الاحتشام

الأب الياس كرم

6/27/2026 10:23:32 AM

مع كلِّ صيفٍ يطلّ علينا، تتكاثر مظاهر التعرّي والانفلات بصورةٍ تُنافي روح الوقار والحشمة، حتى غدا الاحتشام عند كثيرين قيمةً منسيّة في زمن الاستعراض والابتذال. غير أنّ الاحتشام، في جوهره، ليس مجرّد لباسٍ معيّن، ولا قواعد جامدة تُفرض على المظهر الخارجي، بل هو منظومة أخلاقية وروحية متكاملة، قوامها الحياء، والرزانة، والاتزان، واحترام الذات والآخر. إنّه أسلوب حياة ينعكس في الكلام، والسلوك، والنظرات، والتعامل، قبل أن يظهر في الثياب.
ومن المؤسف أنّ الحاجة باتت مُلحّة لتذكير بعض الوافدين إلى الكنائس بضرورة التزام الوقار واللباس المحتشم، لأنّ بيت الله ليس مكانًا عاديًا، بل موضع الأسرار المقدّسة، ومقام الحضور الإلهي. فكيف يليق بالإنسان أن يدخل إلى حضرة الله بروح الاستهتار أو بمظهرٍ يفتقر إلى الحياء؟ لقد علّمنا الرسول أنّ الجسد هو "هيكلٌ للروح القدس"، فهل يجوز أن يتحوّل هذا الهيكل إلى مادةٍ للعرض والاستهلاك؟ إنّ احترام قدسيّة المكان ينبع من احترام الإنسان لكرامته أولًا، لأنّ الكرامة الإلهية لا تُبتذل، ولا تُختزل بمظاهر زائلة.
لقد صار العالم اليوم يقتحم البيوت والعقول بموجاتٍ من الإغراءات المتعدّدة، حتى بات الحياء يُحارَب باسم الحرية، والتعقّل يُصوَّر كأنّه تزمّت أو تخلّف. لكنّ الحقيقة تبقى أنّ قلّة الحياء تُسقط الإنسان في هاوية الانجراف الأخلاقي دون أن يشعر. لذلك، فإنّ التربية المنزلية تؤدّي دورًا أساسيًا في غرس فضيلة الاحتشام، وتأتي التعاليم الكنسية لتثبّت هذه القيم وتمنحها بعدها الروحي العميق، لمن يملك أذنًا تسمع وقلبًا يطيع كلمة الله.
ويربط المطران جورج خضر بين الإغراء وحاجة الإنسان الدائمة إلى لفت الانتباه، معتبرًا أنّ الجسد يفقد شيئًا من كرامته حين يتحوّل إلى وسيلة استعراض. ويدعو إلى أن يكون التواصل بين البشر إنسانيًا وروحيًا، قائمًا على الاحترام المتبادل، لا على الإثارة واستجلاب الأنظار. فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما يكشفه من جسده، بل بما يحمله في داخله من نورٍ ونقاء.
والاحتشام لا يقف عند حدود المظهر الخارجي، بل يمتدّ ليشمل اللياقة في الفكر، واللباقة في التصرّف، والتهذيب في العلاقات الإنسانية. فالإنسان المحتشم يحترم خصوصيات الآخرين، ولا يتطفّل على شؤونهم، ولا يرمي الأحكام جزافًا، بل يتعامل برقيّ واتزان وأدب.
إنّ الحشمة شجرةٌ وارفة، تتفرّع منها أغصان كثيرة تحت مظلّة الآداب العامة؛ من احترام الجلسة والكلام، إلى غضّ البصر، وضبط حركة العينين كي لا تُشعر الآخرين بالحرج أو الإهانة. وهي أيضًا احتشامٌ في اللغة ونقاءٌ في اللسان، بالابتعاد عن الشتائم والألفاظ السوقية والكلام الجارح، والتخلّي عن النميمة والثرثرة الفارغة، واعتماد الحديث الراقي البنّاء الذي يرفع الإنسان بدل أن يبتذله. كما تشمل التواضع في نبرة الصوت، والابتعاد عن التفاخر والتعالي، وصون أعراض الناس وكراماتهم.
ويؤكّد المطران خضر أنّ الاحتشام الحقيقي يبدأ من الداخل، من مخافة الله ونقاوة القلب، لا من التقيّد الأعمى بالمظاهر الخارجية أو التزمّت الحرفي. فالحشمة الصادقة ثمرة روحٍ تعرف قيمة ذاتها أمام الله، وتدرك أنّ الإنسان يسمو بأخلاقه لا بمظاهر الخداع والاستعراض.
ويبقى القول إنّ الاحتشام هو تاج الوقار، وزينة الأخلاق، وعنوان الرقيّ الإنساني. إنّه لغة النفوس النبيلة التي تعرف أنّ الكرامة أثمن من أن تُعرَض، وأنّ الحياء ليس ضعفًا، بل علامة قوّةٍ داخلية ونبلٍ روحي. "مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ" (متى ١١: ١٥).
والسلام.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • كأس العالم
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT