرية. فانبثقت منها ثانوية سيدة البلمند، ثم معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي، وصولًا إلى جامعة البلمند التي غدت منارةً أكاديمية وثقافية في الشرق، تجمع بين أصالة التراث وحداثة المعرفة، وتؤكد أن الإيمان الحق لا يعادي العلم، بل يباركه ويهذّبه.

وقد شهد الدير مؤخرًا محطات ومراكز مضيئة في مسيرته، منها افتتاح متحف يوثّق تاريخه العريق، في عهد غبطة البطريرك يوحنا العاشر، وبجهود قدس الأرشمندريت جورج يعقوب، الذي أولى هذا الإرث عناية المحبّ الأمين، فجاء المتحف أشبه بذاكرةٍ حيّة تحفظ عبق القرون وتروي للأجيال سيرة المكان.

أما تلة البلمند نفسها، فهي أكثر من موقعٍ جغرافي. إنها فسحةُ رجاء، وملاذُ أرواح، ومهبطُ سلام. هواؤها يحمل رائحة الصلوات القديمة، وأشجارها تبدو كحرّاسٍ للعابرين نحو الطمأنينة. هناك، يشعر الإنسان أنّ المسافة بين الأرض والسماء تضيق، وأن القلب يصبح أخفّ، وأن الروح تستعيد شيئًا من نقائها الأول.

تلة البلمند هي قلبُ الحضور الأرثوذكسي الأنطاكي في الشرق، وهي أيضًا شهادةٌ حيّة على أنّ الله ما يزال يعمل في التاريخ، بأيدي البشر المؤمنين، وبالعقول المستنيرة، وبالأماكن التي اختارها لتكون مناراتٍ للنور.
وحقًّا، ما إن تطأ أقدام الزائر تلك التلة، حتى يميل القلب إلى الشمال، حيث البلمند، وحيث للصلاة طعمُ الخلود.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT