مضيق هرمز ومسارات التصدير البديلة

7/15/2026 5:52:54 PM

كتب العميد الدكتور غازي محمود:

يُعيد التصعيد المتجدد بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث في منطقة الخليج العربي، ويؤكد المكانة المحورية التي يحتلها في منظومة التجارة الدولية، ولا سيما تجارة النفط والغاز. سيما وأن مضيق هرمز يُعد أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ تمر من خلاله خمس صادرات النفط والغاز العالمية. ويأتي هذا التصعيد في أعقاب إعلان الحرس الثوري الإيراني إغلاق المضيق بالكامل ومنع السفن من عبوره حتى إشعار آخر، وقابله حصار أميركي على الموانئ والسفن الإيرانية، مما يُفاقم الضغوط على إمدادات النفط والغاز وحركة التجارة العالمية. 


الحاجة إلى ترتيبات أمنية مستقرة 
تُظهر الأحداث المتتابعة التي تلت توقيع مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن أن التصعيد لم يتوقف في مضيق هرمز، الذي تحول إلى ساحة ضغط واختبار بين واشنطن وطهران. ويُشير إلى أن وقف إطلاق النار لم يُؤدِّ حتى الساعة إلى قواعد ملاحة مستقرة، حيث عمدت إيران، على الرغم من الاجتماع الذي ضم وزيري خارجية إيران وسلطنة عُمان في مسقط لمناقشة التفاصيل الفنية، إلى استهداف المسار العُماني الذي كانت تستخدمه عشرات سفن الشحن والناقلات. 
في المقابل، إن استقطاب المسار الإيراني جزء من الحركة تحت ضغط المخاطر التي تهدد المسار العُماني، وضع شركات الشحن أمام معادلة صعبة: إما إظهار المسار والمخاطرة بالتعرض للاستهداف، وإما إخفاء الإشارة والمخاطرة بفقدان الشفافية والتأمين، وإما التراجع عن العبور، مما يؤدي إلى تباطؤ حركة النقل وازدحام السفن وتأخر وصول الشحنات إلى وجهاتها، الأمر الذي يستدعي ترتيبات أمنية دائمة دون تأخير. 

إرباك يمتد إلى مختلف القطاعات
ويتسبب إغلاق مضيق هرمز في اضطراب في سلاسل الإمداد لا يقتصر على إمدادات النفط الخام والغاز المسال، بل يمتد إلى قطاعات صناعية وتجارية واسعة. سيما وأن الطاقة تدخل في مختلف مراحل الإنتاج والنقل والتخزين، مما يجعل نقص المعروض منها أو ارتفاع أسعارها عاملًا مباشرًا في زيادة كلفة الشحن والسلع والخدمات.
كما أن أي تأخير في الشحن قد يؤدي إلى تعطيل خطوط الإنتاج، ولا سيما في قطاعات السيارات والإلكترونيات والصناعات الكيميائية وغيرها من الصناعات التي تعتمد على نظام إنتاج تسلسلي، حيث لا يتم الاحتفاظ باحتياطيات كبيرة من المواد الأولية. كما قد تواجه الأسواق نقصًا أو ارتفاعًا في أسعار البتروكيماويات والمنتجات البلاستيكية والمواد الصناعية والأسمدة الزراعية المرتبطة بالنفط والغاز. 

ارتفاع الكلفة وتباطؤ النقل 
وتتجلى التداعيات المباشرة للتصعيد المتجدد في ارتفاع مستوى مخاطر الشحن البحري، الأمر الذي يدفع شركات التأمين، في مثل هذه الظروف، إلى زيادة أقساط التأمين، ولا سيما ما يُعرف بتأمين مخاطر الحرب، على السفن والناقلات العابرة للمناطق المتوترة. كما ترتفع أجور ناقلات النفط والغاز، وتتزايد التكاليف التشغيلية المرتبطة بالوقت الإضافي الذي تمضيه السفن للوصول إلى مقاصدها، ومصاريف الرحلات وحماية السفن.
وقد تدفع هذه المخاطر بعض شركات الملاحة إلى التريث قبل دخول المضيق، أو إلى تقليص عدد الرحلات، أو انتظار ترتيبات أمنية إضافية، ما يؤدي إلى تباطؤ حركة النقل وازدحام السفن وتأخر وصول الشحنات إلى وجهاتها. علمًا أن ارتفاع مستوى المخاطر وحده يكفي لزيادة كلفة التجارة العالمية، التي يقع عبئها الحقيقي على المستهلك النهائي في أنحاء العالم.
آسيا الأكثر عرضة للضغوط
تُعد الدول الآسيوية أكثر الأطراف تأثرًا بأي اضطراب في مضيق هرمز، نظرًا لاعتماد اقتصادات كبرى، مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، على إمدادات الطاقة القادمة من منطقة الخليج ويرفع كلفة الطاقة والإنتاج الصناعي في هذه الدول. 
وفي هذا الإطار، توقع بنك قطر الوطني QNB استمرار تداعيات التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران على اقتصادات آسيا، حتى بعد التوصل إلى اتفاق لوقف الأزمة، مشيراً إلى أن التعافي الكامل يعتمد على استعادة سلاسل الإمداد واحتياطيات الطاقة واستقرار الأسعار.
وأوضح البنك، في تقريره الأسبوعي، أن آسيا تُعد الأكثر تضررًا، لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة عبر مضيق هرمز، ما دفع حكوماتها إلى اتخاذ إجراءات استثنائية، مثل السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، وترشيد استهلاك الوقود، وإعادة تشغيل محطات الفحم.

مسارات تصدير بديلة
وعليه، فإن التوتر المتجدد في مضيق هرمز يُحتم تنويع طرق تصدير الطاقة ومساراتها، وعدم الاعتماد على ممر بحري واحد، مهما بلغت أهميته وقدرته الاستيعابية. وتزداد في هذا السياق أهمية خطوط الأنابيب التي تتجاوز المضيق، مثل خط شرق–غرب السعودي، الذي ينقل النفط إلى موانئ البحر الأحمر، وخط أنابيب أبوظبي الذي يصل إلى ميناء الفجيرة خارج المضيق، بالإضافة إلى خط "سوميد" المصري الذي يمتد من البحر الأحمر إلى سيدي كرير في مصر على البحر المتوسط. غير أن القدرة الاستيعابية لهذه الخطوط تبقى محدودة مقارنة بحجم الصادرات التي تمر عبر هرمز. 
الأمر الذي دفع بالمملكة العربية السعودية، وفقًا لما نقلته وكالة رويترز عن أكثر من مصدر مطلع، إلى دراسة زيادة سعة خط أنابيب النفط الخام الممتد إلى ساحلها الغربي على البحر الأحمر. ومن شأن هذه الخطوة أن تتيح للمملكة وربما لبعض جيرانها من الدول الخليجية تصدير كميات أكبر من النفط قد تصل إلى مليوني برميل يوميًا، من دون الحاجة لعبور مضيق هرمز. كما تسعى الإمارات العربية المتحدة إلى زيادة سعة خط الأنابيب المتجه إلى الفجيرة، بهدف تعزيز قدرتها على تصدير النفط بعيدًا عن المضيق. 
وتظهر في هذا السياق أهمية إحياء مشاريع خطوط الأنابيب البرية التي تتجاوز منطقة الخليج، سواء لنقل النفط أو الغاز، وفي مقدمتها مشروع خط الغاز القطري إلى تركيا وأوروبا عبر سوريا، وحتى مشروع خط الغاز الإيراني–العراقي–السوري المعروف بـ "خط الصداقة الإسلامي". 
كما يُبرز هذا الواقع أهمية إعادة تشغيل خط كركوك–طرابلس وكركوك–بانياس، اللذين يمكن أن يُوفرا منافذ إضافية للنفط العراقي إلى البحر المتوسط، ويمنحان العراق خيارات أوسع لتصدير نفطه، كما يخففان من اعتماده على المسار التركي والمسارات البحرية التقليدية. أما بالنسبة إلى لبنان، فتُعتبر إعادة تشغيل خط كركوك–طرابلس فرصة اقتصادية واستراتيجية، سواء لجهة استعادة دوره كممر للطاقة نحو البحر المتوسط، أو للاستفادة من رسوم العبور والخدمات اللوجستية والاستثمارات المرتبطة بإعادة تأهيل البنية التحتية النفطية، وخاصة منشآت مصفاة طرابلس.

All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • كأس العالم
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT