الشرّ المتنكّر

الأب الياس كرم

5/30/2026 8:40:50 AM

مهما تعاظم الشر وتجبّر، فلن تكون له الغلبة الأخيرة، لأنّ الله وحده صاحب السلطان القادر أن يوقف امتداده ويبدّد آثاره. فالشر لا يستثني أحدًا؛ يمرّ على الجميع، وقد سبق السيد المسيح فأخبرنا أنّنا سنواجه الضيقات في هذا العالم، لكنّه دعانا إلى الثبات والرجاء قائلًا: «في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا، أنا قد غلبتُ العالم» (يوحنا ١٦: ٣٣).
يأتينا الشر متخفيًا في وجوه البشر أحيانًا، مترصّدًا لنا عند مفارق الحياة، يهاجم القلب والفكر والروح بكلّ ما يملك من أسلحة. ومهما بدت حصوننا منيعة، وحراساتنا مشددة، فلا يوجد قطيع بمنأى عن الوحوش التي تجوب براري هذا العالم القاسي. إنّه يتسلل إلينا كالسارق، بلا استئذان، مرتديًا ثوب الوداعة، فيما يخفي في داخله أنياب الذئاب الخاطفة، لا غاية لها سوى الأذى والخراب، ماديًا كان أم معنويًا أم روحيًا.
فالشر لا زمن معلومًا له، ولا حدود لتمدده؛ قد يباغت الإنسان في لحظة ضعف، فيسلبه سلامه، ويزرعه في مواجهة مريرة مع ذاته ومع الآخرين. لكنّه، مهما اشتد، لا يستطيع أن يقهر النفس المتشبثة بالله.
لا تخافوا، بل تذكروا أنّ الله ساهر على أولاده، يحرس الأتقياء ويحفظهم من الانهيار أمام العواصف. وكما قال القديس يوحنّا الذهبي الفم: "الشر لا يُقهَر بالشر، لأنّ النار إذا زِيدت نارًا ازدادت اشتعالًا". لذلك دعانا الرسول بطرس إلى اليقظة الروحيّة قائلًا: «اصحوا واسهروا، لأنّ إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمسًا من يبتلعه هو. فقاوموه راسخين في الإيمان» (١ بطرس ٥: ٨-٩).

في جهادنا الروحي، نحن مدعوون ألا نستسلم، بل أن نقاوم الشر بكل أسلحة النعمة: بالصلاة، والتوبة، والسهر، ونقاء القلب، والاتكال الكامل على الله. فالشر ليس جوهرًا قائمًا بذاته، بل هو غياب الخير وانحراف الإرادة عن نور الله. لذلك يبقى الإنسان قادرًا، بنعمة الله، أن ينتصر على ظلمات الفكر وضعفات النفس، وألا يقابل الإساءة بإساءة، بل بالمحبّة والغفران.
جميل ألا يخطئ الإنسان، وإن أخطأ فالأجمل ألا يؤجل التوبة، وإن تاب فالأجمل ألا يعود إلى الخطيئة. هكذا تنمو النفس في النعمة، وتقوى على مواجهة الشر وأباطيله، وتصبح أكثر رسوخًا في وجه التجارب والعثرات.
عزيزي القارئ، ابتعد عن الشر لتدرك قبحه، لأن من يعتده يفقد القدرة على تمييز رائحته النتنة، بل قد يظنها عطرًا مألوفًا. انتبه، اسهر، صلِّ، واطلب رحمة الله دائمًا ونعمة الروح القدس، فتكون لك حصانة روحية تردّ عنك سهام الشر، وتحفظ قلبك ثابتًا في النور، والسلام.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • كأس العالم
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT