الديبلوماسيّة المائيّة: رؤية من أجل السلام الإقليمي
فادي قمير
5/31/2026 4:37:00 PM
يقف الشرق الأوسط اليوم في الخط الأمامي لمواجهة حالة الطوارئ المناخية. وهي حقيقة مقلقة أكّدتها الدراسات التي أُجريت في إطار «مبادرة المناخ» التي أطلقها معهد قبرص عقب مؤتمر الأطراف الحادي والعشرين (COP21)، والتي أسفرت عن إعداد 15 تقريرًا موضوعيًا، من بينها تقرير فريق العمل المعني بالموارد المائية الذي تشرفت بتنسيقه بصفتي المدير العام للموارد المائية في لبنان. وقد أتاحت لي هذه المسؤولية إدراك حجم التحديات التي تواجهها المنطقة بشكل ملموس.
وبحلول نهاية هذا القرن، ستواجه المنطقة ارتفاعًا حادًا في متوسط درجات الحرارة قد يصل إلى خمسة درجات مئوية أو يتجاوزها (وفق سيناريو RCP8.5). ويختلف هذا السيناريو بشكل كبير عن هدف الاستقرار المناخي RCP2.6 الذي من شأنه أن يحدّ من الزيادة الحرارية بين درجة ودرجة ونصف مئوية.
انهيار القطاع الزراعي
إن تأثير هذا الانحراف المناخي على دورة المياه مباشر ومدمّر. فالتغير المناخي يغيّر بصورة عميقة أنماط الهطول، ما يؤدي إلى موجات جفاف وفيضانات أكثر تكرارًا وشدة، قادرة على تعطيل إمدادات المياه وإلحاق أضرار جسيمة بالبنى التحتية المائية. وفي الوقت نفسه، تؤدي الزيادة في درجات الحرارة إلى تسارع معدلات التبخر، مما يحدّ بشكل كبير من موارد المياه السطحية والجوفية.
ومن شأن هذا الإجهاد المائي أن يؤدي حتمًا إلى انهيار القطاع الزراعي وتقويض الأمن الغذائي، لا سيما في الحوض الجنوبي الشرقي للبحر المتوسط، نتيجة تزايد الظواهر المناخية المتطرفة.
وأمام هذا التهديد الوجودي، أصبح التحرك أمرًا بالغ الأهمية. لذلك، وتحت الرئاسة اللبنانية للبرنامج الهيدرولوجي الدولي الحكومي التابع لليونسكو (UNESCO-IHP)، تم اعتماد قرار لإنشاء «أكاديمية إيكوميد» (ECOMED)، التي يقودها معهد قبرص وتستضيفها بالمشاركة جامعة البلمند. وستتمثل مهمتها في تدريب البلديات على إدارة الأحداث المناخية المتطرفة بهدف تعزيز قدرة المناطق المحلية على الصمود بشكل مستدام.
وانطلاقًا من هذه الإنجازات، انتقلنا إلى مرحلة جديدة بإطلاق «تحالف المناخ»، الذي يضم جامعة البلمند ودول جنوب شرق البحر المتوسط ضمن إطار أكاديمية إيكوميد. وقد تعززت هذه الأكاديمية اليوم بإنشاء مركز «دبلوماسية المناخ والسلام المستدام» (UOB-CDSP Hub) في جامعة البلمند، ليكون مركز تميّز يهدف إلى ربط البحث العلمي المتقدم بالمفاوضات الدولية.
لبنان، رائد التعاون الدولي في مجال المياه
منذ أكثر من ثلاثين عامًا، شكّل لبنان مختبرًا حقيقيًا للدبلوماسية المائية والدبلوماسية العلمية التي أطلقتها في أوائل تسعينيات القرن الماضي أثناء تولّي رئاسة المصلحة الوطنية لنهر الليطاني. وقد اعتمدت اليونسكو هذين المفهومين عام 2015، تأكيدًا على أن استخدام النماذج العلمية القائمة على بيانات موثوقة وقابلة للتحقق يساهم في إزالة الطابع السياسي عن النزاعات ويعزز التوزيع العادل للموارد.
وترتكز هذه المقاربة على قناعة أساسية مفادها أن المياه يجب ألا تكون مصدرًا للحروب، بل وسيلة للتعاون والاستقرار والتنمية المستدامة. فهي تجمع بين العلم والقانون الدولي والمؤشرات الاجتماعية والاقتصادية والتفاوض الدبلوماسي والحوكمة الإقليمية بهدف تحويل الأحواض المشتركة العابرة للحدود إلى فضاءات للحوار والازدهار المشترك.
وقد لاقت هذه الرؤية صدىً جديدًا خلال المؤتمر المعني بالتغير المناخي الذي نظمه معهد قبرص يومي 8 و9 نيسان/أبريل 2026 تحت رئاسة الاتحاد الأوروبي، حيث كرّس «إعلان نيقوسيا» الدبلوماسية العلمية التي تدعمها جامعة البلمند كأساس للمفاوضات. وتبدو هذه الرؤية أكثر أهمية من أي وقت مضى في ظل المفاوضات الراهنة والتحديات المرتبطة بإعادة الإعمار الوطنية والأمن الغذائي واستقرار جنوب لبنان.
ويستطيع لبنان أن يفخر بكونه من الدول الرائدة في هذا المجال. فقد شكّل اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن استخدام المجاري المائية الدولية عام 1999 نقطة تحول في إدارة الموارد المائية العابرة للحدود. وتستند هذه الاتفاقية إلى ثلاثة مبادئ أساسية: الاستخدام المنصف والمعقول للموارد، وواجب التعاون، ومبدأ عدم التسبب بضرر ذي شأن.
وفي هذا السياق، اقترحنا إنشاء قواعد بيانات علمية مشتركة وهيئات إقليمية لإدارة عدد من الأحواض العابرة للحدود، منها العاصي، والنهر الكبير، والأردن، والنيل الأزرق، ودجلة والفرات. وعلى المستوى الدولي، دافع لبنان أيضًا عن دمج مبادئ اتفاقية هلسنكي لعام 1992 الخاصة بالمياه العابرة للحدود. غير أن هشاشة المؤسسات وضعف الحوكمة وعدم الاستقرار السياسي حالت دون استفادة لبنان الكاملة من هذا التقدم الاستراتيجي، ليتجاوزه في ذلك كل من العراق والأردن.
جوهرة وطنية
إذا كان الأرز هو الرمز التاريخي للبنان، فإن نهر الليطاني يمثل العمود الفقري لحياة اللبنانيين. ومن أجل الحفاظ على هذه الجوهرة الوطنية، أطلقت في إطار الخطة الخمسية لنهر الليطاني مشاريع مائية وزراعية كبرى على مستوى البلاد، خلال فترة رئاستي لمجلس إدارة المصلحة الوطنية لنهر الليطاني.
وقد تجسدت هذه الرؤية من خلال اتفاقية القرض التي تم التفاوض عليها مع البنك الدولي عام 1994. وأتاح هذا الاتفاق التاريخي التخطيط والتنفيذ الجزئي لمشروع ريّ يمتد على مساحة 32 ألف هكتار في سهل البقاع، من بحيرة القرعون إلى تربل، ثم في مرحلة ثانية مشروع ريّ على مساحة 37 ألف هكتار في جنوب لبنان. كما شمل القرض إعادة تأهيل عشرة مشاريع ري استراتيجية في عكار وجبل لبنان.
وشكلت هذه المفاوضات أيضًا انتصارًا قانونيًا مهمًا للسيادة اللبنانية. فبدعم من رئيس الوزراء رفيق الحريري، تمكنت من الحصول على اعتراف نهائي من المؤسسات المالية الدولية بالطابع اللبناني الخالص لنهر الليطاني.
واليوم، وفي ظل الدمار الذي لحق بجنوب لبنان، يحتل الليطاني موقعًا محوريًا في عملية إعادة الإعمار الوطنية. فموارده ضرورية لتثبيت السكان في أراضيهم، وضمان إمدادات المياه، ودعم التنمية الريفية، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. ومن هنا أصبحت الإدارة المتكاملة لموارد الليطاني أولوية استراتيجية وطنية.
عقيدة للسلام وبناء الدولة
إن الدبلوماسية المائية التي نطوّرها منذ أكثر من ثلاثة عقود تتجاوز مجرد إدارة المياه لتصبح عقيدة حقيقية لبناء الدولة. وطموحها واضح: جعل الإدارة التوافقية للموارد الطبيعية رافعة للاستقرار المستدام في الشرق الأوسط.
ويمثل حوض نهر العاصي إحدى أبرز قصص النجاح لهذه المقاربة. فالاتفاق الموقع بين لبنان وسوريا عام 1994، والذي تم تعزيزه عام 1997، كان يُنظر إليه في البداية، من الجانب اللبناني، على أنه اتفاق «رابح–خاسر» وغير منصف للبنان. لكن اعتبارًا من عام 1999، وبصفتي المفاوض الرئيسي عن الجانب اللبناني، أطلقنا عملية طويلة لإعادة التفاوض استنادًا إلى التحليل العلمي للبيانات الهيدرولوجية والاحتياجات الزراعية والتوقعات السكانية ومتطلبات التنمية الإقليمية.
وقد أثمرت هذه الجهود عن الاتفاق التاريخي لعام 2002، الذي وُقّع خلال أول زيارة رسمية للرئيس السوري إلى لبنان. واعتمد هذا الاتفاق مقاربة «رابح–رابح»، وتضمن مشاريع بنى تحتية كبرى أثبتت أن التعاون الإقليمي القائم على العلم يمكن أن يولد في الوقت نفسه المياه والطاقة والزراعة وفرص العمل والاستقرار الإقليمي. وهذه هي بالضبط المنظومة التي تُعرف اليوم باسم «ترابط المياه والطاقة والغذاء والبيئة» (Water-Energy-Food-Environment Nexus).
غير أنه بينما كان لبنان قد بدأ تنفيذ سد تحويل استراتيجي على هذا النهر لتعزيز الري والتنمية الزراعية في سهل البقاع، أدت الغارات الإسرائيلية عام 2006 إلى تدمير المشروع بشكل منهجي. ولم يكن ذلك مجرد ضرر جانبي، بل حمل رسالة سياسية واضحة مفادها منع إقامة أي بنية تحتية لتخزين المياه على الأحواض المشتركة في المنطقة.
وتُذكّر هذه السياسة القائمة على الإدارة الأحادية للموارد المائية، المستندة إلى «عقيدة هارمون»، بالتوترات المزمنة في جنوب لبنان، حيث تسعى عسكرة المياه باستمرار إلى تقويض القانون الدولي وهندسة السلام.
عندما يمنع العلم الحرب
من أبرز أمثلة الدبلوماسية العلمية أزمة الوزاني في مطلع الألفية الثالثة. فقد أطلق مجلس الجنوب مشروعًا لضخ المياه لتأمين احتياجات قرى الجنوب اللبناني التي عانت سنوات طويلة من الاحتلال. وأثار هذا المشروع توترات إقليمية حادة وتهديدات مباشرة للبنان، إذ لوّح بعض المسؤولين الإسرائيليين بالخيار العسكري.
وفي مواجهة هذه الأزمة، قمنا، بصفتي المدير العام للموارد المائية، بإعداد تقرير علمي واجتماعي واقتصادي قُدّم إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان. وأثبت التقرير أن كميات المياه المستخدمة تتوافق مع القانون الدولي وتلبي احتياجات إنسانية أساسية.
وفي السياق نفسه، اقترح لبنان مشروع بحيرة تجميع في إبل السقي لتنظيم التدفقات المائية في أعالي حوض نهر الأردن. وتم إرسال إشعار رسمي إلى الجانب الإسرائيلي عبر الأمم المتحدة، التزامًا بالقانون الدولي ومبدأ الشفافية بين الدول المتشاطئة.
العلم كلغة للعقل
كما تُظهر قضية مزارع شبعا ووادي العسل أهمية الدبلوماسية العلمية في الدفاع عن الحقوق السيادية للبنان. ففي 24 شباط/فبراير 2017، قدّمت اللجنة الوطنية التي ترأستها بصفتي المدير العام للموارد المائية تقريرًا إلى رئيس الجمهورية يثبت بوضوح الهوية اللبنانية لمزارع شبعا استنادًا إلى السجلات العقارية والخرائط المساحية والتحليلات الهيدروغرافية المعمقة.
كما أبرزت الدراسة الأهمية الاستراتيجية لوادي العسل باعتباره أحد الأحواض المائية المساهمة في نهر دان، أحد الروافد الرئيسية لنهر الأردن. وأشار التقرير أيضًا إلى أن لبنان كان قد وافق خلال مفاوضات الهدنة عام 1949، وفي ظل ظروف جيوسياسية معقدة، على إبقاء بعض المناطق ذات الأهمية المائية الاستراتيجية تحت السيطرة الإسرائيلية.
وفي وقت يشهد فيه الشرق الأوسط تحولات جيوسياسية عميقة، ينبغي أن تصبح المياه أداة للحوار بدلًا من أن تكون عاملًا للصراع. فالدبلوماسية المائية ليست مجرد مجموعة أدوات تقنية، بل هي بنية متكاملة للسلام. ولن يُبنى مستقبل لبنان من دون سيادة مائية وأمن غذائي وتكامل إقليمي وتعاون علمي دولي متين. وفي هذا السياق، يجب أن تستعيد العلوم دورها كلغة للعقل والسلام وإعادة بناء الأمم.
وبحلول نهاية هذا القرن، ستواجه المنطقة ارتفاعًا حادًا في متوسط درجات الحرارة قد يصل إلى خمسة درجات مئوية أو يتجاوزها (وفق سيناريو RCP8.5). ويختلف هذا السيناريو بشكل كبير عن هدف الاستقرار المناخي RCP2.6 الذي من شأنه أن يحدّ من الزيادة الحرارية بين درجة ودرجة ونصف مئوية.
انهيار القطاع الزراعي
إن تأثير هذا الانحراف المناخي على دورة المياه مباشر ومدمّر. فالتغير المناخي يغيّر بصورة عميقة أنماط الهطول، ما يؤدي إلى موجات جفاف وفيضانات أكثر تكرارًا وشدة، قادرة على تعطيل إمدادات المياه وإلحاق أضرار جسيمة بالبنى التحتية المائية. وفي الوقت نفسه، تؤدي الزيادة في درجات الحرارة إلى تسارع معدلات التبخر، مما يحدّ بشكل كبير من موارد المياه السطحية والجوفية.
ومن شأن هذا الإجهاد المائي أن يؤدي حتمًا إلى انهيار القطاع الزراعي وتقويض الأمن الغذائي، لا سيما في الحوض الجنوبي الشرقي للبحر المتوسط، نتيجة تزايد الظواهر المناخية المتطرفة.
وأمام هذا التهديد الوجودي، أصبح التحرك أمرًا بالغ الأهمية. لذلك، وتحت الرئاسة اللبنانية للبرنامج الهيدرولوجي الدولي الحكومي التابع لليونسكو (UNESCO-IHP)، تم اعتماد قرار لإنشاء «أكاديمية إيكوميد» (ECOMED)، التي يقودها معهد قبرص وتستضيفها بالمشاركة جامعة البلمند. وستتمثل مهمتها في تدريب البلديات على إدارة الأحداث المناخية المتطرفة بهدف تعزيز قدرة المناطق المحلية على الصمود بشكل مستدام.
وانطلاقًا من هذه الإنجازات، انتقلنا إلى مرحلة جديدة بإطلاق «تحالف المناخ»، الذي يضم جامعة البلمند ودول جنوب شرق البحر المتوسط ضمن إطار أكاديمية إيكوميد. وقد تعززت هذه الأكاديمية اليوم بإنشاء مركز «دبلوماسية المناخ والسلام المستدام» (UOB-CDSP Hub) في جامعة البلمند، ليكون مركز تميّز يهدف إلى ربط البحث العلمي المتقدم بالمفاوضات الدولية.
لبنان، رائد التعاون الدولي في مجال المياه
منذ أكثر من ثلاثين عامًا، شكّل لبنان مختبرًا حقيقيًا للدبلوماسية المائية والدبلوماسية العلمية التي أطلقتها في أوائل تسعينيات القرن الماضي أثناء تولّي رئاسة المصلحة الوطنية لنهر الليطاني. وقد اعتمدت اليونسكو هذين المفهومين عام 2015، تأكيدًا على أن استخدام النماذج العلمية القائمة على بيانات موثوقة وقابلة للتحقق يساهم في إزالة الطابع السياسي عن النزاعات ويعزز التوزيع العادل للموارد.
وترتكز هذه المقاربة على قناعة أساسية مفادها أن المياه يجب ألا تكون مصدرًا للحروب، بل وسيلة للتعاون والاستقرار والتنمية المستدامة. فهي تجمع بين العلم والقانون الدولي والمؤشرات الاجتماعية والاقتصادية والتفاوض الدبلوماسي والحوكمة الإقليمية بهدف تحويل الأحواض المشتركة العابرة للحدود إلى فضاءات للحوار والازدهار المشترك.
وقد لاقت هذه الرؤية صدىً جديدًا خلال المؤتمر المعني بالتغير المناخي الذي نظمه معهد قبرص يومي 8 و9 نيسان/أبريل 2026 تحت رئاسة الاتحاد الأوروبي، حيث كرّس «إعلان نيقوسيا» الدبلوماسية العلمية التي تدعمها جامعة البلمند كأساس للمفاوضات. وتبدو هذه الرؤية أكثر أهمية من أي وقت مضى في ظل المفاوضات الراهنة والتحديات المرتبطة بإعادة الإعمار الوطنية والأمن الغذائي واستقرار جنوب لبنان.
ويستطيع لبنان أن يفخر بكونه من الدول الرائدة في هذا المجال. فقد شكّل اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن استخدام المجاري المائية الدولية عام 1999 نقطة تحول في إدارة الموارد المائية العابرة للحدود. وتستند هذه الاتفاقية إلى ثلاثة مبادئ أساسية: الاستخدام المنصف والمعقول للموارد، وواجب التعاون، ومبدأ عدم التسبب بضرر ذي شأن.
وفي هذا السياق، اقترحنا إنشاء قواعد بيانات علمية مشتركة وهيئات إقليمية لإدارة عدد من الأحواض العابرة للحدود، منها العاصي، والنهر الكبير، والأردن، والنيل الأزرق، ودجلة والفرات. وعلى المستوى الدولي، دافع لبنان أيضًا عن دمج مبادئ اتفاقية هلسنكي لعام 1992 الخاصة بالمياه العابرة للحدود. غير أن هشاشة المؤسسات وضعف الحوكمة وعدم الاستقرار السياسي حالت دون استفادة لبنان الكاملة من هذا التقدم الاستراتيجي، ليتجاوزه في ذلك كل من العراق والأردن.
جوهرة وطنية
إذا كان الأرز هو الرمز التاريخي للبنان، فإن نهر الليطاني يمثل العمود الفقري لحياة اللبنانيين. ومن أجل الحفاظ على هذه الجوهرة الوطنية، أطلقت في إطار الخطة الخمسية لنهر الليطاني مشاريع مائية وزراعية كبرى على مستوى البلاد، خلال فترة رئاستي لمجلس إدارة المصلحة الوطنية لنهر الليطاني.
وقد تجسدت هذه الرؤية من خلال اتفاقية القرض التي تم التفاوض عليها مع البنك الدولي عام 1994. وأتاح هذا الاتفاق التاريخي التخطيط والتنفيذ الجزئي لمشروع ريّ يمتد على مساحة 32 ألف هكتار في سهل البقاع، من بحيرة القرعون إلى تربل، ثم في مرحلة ثانية مشروع ريّ على مساحة 37 ألف هكتار في جنوب لبنان. كما شمل القرض إعادة تأهيل عشرة مشاريع ري استراتيجية في عكار وجبل لبنان.
وشكلت هذه المفاوضات أيضًا انتصارًا قانونيًا مهمًا للسيادة اللبنانية. فبدعم من رئيس الوزراء رفيق الحريري، تمكنت من الحصول على اعتراف نهائي من المؤسسات المالية الدولية بالطابع اللبناني الخالص لنهر الليطاني.
واليوم، وفي ظل الدمار الذي لحق بجنوب لبنان، يحتل الليطاني موقعًا محوريًا في عملية إعادة الإعمار الوطنية. فموارده ضرورية لتثبيت السكان في أراضيهم، وضمان إمدادات المياه، ودعم التنمية الريفية، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. ومن هنا أصبحت الإدارة المتكاملة لموارد الليطاني أولوية استراتيجية وطنية.
عقيدة للسلام وبناء الدولة
إن الدبلوماسية المائية التي نطوّرها منذ أكثر من ثلاثة عقود تتجاوز مجرد إدارة المياه لتصبح عقيدة حقيقية لبناء الدولة. وطموحها واضح: جعل الإدارة التوافقية للموارد الطبيعية رافعة للاستقرار المستدام في الشرق الأوسط.
ويمثل حوض نهر العاصي إحدى أبرز قصص النجاح لهذه المقاربة. فالاتفاق الموقع بين لبنان وسوريا عام 1994، والذي تم تعزيزه عام 1997، كان يُنظر إليه في البداية، من الجانب اللبناني، على أنه اتفاق «رابح–خاسر» وغير منصف للبنان. لكن اعتبارًا من عام 1999، وبصفتي المفاوض الرئيسي عن الجانب اللبناني، أطلقنا عملية طويلة لإعادة التفاوض استنادًا إلى التحليل العلمي للبيانات الهيدرولوجية والاحتياجات الزراعية والتوقعات السكانية ومتطلبات التنمية الإقليمية.
وقد أثمرت هذه الجهود عن الاتفاق التاريخي لعام 2002، الذي وُقّع خلال أول زيارة رسمية للرئيس السوري إلى لبنان. واعتمد هذا الاتفاق مقاربة «رابح–رابح»، وتضمن مشاريع بنى تحتية كبرى أثبتت أن التعاون الإقليمي القائم على العلم يمكن أن يولد في الوقت نفسه المياه والطاقة والزراعة وفرص العمل والاستقرار الإقليمي. وهذه هي بالضبط المنظومة التي تُعرف اليوم باسم «ترابط المياه والطاقة والغذاء والبيئة» (Water-Energy-Food-Environment Nexus).
غير أنه بينما كان لبنان قد بدأ تنفيذ سد تحويل استراتيجي على هذا النهر لتعزيز الري والتنمية الزراعية في سهل البقاع، أدت الغارات الإسرائيلية عام 2006 إلى تدمير المشروع بشكل منهجي. ولم يكن ذلك مجرد ضرر جانبي، بل حمل رسالة سياسية واضحة مفادها منع إقامة أي بنية تحتية لتخزين المياه على الأحواض المشتركة في المنطقة.
وتُذكّر هذه السياسة القائمة على الإدارة الأحادية للموارد المائية، المستندة إلى «عقيدة هارمون»، بالتوترات المزمنة في جنوب لبنان، حيث تسعى عسكرة المياه باستمرار إلى تقويض القانون الدولي وهندسة السلام.
عندما يمنع العلم الحرب
من أبرز أمثلة الدبلوماسية العلمية أزمة الوزاني في مطلع الألفية الثالثة. فقد أطلق مجلس الجنوب مشروعًا لضخ المياه لتأمين احتياجات قرى الجنوب اللبناني التي عانت سنوات طويلة من الاحتلال. وأثار هذا المشروع توترات إقليمية حادة وتهديدات مباشرة للبنان، إذ لوّح بعض المسؤولين الإسرائيليين بالخيار العسكري.
وفي مواجهة هذه الأزمة، قمنا، بصفتي المدير العام للموارد المائية، بإعداد تقرير علمي واجتماعي واقتصادي قُدّم إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان. وأثبت التقرير أن كميات المياه المستخدمة تتوافق مع القانون الدولي وتلبي احتياجات إنسانية أساسية.
وفي السياق نفسه، اقترح لبنان مشروع بحيرة تجميع في إبل السقي لتنظيم التدفقات المائية في أعالي حوض نهر الأردن. وتم إرسال إشعار رسمي إلى الجانب الإسرائيلي عبر الأمم المتحدة، التزامًا بالقانون الدولي ومبدأ الشفافية بين الدول المتشاطئة.
العلم كلغة للعقل
كما تُظهر قضية مزارع شبعا ووادي العسل أهمية الدبلوماسية العلمية في الدفاع عن الحقوق السيادية للبنان. ففي 24 شباط/فبراير 2017، قدّمت اللجنة الوطنية التي ترأستها بصفتي المدير العام للموارد المائية تقريرًا إلى رئيس الجمهورية يثبت بوضوح الهوية اللبنانية لمزارع شبعا استنادًا إلى السجلات العقارية والخرائط المساحية والتحليلات الهيدروغرافية المعمقة.
كما أبرزت الدراسة الأهمية الاستراتيجية لوادي العسل باعتباره أحد الأحواض المائية المساهمة في نهر دان، أحد الروافد الرئيسية لنهر الأردن. وأشار التقرير أيضًا إلى أن لبنان كان قد وافق خلال مفاوضات الهدنة عام 1949، وفي ظل ظروف جيوسياسية معقدة، على إبقاء بعض المناطق ذات الأهمية المائية الاستراتيجية تحت السيطرة الإسرائيلية.
وفي وقت يشهد فيه الشرق الأوسط تحولات جيوسياسية عميقة، ينبغي أن تصبح المياه أداة للحوار بدلًا من أن تكون عاملًا للصراع. فالدبلوماسية المائية ليست مجرد مجموعة أدوات تقنية، بل هي بنية متكاملة للسلام. ولن يُبنى مستقبل لبنان من دون سيادة مائية وأمن غذائي وتكامل إقليمي وتعاون علمي دولي متين. وفي هذا السياق، يجب أن تستعيد العلوم دورها كلغة للعقل والسلام وإعادة بناء الأمم.