ثمن تهجير المسيحيين وإضعافهم: عبرا نموذجا
طوني عيسى
01/01/0001
خلال عبوره «المثلث الذهبي» للتوتر المذهبي، عبرا- تعمير عين الحلوة- حارة صيدا، يهمس قيادي صيداوي لرفيقه: «إنه واحد من أثمان تهجير المسيحيين من شرق صيدا!».
هناك رمزية تحملها عبرا وسائر شرق صيدا وساحل جزين. فالمعادلة التاريخية قضت بأن يكون للحضور المسيحي في جزين دور عميق التأثير في استقرار البقعة الجنوبية من جبل لبنان التاريخي من جهة، واستقرار العلاقة بين جبل لبنان التاريخي ومحيطه الجنوبي من جهة أخرى. جزين، وهي أول أقضية جبل لبنان القديم من طرفه الجنوبي، مثلثٌ إستراتيجي ساهم الدروز في تشجيع المسيحيين على نمو إنتشارهم فيه.
فكان المسيحيون صماماً واقياً للصدام بين الشيعة والسنة والدروز. وفي المراحل الدموية من تاريخ الجبل، خصوصاً بين العامين 1840 و1863، تصادم الدروز والموارنة في الشوف والمتن، كما تصادم الدروز في "القرى الحدودية" لجبل لبنان مع الشيعة في الجهة المقابلة.
وفي الجرمق مثلاً، تصادم الدروز مع شيعة كفررمان والنبطية، وجرت المعركة في سهل الميدنة. وعلى الأثر، إرتأى آل جنبلاط الدروز إستقطاب عائلات مسيحية للإقامة في هذه القرية "الحدودية" التي كانوا يملكونها.
في تلك المرحلة، دفع الجميع ثمن التاريخ، لكنهم لم يعاقِبوا الجغرافيا. فالأحداث التي قادت الموارنة والدروز إلى أخطاء فادحة في القرن التاسع عشر لم تصل بهم إلى حدود "التطهير" الجغرافي الذي بلغته حرب الجبل في القرن العشرين.
وعمليات التهجير الصغيرة التي إستسهلها قادة الطوائف في السنوات الأولى من الحرب الأهلية، والأخطاء القاتلة لبعض قادة المارونية السياسية وقُصْرُ نظرهم وجهلُهم لفلسفة العيش المسيحي - الدرزي في الجبل، إنتهت بـ"تسونامي" التهجير المعروفة من المتن وعاليه والشوف وساحل جزين.
جزين الصغيرة... ولبنان الكبير
ولكن، لا شيء مجانياً في قوانين الطبيعة. ووفقاً لمعادلة لافوازيه، فإن "المادة لا تفنى ولا تُستحدث بل تتغيَّر من شكل إلى آخر" (Rien ne se perd, rien ne se crée, tout se transforme). وفي هذا المعنى، إن الأحداث التاريخية لا تزول مفاعيلها تماماً، بل تنخرط في مسار جديد. ولأن النائب وليد جنبلاط يمتلك الرؤية والإدراك لهذه القواعد، فهو سارع ويسارع إلى ترميم الوضع في قلب البيت، في الجبل.
لكن المناطق المسيحية في ساحل جزين وشرق صيدا تأثّرت جذرياً بالتهجير، إذ تغيَّرت معالمها الديموغرافية. وبزوال الحضور المسيحي الفاعل، ضَعُفَ صمام الأمان التاريخي بين السنة في بقعة صيدا - إقليم الخروب والشيعة في الزهراني - النبطية.
ونموذج عبرا هو الأكثر تعبيراً. ولا تجوز المبالغة في إستنتاج فشل التعايش بين السنّة والشيعة في لبنان وغير منطقة من العالم. ولكن من الخطأ إستسهال الظواهر التي تشهدها بُقع التوتر المذهبي في صيدا وطرابلس والبقاعين. ويقول العاقلون من قادة السنّة والشيعة إن تراجع الحضور المسيحي في هذه البُقع الثلاث يشبه تلاشي المادة الغضروفية بين عظام المفاصل: الوجع كبير.
ويمكن البناء على هذه الرمزية في عبرا للقول إن الهجمة، المدروسة أحياناً، على جزين وساحلها وشرق صيدا عقارياً وديموغرافياً تبدو جذّابة للبعض، لكنها أشبه بـ"لحس المبرد". وسيتبيّن أن إستمرار الحضور المسيحي الفاعل داخل هذا المثلث المذهبي هو اليوم حاجة، كما كان عبر التاريخ.
ومعادلة جزين الصغيرة تشبه المعادلة اللبنانية الأكثر إتساعاً. فالحضور المسيحي الفاعل في لبنان ضمانة للتوازن الكياني بين السنة والشيعة. وأما الدروز فمؤهلون للإضطلاع مع المسيحيين بالدور عينه، خصوصاً أنهم أرسوا معاً نواة الكيان في الجبل، قبل الإنفتاح على لبنان الكبير.
ولذلك، تصبح اليوم إستعادة الحضور المسيحي الفاعل على المستوى الوطني حاجة للمسلمين أولاً. وأما التهافت لنزع ما بقي لهم من حضور في النظام والحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية، فسيندم عليه المتهافتون أولاً.
وعدم إرتهان المسيحيين لمحور إقليمي يديرهم ويموّلهم ويسلّحهم لا يجوز إستغلاله لمحاولة إستضعافهم، بل تقتضي الحكمة أن يكون هو الحالة السليمة التي يجدر تعميمها، بديلاً من الحالات الشاذة وطنياً.
لبنان الكيان سيقتلونه ربما. سيقتلونه ويندمون. ولاتَ ساعةَ مَنْدَمِ..