من واشنطن إلى طهران: لبنان بين التفاهمات والارتدادات
إليسا الهاشم
6/15/2026 2:55:05 PM
قد يكون الخطأ الأكبر في قراءة اطار التفاهم الأميركي- الإيراني الجاري التفاوض حوله هو التعامل معه على أنه اتفاق سلام اقليمي. ما يتشكل اليوم، وبانتظار أن يُنشر مضمونه الرسمي، ليس أكثر من هدنة مؤقتة أو مذكرة تفاهم تمتد نحو ستين يوماً، تؤجل الانفجار ولا تمنعه، وتؤخر المواجهة ولا تنهي أسبابها.
والأهم أن الشروط النهائية لأي تفاهم محتمل لم تُعلن رسمياً بعد. فمعظم ما يُتداول حتى الآن يستند إلى تسريبات وتقديرات دبلوماسية وإعلامية، ما يجعل من المبكر التعامل مع الاتفاق وكأنه حقيقة مكتملة أو البناء عليه باعتباره أمراً محسوماً.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يريد إنجازاً سياسياً سريعاً: أسعار نفط أقل، أسواق أكثر استقراراً، وحرباً يمكن إعلان انتهائها. أما إيران، التي تعيش واحدة من أصعب مراحلها الاقتصادية والسياسية، فتبحث عن الأوكسيجين: إعادة فتح مضيق هرمز، تحرير الأموال المجمدة، استعادة صادرات النفط، وكسر طوق العزلة الذي يضغط على النظام.
لكن ما الذي تقدمه طهران في المقابل؟
حتى الآن، لا شيء تقريباً سوى الوعود.
الملفات التي تشكل جوهر الصراع مع إيران لم تُحل. اليورانيوم المخصب لم يُنقل. برنامج التخصيب لم يُفكك. الصواريخ الباليستية خارج النقاش. شبكة الوكلاء الإقليميين لم تُمس. وحتى البنود الأكثر حساسية جرى ترحيلها إلى مفاوضات مستقبلية لم تبدأ بعد.
بمعنى آخر، تحصل إيران على الوقت والمال والتنفس الاقتصادي الآن، فيما بدأ يظهر تصدّع هيكلها الداخليّ ليس فقط على المستوى الشعبي وانما القيادي ايضا ً.
في الشرق الأوسط، الوقت ليس تفصيلاً.
إسرائيل غير مرتاحة إلى ما يجري، حتى لو امتنعت رسمياً عن مهاجمته. فمواقف رئيس الوزراء الإسرائيلي صيغت بعناية شديدة: تذكير بأن قيمة أي اتفاق لا تُقاس بما يُكتب على الورق، بل بما يتحقق على الأرض.
الرسالة الإسرائيلية الحقيقية مختلفة تماماً: لا أحد يستطيع أن يطلب من إسرائيل أن تراهن على تعهدات إيرانية مؤجلة.
لكن خلف هذا الموقف العلني، تدرك معظم العواصم المعنية أن إسرائيل لا تزال تمتلك أدوات عديدة للتأثير على مسار أي تفاهم أميركي-إيراني كما لديها هامشاً واسعاً لممارسة الضغوط السياسية والأمنية والاستخباراتية بهدف تعديل مسار المفاوضات أو التأثير على شروط أي اتفاق نهائي إذا رأت أنه لا يراعي مصالحها القومية والأمنية الاستراتيجية.
نتنياهو أبلغ ترامب بوضوح أن إسرائيل غير ملزمة بأي بند يتعلق بلبنان ضمن أي تفاهم أميركي–إيراني، وأنها لن تنسحب من المواقع التي تتمركز فيها داخل الأراضي اللبنانية، وأن الجيش الإسرائيلي سيواصل الرد على أي تهديد يصدر عن حزب الله، مع تمسك تل أبيب الكامل بما تعتبره مصالحها الأمنية في لبنان.
هذا الاتفاق لا يعني بأي شكل بأن الجبهة اللبنانية قد أُقفلت. بل على العكس، ستصبح مشتعلة اكثر من قبل.
وسط كل هذا المشهد الإقليمي، يبقى السؤال اللبناني هو الأكثر إلحاحاً.
أين يقف لبنان؟
الجواب أن لبنان حاضر في النقاشات الإقليمية، لكنه ليس على الطاولة.
بدأت تداعيات الاتفاق المفترض بالظهور سلباً في الداخل اللبناني، وكان اول الغيث رسالة "الانتصار الوطني" التي اعلنها المفتي قبلان وعنوانها ليس إخراج اسرائيل بل اسقاط الحكومة!
فهو توجه للرئيس عون بالقول إن لبنان لم يشهد سلطة أو حكومة استسلامية كما هو الحال اليوم، ولم يشهد وزارة خارجية تعمل ضد مصالحه بهذا الشكل.
وأن الحل يكون عبر حكومة جديدة تضم قوى وأوزاناً وطنية أساسية غامزاً من القناة السعودية حيث امل بدور سعودي يعزز التفاهم مع إيران بما يخدم "الوحدة الوطنية والأخوة السنية–الشيعية."
الجميع يتحدث عن وقف إطلاق النار. الجميع يتحدث عن الاستقرار. الجميع يتحدث عن التهدئة. لكن أحداً لا يتحدث عن أصل المشكلة.
المشكلة ليست الحرب.
المشكلة هي سلاح حزب الله.
فما يتسرب من أجواء التفاهمات يشير إلى أن لبنان قد يحصل على وقف إطلاق نار طويل الأمد، لكن من دون أي معالجة جدية لمسألة ترسانة حزب الله العسكرية. أي أن السلاح يبقى في مكانه لاسيما في شمال الليطاني، بينما تتوقف المعارك مؤقتاً.
الهدنة توقف إطلاق النار، لكنها لا تزيل السبب الذي يدفع إسرائيل إلى مواصلة ضرباتها داخل الأراضي اللبنانية.
الهدنة توقف الجبهة، لكنها لا تنهي الحرب.
الهدنة تركن المسيّرة جانباً، لكنها لا تسحبها من المشهد.
ولهذا السبب يبدو ساذجاً الاعتقاد بأن أي اتفاق أميركي-إيراني قادر وحده على حماية لبنان من جولة جديدة من التصعيد.
وفي هذا السياق، ينبغي على لبنان ألا يقع مجدداً في فخ انتظار التسويات الخارجية. فإعادة تنشيط قنوات التواصل الأميركية مع الرئيس نبيه بري وحزب الله عبر مسارات موازية، إلى جانب بعض الضغوط العربية الدافعة نحو ربط الملف اللبناني بالتفاهمات الإقليمية، لا يجب أن تدفع الدولة اللبنانية إلى التراجع عن أولوياتها الوطنية أو إلى الشعور بأنها مضطرة لمجاراة مسارات لا تخدم مصالحها المباشرة.
ومن هذا المنطلق تكتسب مواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون أهمية إضافية. فتمسكه بالفصل بين المسار اللبناني والمسار الإيراني يبدو اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى.
يحتاج لبنان إلى التفكير بما هو أبعد من الهدن المؤقتة ووقفات إطلاق النار الهشة. فالمصلحة اللبنانية تقتضي العمل للوصول إلى اتفاق سلام مستدام يضمن الاستقرار على الحدود الجنوبية ويمنع عودة البلاد إلى دوامة الحروب المتكررة، بصرف النظر عن مصير التفاهمات الأميركية–الإيرانية أو التحولات الإقليمية المقبلة.
قبل 22 حزيران، تبدو الصورة واضحة: واشنطن تفاوض إيران، وطهران تفاوض على الوقت، وإسرائيل تحتفظ بحق الاعتراض وبأدوات التأثير إذا اقتضى الأمر.
أما لبنان، فليس أمامه ترف الانتظار.
لأن السؤال الحقيقي لم يعد ماذا سيقرر ترامب أو خامنئي أو نتنياهو.
السؤال هو ما إذا كان اللبنانيون مستعدين أخيراً لخوض معركتهم الخاصة.