هل الفاتيكان مع السّلام بين لبنان وإسرائيل؟

جيسيكا حبشي

5/25/2026 6:13:59 AM


في كلّ مرّة يعيشُ فيه لبنان فصلاً صعباً أو مرحلة اهتزازٍ أمنيّ أو سياسيّ، يبرز دور الفاتيكان عبر حضورٍ دبلوماسيّ ومعنويّ وراعويّ يجعله من أكثر الجهات الدوليّة متابعةً للملف اللبناني والحريصة على هذا البلد الصغير ذات الحمل الثقيل.
وفي ظل الحرب في لبنان والتبدلات التي تشهدها المنطقة، تكثّف هذا الحضور أخيراً، ليس حماية للمسيحيّين في قرى الأطراف فقط، بل للحفاظ على ما يعتبره الفاتيكان جوهر لبنان: الحرية والتنوّع والعيش المشترك. فما سرّ هذا الاهتمام الاستثنائي من رأس الكنسية الكاثوليكيّة بلبنان وشعبه؟ وهل الفاتيكان مع السّلام بين لبنان وإسرائيل؟
 
اهتمامٌ تاريخي بلبنان... وممثلٌ وحيد للبابا
تؤكد مصادر لبنانيّة في الفاتيكان لموقع mtv أنّ "اهتمام الكرسي الرسولي بلبنان ليس جديداً ولا ظرفياً، بل يرتبط بدور تاريخي يلعبه عبر شبكة واسعة من السفارات والإكليروس والرهبان والعلمانيّين حول العالم، ما يجعله أحد أبرز مراكز ما يُعرف بـ "القوة الناعمة" الدولية"، مشدّدة على أنّ "ما يهمّ الفاتيكان في لبنان هو الحفاظ على وجود مسيحي آمن وحرّ، من دون الدخول في التجاذبات أو اللعبة السياسيّة الداخليّة التي يعتبرها خطاً أحمر".
وتُضيف المصادر: "هذا الاهتمام ليس وليد الحرب الحالية. فمنذ عقود، حافظ الفاتيكان على حضوره في لبنان عبر السفراء البابويّين ومواكبة مختلف المحطات المفصلية. ويستعيد كثيرون محطة "السينودس من أجل لبنان" عام 1995 الذي دعا إليه البابا يوحنا بولس الثاني وتُوّج بزيارته التاريخية إلى لبنان عام 1997، حين أطلق عبارته التي تحوّلت إلى شعار أبديّ: "إن لبنان أكثر من بلد… إنّه رسالة حرية ونموذج للعيش المشترك"، موضحة أنّ "الفاتيكان يتحرّك اليوم عبر قنواته الرسمية والكنسية معاً، والسفارة البابوية تبقى الممثل الوحيد للكرسيّ الرسوليّ في لبنان، وأيّ موقف أو توجيه يصدر عن الفاتيكان أو البابا لاوون الرابع عشر يمرّ عبرها".
 
سفيرٌ استثنائي يعشقُ القديس شربل
بعيداً من الخطابات السياسيّة العالية، يتحرّك السفير البابوي المونسنيور باولو بورجيا في لبنان كوجهٍ للدبلوماسيّة الفاتيكانية الهادئة، التي تفضّل الفعل على الإعلان، والحضور على الضجيج، وتواكب اللبنانيّين بمبادرات إنسانيّة وزيارات ميدانية تمتدّ إلى أكثر المناطق خطورة في البلاد.
وفي هذا السياق، تتحدّث المصادر عن "السفير بورجيا الذي يُنظر إليه كشخصيّة قريبة من الواقع اللبناني وتملك علاقات جيّدة مع مختلف الأطراف وخصوصاً رئاسة الجمهورية"، وتكشف أنّ "السفير البابوي هو شخصٌ متميّز ويتمتّع بروحٍ شابة، كما يعرفُ لبنان جيّداً بفضل منصبه السابق في السفارة البابوية، وما لا يعرفه كثرٌ عنه هو أنه يكنّ محبّة خاصّة وكبيرة للقديس شربل، ويزور دير مار مارون في عنّايا بشكلٍ دائمٍ للصلاة والتأمل".
 
نموذجٌ فريد للتنوّع والحريّة
من جهته، يرى المدير التنفيذي لملتقى التأثير المدني الدكتور زياد الصائغ أنّ "الفاتيكان ينظرُ إلى لبنان بوصفه نموذجاً فريداً للتنوّع والحريّة والعيش المشترك في الشرق الأوسط، لا كدولةٍ ذات بُعدٍ دينيّ أحاديّ. فهو يعتبرُ أنّ خصوصيّة لبنان تكمنُ في رسالته الحضاريّة القائمة على التعدديّة والمواطنة والانفتاح الثقافيّ والديني"، لافتاً، في حديث لموقع mtv، الى أنّ "اهتمام الفاتيكان تضاعف نتيجة خطر انهيار الدّولة وتفكّك المؤسّسات وتناميِ منطق المحاور الإقليميّة والعنف الجيوسياسي، كما يخشى الفاتيكان سقوط لبنان في نماذج الانغلاق الهوياتيّ أو حلف الأقليّات أو عسكرة الأديان".
هل الفاتيكان قادرٌ على التّأثير سياسيّاً ودبلوماسيّاً وليس فقط راعوياً في لبنان؟ يُجيب الصائغ "الفاتيكان يمتلك تأثيراً يتجاوز البُعد الراعوي، انطلاقاً من مكانته المعنويّة وشبكة علاقاته الدوليّة الواسعة. هو لا يتدخّل بمنطق الوصاية، بل بمنطق التأثير الهادئ على العواصم المؤثّرة وعلى المناخ الدولي المحيط بلبنان".
 
ماذا عن السلام؟
في ملفّ السلام، توضح المصادر أنّ الفاتيكان "لا يُعارض أيّ مسار سلام بين لبنان وإسرائيل إذا كان قراراً لبنانيّاً سياديّاً، انطلاقاً من موقفه المبدئي الداعم للسلام والعدالة وحقوق الإنسان، وهو يتحرّك اليوم في لبنان بهدوءٍ وثباتٍ استجابة للتحدّيات وحفاظاً على الوجود المسيحي في البلد"، أما الصائغ، فيقول "الفاتيكان يُشجّع بوضوح مسار السلام وإنهاء حالة الحرب في المنطقة، انطلاقاً من قناعته بأنّ الاستقرار المستدام لا يتحقّق إلّا عبر حلول سياسيّة ودبلوماسيّة طويلة الأمد. وفي الملفّ اللبناني، يدفع الفاتيكان نحو تثبيت السيادة اللبنانيّة الكاملة وحصر قرار الحرب والسلم بالدولة".
 
أكثر من دور للبابا لاوون...
كسب لبنان مكانة خاصّة في قلب البابا لاوون الرابع عشر بعد زيارته الى بيروت، وقد ذكره عشرات المرّات في صلواته وكلماته، لتبقى العينُ على دوره البابا في المرحلة المقبلة مع ما ستحمله من تغييرات، وفي هذا المجال، يرى الصائغ أنّه "يمكن للبابا أن يُعيد تثبيت القضيّة اللبنانية كأولوية دبلوماسيّة وأخلاقيّة في المحافل الدوليّة، ومن المتوقّع أن يُركّز على حماية نموذج لبنان القائم على التنوّع والحريّات والدّولة الدستوريّة، لا على منطق الجماعات المغلقة أو الامتيازات الطائفيّة والمذهبيّة"، خاتماً بالقول "قد يلعب الفاتيكان أيضاً دوراً داعماً لمسارات التهدئة والسّلام والاستقرار الإقليميّ، بما يحمي لبنان من الانزلاق الدّائم إلى الحروب المفتوحة".
 
في مرحلةٍ مفتوحة على تحوّلات كبرى، يُتابع الفاتيكان مجريات الأحداث في لبنان كأبٍ يراقب ابنه من بعيد. يتدخّل حين يجب، يرفع صوته حين تشتدّ المخاطر، ويمدّ يده حين تكبر الحاجة، ويذكّره دائماً بأنّ خلاصه لا يأتي من الخارج، بل من قدرته على حماية نفسه، حماية الرسالة.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT