آخر جسور إيران إلى لبنان… لم يعد برياً بل عقائدياً

سعد شعنين

7/20/2026 12:23:05 PM

تشهد المنطقة تحولاً استراتيجياً يتجاوز البعد العسكري والأمني، ليطال طبيعة النفوذ الإيراني نفسه. فالممرات التي اعتمدت عليها طهران لعقود لربط أراضيها بساحل البحر المتوسط عبر العراق وسوريا لم تعد تعمل كما في السابق، بعدما تكثفت عمليات رصد وإحباط تهريب الأسلحة وتشديد الرقابة على الحدود، إلى جانب المتغيرات العسكرية التي أصابت هذه الشبكات. وبذلك، أصبح الفصل الجغرافي بين إيران وحزب الله واقعاً يزداد رسوخاً يوماً بعد يوم.

غير أن هذا التطور، على أهميته، لا يعني بالضرورة نهاية المشروع الذي قام على تلك الممرات. فالعلاقة بين إيران وحزب الله لم تكن في جوهرها مجرد علاقة إمداد بالسلاح أو التمويل، بل تأسست على منظومة سياسية وعقائدية وفكرية متكاملة، جعلت القرار الاستراتيجي جزءاً من رؤية إقليمية تتجاوز حدود الدولة اللبنانية. لذلك، فإن إغلاق طرق الإمداد لا يؤدي تلقائياً إلى تغيير في طبيعة القرار أو في المرجعيات السياسية، لأن الأفكار تبقى عادة أطول عمراً من الوسائل التي حملتها.

إن المرحلة الحالية تنقل الصراع من الجغرافيا إلى الفكر، ومن خطوط الإمداد إلى طبيعة القرار السياسي. فالفصل الجغرافي بات يفرض نفسه بفعل الوقائع، بينما يبقى الفصل العقائدي هو التحدي الحقيقي، لأنه يرتبط بإعادة تعريف الأولويات والمرجعيات، بحيث تصبح الدولة اللبنانية وحدها مصدر القرار الوطني.

وفي هذا الإطار، تبدو التجربة العراقية جديرة بالتأمل. فالعراق، رغم حدوده الطويلة مع إيران وتشابك العلاقات الدينية والاقتصادية والاجتماعية بين البلدين، شهد خلال السنوات الماضية محاولات لإعادة تكريس استقلالية القرار الوطني. وقد كان مقتدى الصدر من أبرز الشخصيات التي رفعت شعار أن القرار العراقي يجب أن يصنع في بغداد، وأن سيادة الدولة يجب أن تتقدم على أي ارتباط خارجي. وبصرف النظر عن تقييم نجاح هذه التجربة أو إخفاقها، فإنها قدمت نموذجاً لمحاولة الفصل السياسي والفكري عن النفوذ الخارجي، رغم استحالة الفصل الجغرافي.

وهنا تكمن المفارقة بين العراق ولبنان. ففي العراق، بدأت محاولات الفصل من القرار السياسي رغم بقاء الجغرافيا على حالها، بينما في لبنان فرضت المتغيرات الإقليمية نوعاً من الفصل الجغرافي، إلا أن التحول الفكري والسياسي لم يواكب هذا التغيير بالوتيرة نفسها.

فالبيئة الإقليمية التي سمحت سابقاً بقيام ممر بري متصل من طهران إلى البحر المتوسط تبدلت بصورة واضحة. العراق يخضع لضغوط متزايدة لضبط حدوده ومنع استخدامها ممراً للأسلحة، وسوريا لم تعد تمتلك هامش الحركة الذي امتلكته في مراحل سابقة، فيما تتجه القوى الدولية والإقليمية إلى تثبيت واقع جديد يقوم على منع إعادة بناء تلك الممرات العسكرية.

في ظل هذا الواقع، لم يعد التحدي مرتبطاً فقط بإيجاد بدائل لوجستية أو تعويض طرق الإمداد، بل أصبح مرتبطاً بإعادة تعريف موقع أي قوة سياسية أو عسكرية داخل الدولة اللبنانية، وبمدى انسجامها مع مبدأ حصرية القرار بيد المؤسسات الشرعية.

فالعقائد السياسية ليست جامدة، والتاريخ مليء بحركات وتنظيمات أعادت مراجعة خياراتها عندما تبدلت موازين القوى وتغيرت البيئة التي نشأت فيها. والتحول العقائدي لا يعني التخلي عن الهوية الدينية أو الفكرية، بل يعني أن تصبح المصلحة الوطنية اللبنانية المرجعية العليا، وأن يكون الدستور والدولة وحدهما الإطار الذي تُتخذ ضمنه القرارات المصيرية.

لقد انهار جزء كبير من الجسر البري الذي ربط إيران بساحل المتوسط، أما المرحلة المقبلة فتتمثل في ترسيخ واقع سياسي جديد يقوم على أولوية الدولة الوطنية. وعندما تصبح المصلحة اللبنانية هي البوصلة الوحيدة، ويغدو قرار السلم والحرب شأناً حصرياً للدولة، يكون مسار الفصل قد اكتمل، ليس على الخرائط فحسب، بل في طبيعة القرار والانتماء، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها دولة واحدة، وسيادة واحدة، وقرار لبناني مستقل.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • كأس العالم
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT