عندما تسأل البيئة الشيعية: متى النهاية؟
سعد شعنين
6/18/2026 9:31:08 AM
على مدى أكثر من أربعة عقود، دفعت البيئة الشيعية ومعها لبنان أثماناً هائلة من دماء أبنائها واستقرار مناطقها واقتصادها ومستقبل أجيالها. وقد اعتادت هذه البيئة أن تسمع دائماً أنها مطالبة بالصبر أكثر، والتحمل أكثر، والتضحية أكثر، لأن هناك دائماً معركة أكبر أو خطراً أكبر أو مشروعاً أكبر يستوجب منها تقديم المزيد.
ومع مرور الزمن، تحولت التضحية من حالة استثنائية إلى حالة دائمة. جيل سلّم تضحياته إلى جيل آخر، وآباء سلّموا أبناءهم المسيرة نفسها، فيما بقي الوعد بالمستقبل الأفضل مؤجلاً باستمرار.
لكن ما يتغير اليوم هو أن الأسئلة التي كانت تُطرح همساً بدأت تتحول إلى نقاش أوسع داخل هذه البيئة نفسها. فبعد كل ما جرى، وبعد كل ما دُفع من أثمان بشرية واقتصادية واجتماعية، بدأ كثيرون يتساءلون: متى تنتهي هذه التضحيات؟ وما هي الوجهة النهائية لهذا المسار؟ وهل هناك سقف زمني أو سياسي أو استراتيجي يمكن عنده القول إن المهمة انتهت؟
هذه الأسئلة لا تنطلق من موقع الخصومة مع الماضي، بل من شعور متزايد بالإرهاق. فالمجتمعات لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد في حالة استنفار. والناس لا تقيس حياتها فقط بالشعارات الكبرى، بل بقدرتها على تأمين مستقبل أولادها، والحصول على فرص عمل، وبناء منازلها، والعيش بكرامة واستقرار.
والمفارقة أن البيئة الشيعية كانت دائماً الطرف الذي يدفع الكلفة الأكبر، لكنها لم تكن دائماً الطرف الذي يملك القرار النهائي. فهي تتحمل نتائج الخيارات الكبرى أكثر مما تشارك فعلياً في صناعتها. تدفع ثمن الحروب عندما تقع، وثمن العقوبات عندما تُفرض، وثمن العزلة عندما تتسع، وثمن الدمار عندما تتكرر المواجهات.
ومن هنا بدأ يتشكل شعور لدى قسم متزايد من الناس بأنهم أصبحوا أسرى التضحيات نفسها. أسرى سردية تقول إن المطلوب دائماً المزيد من الصبر، من دون أن يكون هناك موعد واضح للانتقال إلى مرحلة أخرى عنوانها الاستقرار والتنمية والحياة الطبيعية.
ولعل السؤال الأكثر حساسية الذي بدأ يظهر داخل هذه البيئة هو: لمن قُدمت كل هذه التضحيات؟
فإذا كان المعيار هو الدولة اللبنانية، فإن لبنان لا يزال غارقاً في أزماته السياسية والاقتصادية. وإذا كان المعيار هو المناطق التي تحملت العبء الأكبر، فإنها لا تزال تعاني من الاحتلال والهجرة والبطالة وضعف التنمية. أما إذا كان المعيار هو الناس أنفسهم، فإن أعداداً متزايدة منهم تبحث عن مستقبلها خارج البلاد لأنها لم تعد ترى أملاً واضحاً في الداخل.
لهذا السبب، بدأ البعض يراجع المسلمات التي حكمت المرحلة السابقة. فالدول والقوى السياسية والقيادات قد تعيد حساباتها وتغير أولوياتها عندما تتغير الظروف، أما المجتمعات فهي التي تبقى في النهاية أمام حصيلة الخسائر والأرباح. وهي التي تسأل عن النتيجة النهائية بعد سنوات طويلة من الانتظار.
في الجنوب والبقاع والضاحية، هناك آلاف العائلات التي لم تعد تسأل عن خرائط النفوذ الإقليمي بقدر ما تسأل عن مستقبل أبنائها. وهناك جيل جديد يريد أن يرى نفسه في الجامعات والشركات والمؤسسات ومشاريع التنمية، لا أن يكون محكوماً فقط بدور التضحية المستمرة.
ومن حق هذا الجيل أن يسأل. ومن حق هذه البيئة أن تسأل. فمن الطبيعي أن تبحث أي جماعة بشرية بعد عقود من التضحيات عن لحظة تلتقط فيها ثمار ما قدمته. ومن الطبيعي أن تسأل متى تنتقل من مرحلة دفع الأكلاف إلى مرحلة الاستفادة من الاستقرار. ومن الطبيعي أيضاً أن تريد أن يكون لها رأي في القرارات التي تحدد مصيرها، لا أن تبقى مجرد متلقية لنتائجها.
لقد أثبتت البيئة الشيعية طوال عقود قدرتها على الصبر والتحمل والتضحية. أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو سؤال مختلف تماماً: هل سيأتي يوم تصبح فيه هذه التضحيات جزءاً من الماضي لا قدراً دائماً للمستقبل؟
إنه السؤال الذي يتردد أكثر فأكثر داخل البيوت والمجالس واللقاءات الخاصة. سؤال لا يتعلق بالحرب فقط، بل بالحياة نفسها: متى النهاية؟ ومتى يصبح من حق الذين دفعوا الثمن لعقود طويلة أن يعيشوا أخيراً حياة طبيعية، وأن يمتلكوا قرار مستقبلهم بأنفسهم؟
ومع مرور الزمن، تحولت التضحية من حالة استثنائية إلى حالة دائمة. جيل سلّم تضحياته إلى جيل آخر، وآباء سلّموا أبناءهم المسيرة نفسها، فيما بقي الوعد بالمستقبل الأفضل مؤجلاً باستمرار.
لكن ما يتغير اليوم هو أن الأسئلة التي كانت تُطرح همساً بدأت تتحول إلى نقاش أوسع داخل هذه البيئة نفسها. فبعد كل ما جرى، وبعد كل ما دُفع من أثمان بشرية واقتصادية واجتماعية، بدأ كثيرون يتساءلون: متى تنتهي هذه التضحيات؟ وما هي الوجهة النهائية لهذا المسار؟ وهل هناك سقف زمني أو سياسي أو استراتيجي يمكن عنده القول إن المهمة انتهت؟
هذه الأسئلة لا تنطلق من موقع الخصومة مع الماضي، بل من شعور متزايد بالإرهاق. فالمجتمعات لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد في حالة استنفار. والناس لا تقيس حياتها فقط بالشعارات الكبرى، بل بقدرتها على تأمين مستقبل أولادها، والحصول على فرص عمل، وبناء منازلها، والعيش بكرامة واستقرار.
والمفارقة أن البيئة الشيعية كانت دائماً الطرف الذي يدفع الكلفة الأكبر، لكنها لم تكن دائماً الطرف الذي يملك القرار النهائي. فهي تتحمل نتائج الخيارات الكبرى أكثر مما تشارك فعلياً في صناعتها. تدفع ثمن الحروب عندما تقع، وثمن العقوبات عندما تُفرض، وثمن العزلة عندما تتسع، وثمن الدمار عندما تتكرر المواجهات.
ومن هنا بدأ يتشكل شعور لدى قسم متزايد من الناس بأنهم أصبحوا أسرى التضحيات نفسها. أسرى سردية تقول إن المطلوب دائماً المزيد من الصبر، من دون أن يكون هناك موعد واضح للانتقال إلى مرحلة أخرى عنوانها الاستقرار والتنمية والحياة الطبيعية.
ولعل السؤال الأكثر حساسية الذي بدأ يظهر داخل هذه البيئة هو: لمن قُدمت كل هذه التضحيات؟
فإذا كان المعيار هو الدولة اللبنانية، فإن لبنان لا يزال غارقاً في أزماته السياسية والاقتصادية. وإذا كان المعيار هو المناطق التي تحملت العبء الأكبر، فإنها لا تزال تعاني من الاحتلال والهجرة والبطالة وضعف التنمية. أما إذا كان المعيار هو الناس أنفسهم، فإن أعداداً متزايدة منهم تبحث عن مستقبلها خارج البلاد لأنها لم تعد ترى أملاً واضحاً في الداخل.
لهذا السبب، بدأ البعض يراجع المسلمات التي حكمت المرحلة السابقة. فالدول والقوى السياسية والقيادات قد تعيد حساباتها وتغير أولوياتها عندما تتغير الظروف، أما المجتمعات فهي التي تبقى في النهاية أمام حصيلة الخسائر والأرباح. وهي التي تسأل عن النتيجة النهائية بعد سنوات طويلة من الانتظار.
في الجنوب والبقاع والضاحية، هناك آلاف العائلات التي لم تعد تسأل عن خرائط النفوذ الإقليمي بقدر ما تسأل عن مستقبل أبنائها. وهناك جيل جديد يريد أن يرى نفسه في الجامعات والشركات والمؤسسات ومشاريع التنمية، لا أن يكون محكوماً فقط بدور التضحية المستمرة.
ومن حق هذا الجيل أن يسأل. ومن حق هذه البيئة أن تسأل. فمن الطبيعي أن تبحث أي جماعة بشرية بعد عقود من التضحيات عن لحظة تلتقط فيها ثمار ما قدمته. ومن الطبيعي أن تسأل متى تنتقل من مرحلة دفع الأكلاف إلى مرحلة الاستفادة من الاستقرار. ومن الطبيعي أيضاً أن تريد أن يكون لها رأي في القرارات التي تحدد مصيرها، لا أن تبقى مجرد متلقية لنتائجها.
لقد أثبتت البيئة الشيعية طوال عقود قدرتها على الصبر والتحمل والتضحية. أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو سؤال مختلف تماماً: هل سيأتي يوم تصبح فيه هذه التضحيات جزءاً من الماضي لا قدراً دائماً للمستقبل؟
إنه السؤال الذي يتردد أكثر فأكثر داخل البيوت والمجالس واللقاءات الخاصة. سؤال لا يتعلق بالحرب فقط، بل بالحياة نفسها: متى النهاية؟ ومتى يصبح من حق الذين دفعوا الثمن لعقود طويلة أن يعيشوا أخيراً حياة طبيعية، وأن يمتلكوا قرار مستقبلهم بأنفسهم؟