بعد جعجع... أين الحلقة المفقودة في رصيد بعبدا؟

سامر زريق

7/14/2026 6:54:26 AM

زيارة رئيس حزب "القوات" اللبنانية سمير جعجع إلى بعبدا كانت عملية سياسية مدروسة ومحسوبة بعناية على طريقة "الحكيم". فالهدف منها يتجاوز أدبيات التضامن الكلاسيكي، أو الرد على موقف وليد جنبلاط بسحب الغطاء الدرزي عن صيغة الإطار، ويندرج ضمن معادلة إعادة رسم ميزان القوى الداخلي، وإسقاط أهم الروايات التي يروجها "حزب الله" ويبني عليها معركته السياسية:

رئاسة الجمهورية وحيدة، وتعاني عزلة سياسية وشعبية،وقاعدة داعميها باتت خاوية على عروشها إلا من بعض الشخصيات والقوى الهامشية.

كان بإمكان جعجع زيارة بعبدا منفردًا، بوصفه زعيم أكبر حزب مسيحي، لكنه تعمد اصطحاب كتلته النيابية، لأن الصورة أهم من البيان، والمشهد أبلغ من الكلمات. أراد أن يقول لـ"الحزب" إن الكتلة المسيحية الأكبر، والقوة الوزارية الأوسع حضورًا داخل الحكومة، تقف خلف رئاسة الجمهورية وخياراتها الاستراتيجية، وفي مقدمها إدارة التفاوض مع إسرائيل وبذلك يتحول أي حديث عن افتقار الرئيس إلى الغطاء المسيحي أو الوطني إلى حكاية "مصاطب" يصعب تسويقها.

لكن هذا الرصيد، على أهميته، لا يكتمل في معراب وحدها فالمعركة التي تخوضها بعبدا تتطلب رصيدًا موازيًا داخل الساحة السنية، باعتبارها الساحة القادرة على ترجيح ميزان التوازن الوطني في هذه المرحلة، ولا سيما مع ارتفاع احتمالات تشكيل جبهة سياسية معارضة لصيغة الإطار وللعهد معًا، بعد تموضع جنبلاط، يشبه في تركيبته السياسية تحالفًا رباعيًا جديدًا.

فالوقائع التي تراكمت منذ "طوفان الأقصى" تشير إلى تبدل واضح في أولويات الشارع السني. إذ يتزايد الميل إلى الخروج من دائرة الصراع مع إسرائيل بعد عقود من دفع أكلافه، ويتعزز التمسك بالدولة باعتبارها المرجعية الوحيدة. كما أن غالبية النواب السنة تربطهم علاقة جيدة برئيس الجمهورية ويؤيدون خياراته.

إلا أنّ ذلك لا يعني سهولة إنتاج مشهدية سنية مشابهة للمشهد الذي صنعه جعجع. تكمن المشكلة في ضيق الهامش السياسي الذي تتحرك ضمنه القيادات والنخب السنية، حيث يصعب عليها توفير غطاء سياسي واسع لمسار تفاوضي مع إسرائيل، بكل ما تمثله الأخيرة في الوعي الديني والتاريخي، في ظل الضغط الشعبي المرتبط بقضية "الموقوفين الإسلاميين".

الأمر الذي يحتم معالجة واضحة لهذه المعضلة، وخصوصًا من بعبدا، لا تندرج ضمن إطار المقايضة بين دعم العهد وإطلاق الموقوفين، أو الربط بين اتفاق الإطار وقانون العفو، بل تنسجم مع أهمية إزالة العبء السياسي الذي يقيد قدرة القيادات السنية على تدعيم الرصيد الوطني الاستراتيجي لبعبدا. 

ويزداد هذا التعقيد مع اصطفاف بعض القوى السنية إلى جانب "الحزب" لأسباب مختلفة، وفي مقدمها "الجماعة الإسلامية" و"تيار آل الحريري"، وبعض رؤساء الحكومات السابقين.

ولا ينفصل ملف الموقوفين عن مسار أوسع يتمثل في إعادة بناء الثقة بين الدولة والسنة، بعد سنوات من هيمنة المشروع الإيراني على القرار اللبناني.

وهي ثقة تنعكس مباشرة على ثلاثة مسارات مترابطة: إنجاح الانفتاح على سوريا، واستكمال مشروع استعادة الدولة، وإعادة إنتاج شراكة وطنية مستدامة لا تقوم على التسويات الظرفية.

ومن نافل القول أن التموضع الذي يقوده الرئيس بري ووليد جنبلاط لا يستهدف صيغة الإطار بحد ذاتها، بقدر ما يعكس محاولة أخيرة للدفاع عن منظومة الدولة العميقة، وهي تواجه لحظة إعادة توزيع للسلطة والنفوذ. إنها منظومة هرمت، واستنفدت قدرتها على إنتاج الشرعية، لكنها لا تزال تقاوم أي تغيير يمس قواعدها التقليدية.

المفارقة أن السنة كانوا لعقود أحد أعمدة هذه المنظومة، لكنهم كانوا أيضاً الأكثر دفعًا لأثمان اختلالاتها، والأكثر تحملاً لكلفة أزماتها كلما احتاجت الدولة العميقة إلى "قرابين" أو من يدفع الفاتورة.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • كأس العالم
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT