الشباب اللبناني لا يهرب من السياسة… بل يبحث عن فرصة
5/19/2026 4:06:25 PM
في كل مرة يُطرح فيها الحديث عن الشباب اللبناني، يتكرر المشهد نفسه: جيل يميل الى الإحباط، ولا يجد المكان أو الوسيلة التي يفجّر فيها غضبه. لكن ما كشفته تجربة "البرلمان الشبابي" بنسخته الثانية، هو أن المشكلة لم تكن يوماً في الشباب أنفسهم، بل في غياب المساحات التي تسمح لهم بأن يكونوا جزءاً من القرار.
فاللافت في هذه التجربة لم يكن فقط عنوانها، بل حجم التفاعل الذي حققته. أكثر من 58 ألف شاب وشابة سجّلوا للمشاركة، فيما جرى تثبيت أكثر من 34 ألف طلب بعد عمليات التحقق. أما عدد الذين اقترعوا فعلياً في الانتخابات الإلكترونية، فقد بلغ 17,754 ناخباً بنسبة مشاركة وصلت إلى 51.3 في المئة.
في بلد يعاني أساساً أزمة ثقة بالعملية الانتخابية والسياسية، تبدو هذه النسبة رسالة سياسية بحد ذاتها. فهي تعني ببساطة أن الشباب اللبناني لا يقاطع السياسة لأنه غير مهتم، بل لأنه يشعر غالباً أن السياسة التقليدية لا تشبهه ولا تمثله.
وعندما توفّرت تجربة مختلفة، قائمة على التنافس، والمناظرات، والتصويت، والعمل التشريعي، حضر الشباب بكثافة. وهذا ربما أهم ما يجب التوقف عنده.
الأكيد أن المشروع لم يكن مجرد نشاط شبابي عابر أو حملة إعلامية ظرفية. بل حاول بناء تجربة سياسية متكاملة تحاكي الحياة البرلمانية بكل تفاصيلها. أكثر من 400 مرشح ومرشحة خضعوا لدورات تدريبية متخصصة في المواطنة، والحوكمة، والتواصل السياسي، وإدارة الحملات الانتخابية، والأنظمة الديمقراطية، ضمن عشر دورات تدريبية توزعت في لبنان.
وفي محاولة يمكن اعتبارها غير هامشية لإعادة ربط السياسة بالنقاش العام الحقيقي، بعيداً من الاصطفافات التقليدية والخطابات الجاهزة، شهدت التجربة ست مناظرات علنية في مختلف المناطق اللبنانية، نُقلت مباشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي،
عند كل انتخابات يتكرر السؤال "وين دور المرأة". وهنا أيضاً نقطة يمكن التوقف عندها. فقد أظهر المشروع حضوراً نسائياً لافتاً. فمن أصل 201 مرشح، بلغت نسبة النساء 38 في المئة، فيما وصلت نسبة تمثيل النساء داخل البرلمان الشبابي إلى 37.5 في المئة. وفي بلد لا تزال المرأة تواجه فيه صعوبات كبيرة للوصول إلى مواقع القرار، تحمل هذه الأرقام دلالة واضحة على طبيعة التحول الذي يريده الجيل الجديد.
حتى على المستوى التشريعي، لم تبقِ التجربة نفسها ضمن إطار رمزي أو شكلي. فقد ناقش البرلمان الشبابي أكثر من 60 اقتراح قانون، أُقرّ منها أكثر من 30 اقتراحاً تناولت ملفات تتعلق بالصحة والتعليم والشفافية والإنفاق العام والتنمية الاجتماعية.
الأكيد أن "البرلمان الشبابي" أثبت ان في لبنان جيلاً يريد أن يشارك، يناقش، يقترح، ويخوض العمل العام بجدية. والمشكلة لم تكن يوماً في غياب الكفاءات، بل في غياب الفرص.