عون يرسم الإطار لـ"الثنائي"... الرجوع للـ23 ممنوع

ألان سركيس

7/3/2026 6:38:24 AM

سقطت الذريعة قبل أن تبدأ المعركة. فحين يعلن "حزب الله" ورئيس مجلس النواب نبيه بري أن اتفاق الإطار الذي وُقّع في واشنطن لن يمرّ، يصبح السؤال دستوريًا وسياسيًا في آنٍ واحد: أين كانت هذه المعايير عندما كان بري المفاوض الأول باسم لبنان و"الحزب"؟ ولماذا تصبح الآليات التي اعتُمدت طوال سنوات مخالفة للدستور عندما يمارسها رئيس الجمهورية جوزاف عون؟

المواجهة الدائرة اليوم لا تتعلق باتفاق الإطار بقدر ما تتعلق بالجهة التي تدير التفاوض. فمع انتقال الملف إلى رئاسة الجمهورية، وفق الدستور الذي نصّ في مادته 52 على حق الرئيس في التفاوض الخارجي، تبدّلت اللغة وارتفع السقف، وكأن المشكلة لم تعد في مضمون الاتفاق، بل في هوية من يقوده.

الوقائع لا تحتاج إلى كثير من التذكير. في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، التي كان آموس هوكستين فيها وسيطًا أميركيًا، أمسك بري بالقرار السياسي بتكليف من "حزب الله"، بينما أنجز الجيش اللبناني، برئاسة قائده آنذاك العماد جوزاف عون، الملفين العسكري والتقني، وتمسّك بالخط 29 باعتباره الخط الذي يحفظ كامل الحقوق اللبنانية. لكن القرار السياسي اتجه نحو التسوية، فانتهى الاتفاق عند الخط 23، بعدما تخلّى لبنان، بقرار من بري و"الحزب" في تشرين الأول 2022، عن مساحة بحرية واسعة، في خطوة اعتبرها معارضوها تنازلا منح إسرائيل مكاسب مجانية لتسهيل ولادة الاتفاق، في حين أُصيبت قيادة الجيش، برئاسة عون، بالصدمة من هذا التخلي عن حدود بحرية بهذه المساحة.

يومها لم يُطرح السؤال الدستوري. لم يطالب بري بإحالة الاتفاق إلى مجلس النواب، ولم يعتبر أن السلطة التشريعية يجب أن تقول كلمتها. بل مرّ الاتفاق بالآلية نفسها التي يرفضها اليوم، وسط تأييد كامل من "حزب الله"، الذي قدّم التسوية على أنها انتصار سياسي.

وتكرّر المشهد بعد حرب 2024. قاد بري، بتكليف من "الحزب"، المفاوضات التي انتهت إلى اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني، وهو اتفاق أعاد رسم قواعد الاشتباك في الجنوب، وأوجد آلية تنفيذية مُنحت من خلالها إسرائيل هامشًا واسعًا للتحرك بذريعة إزالة أي تهديد أمني. ولم يتردّد بري في إعلان أنه صاحب فكرة "الميكانيزم" الذي شكّل العمود الفقري للاتفاق.

ورغم خطورة تلك التفاهمات، لم تمرّ عبر مجلس النواب، ولم يعتبر بري أنها تحتاج إلى تصويت أو إلى موافقة تشريعية. أما اليوم، فقد تبدّلت الرواية بالكامل، لا لأن النصوص الدستورية تغيّرت، بل لأن موقع المفاوض تغيّر.

وتؤكد مصادر مواكبة للمفاوضات لـ"نداء الوطن" أن ما جرى في واشنطن لا يخرج عن الإطار الذي اعتُمد في كل المحطات السابقة. فالوثيقة ليست معاهدة دولية نهائية، ولا ترتّب التزامات تستوجب عرضها على المجلس النيابي، بل تشكّل اتفاق إطار يحدّد قواعد التفاوض في المرحلة المقبلة. وانطلاقًا من ذلك، مارس رئيس الجمهورية صلاحياته المنصوص عليها في المادة 52 من الدستور، تمامًا كما حصل في ملفات سابقة لم يعترض عليها أحد.

وتشير المصادر إلى أن محاولة نقل النقاش إلى الساحة الدستورية ليست سوى غطاء لمعركة سياسية هدفها استعادة الإمساك بقرار التفاوض. إلا أن الوقائع تغيّرت، كما أن موازين القوى الداخلية والخارجية لم تعد كما كانت، فيما بات المجتمعان العربي والدولي يتعاملان مع رئاسة الجمهورية باعتبارها المرجعية الأولى في إدارة هذا المسار.

أما جبهة الرفض التي يجري الحديث عنها، فتبدو حتى الآن بلا قدرة فعلية على إسقاط الاتفاق. فمعظم القوى التي ترفع الصوت ما زالت تتعامل بحذر مع الملف، فيما تشير المعطيات إلى أن عددًا كبيرًا منها لا يعارض الاتفاق في جوهره، بل يفضّل انتظار مسار المفاوضات. وحتى داخل هذه الجبهة الكرتونية، يدرك بري أن العودة إلى نقطة الصفر لم تعد ممكنة.

تبدو المعركة الحالية محاولة لإعادة التموضع أكثر منها مواجهة دستورية. فالتجارب السابقة صنعت سوابق واضحة، ومن اعتمدها لا يستطيع إسقاطها اليوم. وعندما يصبح المعيار مرتبطًا باسم المفاوض لا بطبيعة الاتفاق، تتحول الاعتراضات إلى موقف سياسي لا إلى اجتهاد دستوري. وبالتالي، يُعدّ رئيس الجمهورية الأمين على حدود لبنان وسيادته، في حين تدور مخاوف من تخلّي الفريق الذي فاوض على الحدود البحرية عن جزء من الحدود البرية، خوفًا من عقوبات من هنا، أو نزولا عند رغبة نظام في طهران يساوم على كل شيء ليبقى ويستمر.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • كأس العالم
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT