قطار التفاوض انطلق… ولبنان أمام فرصة استعادة الدولة

سعد شعنين

6/3/2026 9:13:53 AM

لم يعد السؤال اليوم ما إذا كانت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل ستستمر أم لا، بل كيف سيتمكن لبنان من استثمار هذا المسار لتحقيق مصالحه الوطنية وترسيخ سيادته. فالوقائع السياسية والدبلوماسية المتراكمة خلال الأشهر الماضية تؤكد أن قطار التفاوض قد انطلق فعلاً، وأنه يسير على سكة ثابتة تحظى برعاية دولية وإقليمية تجعل من الصعب العودة إلى نقطة الصفر.

صحيح أن المفاوضات لا تزال محاطة بكثير من التعقيدات والحساسيات، وأن الطريق نحو أي تفاهمات نهائية لا يزال طويلاً، إلا أن مجرد انتقال الملف من منطق المواجهة العسكرية إلى منطق التفاوض السياسي يشكل تحولاً استراتيجياً بالنسبة للبنان. فهذا المسار يضع الدولة اللبنانية في موقع المفاوض وصاحب القرار، ويعيد الاعتبار للمؤسسات الشرعية باعتبارها المرجعية الوحيدة المخولة إدارة القضايا السيادية الكبرى.

لقد دفع لبنان خلال العقود الماضية أثماناً باهظة نتيجة الحروب والصراعات المفتوحة. ودفع اللبنانيون، ولا سيما أبناء الجنوب، كلفة بشرية واقتصادية هائلة بسبب استمرار التوتر على الحدود الجنوبية. أما اليوم، فإن الدولة اللبنانية تجد نفسها أمام فرصة نادرة لإدارة هذا الملف من موقع مختلف، عنوانه تثبيت الحقوق الوطنية عبر الدبلوماسية والقانون الدولي، لا عبر ترك البلاد رهينة جولات متكررة من التصعيد العسكري.

وفي هذا السياق، يكتسب المسار الحالي أهمية إضافية لأنه يتقاطع مع الرؤية التي يحملها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، والقائمة على استعادة الدولة لدورها الكامل في إدارة الشؤون السيادية والأمنية. فالرئيس الذي شدد منذ انتخابه على حصرية السلاح بيد الدولة وعلى ضرورة بسط سلطة الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية، يدرك أن أي مشروع إنقاذ اقتصادي أو إصلاحي يبقى ناقصاً ما لم يقترن باستقرار أمني وسياسي دائم.

من هنا، فإن المفاوضات ليست مجرد نقاش حول ترتيبات حدودية أو إجراءات أمنية، بل هي جزء من مسار أوسع يهدف إلى تثبيت مفهوم الدولة القادرة. فالدول لا تبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات الشرعية التي تتولى اتخاذ القرار والتفاوض والدفاع عن المصالح الوطنية. وكلما تعزز حضور الدولة في هذا الملف، تراجعت قدرة القوى الخارجية على استخدام لبنان كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

ولا شك أن إسرائيل تدخل المفاوضات انطلاقاً من مصالحها الأمنية والاستراتيجية، كما أن الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى تسعى بدورها إلى تحقيق أهداف مرتبطة باستقرار المنطقة. لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن للبنان أيضاً مصالحه المشروعة التي يجب أن تكون في صلب أي تفاوض، وفي مقدمها إنهاء الاحتلال لأي أرض لبنانية، ووقف الاعتداءات، وتثبيت الاستقرار على الحدود، وتأمين الظروف الملائمة لعودة الحياة الطبيعية إلى المناطق المتضررة.

كما أن نجاح هذا المسار يحمل أبعاداً اقتصادية لا تقل أهمية عن أبعاده السياسية والأمنية. فلبنان الذي يعاني واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث يحتاج إلى مناخ من الاستقرار لاستعادة الثقة الدولية وجذب الاستثمارات وإطلاق عجلة النمو. ولا يمكن لأي خطة إنقاذ حقيقية أن تنجح في ظل احتمالات دائمة لاندلاع مواجهة عسكرية جديدة.

وفي المقابل، فإن البديل عن التفاوض ليس مثالياً كما يحاول البعض تصويره. فالبديل هو استمرار الاستنزاف، وبقاء الجنوب ساحة مفتوحة للتوتر، واستمرار حالة عدم اليقين التي تنعكس سلباً على الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي. لذلك فإن المقاربة الواقعية تقتضي النظر إلى التفاوض كأداة من أدوات حماية الحقوق الوطنية، لا كتنازل عنها.

إن قطار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل قد انطلق بالفعل، والتحدي الحقيقي لم يعد في محاولة إيقافه، بل في ضمان أن يبقى تحت إدارة الدولة اللبنانية وأن يصل إلى محطة تحقق المصلحة الوطنية العليا. فلبنان يحتاج اليوم إلى دولة قوية أكثر مما يحتاج إلى ساحات صراع، وإلى مؤسسات تفاوض باسمه أكثر مما يحتاج إلى قرارات تتخذ خارج إطار الشرعية.

وإذا نجحت الدولة اللبنانية في إدارة هذه الفرصة بحكمة وثبات، فقد يكون هذا المسار بداية انتقال لبنان من زمن الحروب المفتوحة إلى زمن الدولة المستقرة، ومن مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء المستقبل. 
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • كأس العالم
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT