علوان: رسالة الحويك عن "حب الوطن" أفضل ردّ على منتقدي لبنان الكبير

ديزي حوّاط

7/25/2026 6:38:00 AM

ليست القداسة في الكنيسة محصورة بالنسك والصلاة، ولا بأن يكون الإنسان خارج زمنه، بل قد تتجلّى أيضًا في صلب المواقف والقرارات والمسؤوليات. وحين يكون رجل الكنيسة أيضا رجلَ تاريخ، ينصفه التاريخ أولا، قبل أن تأتي الكنيسة لتكرّم سيرته بالتطويب. هكذا، يدخل البطريرك الماروني الياس الحويك اليوم سجل الطوباويين، بعدما سبق أن حجز لنفسه مكانًا في تاريخ لبنان.

وخلال فترة التحضيرات ليوم إعلان التطويب، أجرت "نداء الوطن" حوارًا خاصًا مع المطران حنّا علوان في الديمان، الرجل الذي رافق ملف البطريرك الحويك منذ بداياته وتولّى مهمة "طالب الدعوى" أمام الكرسي الرسولي، فواكب الملف حتى وصوله إلى الفاتيكان وإعلان التطويب.

يقرأ علوان شخصية الحويك أولا من زاوية رجل الدولة. ففي نظره، لم يكن البطريرك يحمل همّ الكنيسة وحدها، بل همّ لبنان بأسره. عاش الحرب العالمية الأولى، وشهد المجاعة التي فتكت باللبنانيين، وواجه محاولات اقتلاع الناس من أرضهم. لذلك، لم يقف متفرجًا، بل سعى إلى تأمين القمح، وفتح أبواب البطريركية أمام الجائعين، وكتب إلى رؤساء الأديرة طالبًا منهم استقبال الناس وإطعامهم، قائلا: "لا تتركوا أحدًا يموت جوعًا". ومن هنا، لن تكون سنابل القمح التي سترافق احتفال التطويب مجرد تفصيل رمزي، بل استعادة لذاكرة رجل حارب الجوع.

ذلك البعد الإنساني لم يكن منفصلا عن مشروعه الوطني. فالرجل الذي خاض معركة إعلان لبنان الكبير لم يكن، بحسب علوان، يسعى إلى رسم حدود سياسية فحسب، بل إلى استعادة وطنٍ اقتُطع من أبنائه، وإقامة دولة تتسع لجميع مكوّناتها. وفي مواجهة الأصوات التي لا تزال تحمّله مسؤولية قيام لبنان الكبير، يرد علوان بالعودة إلى رسالته التي وجّهها إلى السياسيين عن "حب الوطن"، معتبرًا أنها تختصر فكره السياسي كله. ويضيف أن ما يحتاجه لبنان اليوم ليس مجرد استذكار الحويك، بل استعادة روحيته في العمل السياسي.

ومن مشروع الحويك الوطني، انتقل علوان إلى الحديث عن مشروع بناء الإنسان. فإيمانه بأن مستقبل الكنيسة يبدأ بالتربية دفعه إلى تأسيس جمعية راهبات العائلة المقدسة، وتوسيع المدارس في لبنان وخارجه، وإرسال طلاب إلى فرنسا، إيمانًا منه بأن بناء الأجيال لا يقل أهمية عن بناء الكنائس. كما كرّم العذراء مريم من خلال مزار سيدة لبنان.

ولعل هذا ما يفسر، في نظر علوان، سبب انتقال اسمه إلى مسار التطويب، إذ عاش الفضائل المسيحية بصورة بطولية، ليصبح مثالا يُحتذى به.

ويكشف علوان أن الطريق إلى تطويب الحويك بدأ منذ وفاته، حين كان المؤمنون يرددون: "مات البطريرك القديس". إلا أن الحروب والأزمات أخّرت فتح الدعوى. وبعدها بدأت رحلة شاقة، شملت ترجمة جميع مؤلفاته ورسائله إلى الفرنسية، وجمع الوثائق والشهادات، وتشكيل لجان تاريخية وعلمية ولاهوتية للتثبّت من كل ما نُسب إليه.

وبعد إعلانه "مكرَّمًا"، تبدأ مرحلة البحث عن أعجوبة تُنسب إلى شفاعته تمهيدًا للتطويب، فيما تتطلب القداسة إثبات أعجوبة ثانية.

وربما حملت هذه المهمة بالنسبة إلى المطران علوان بُعدًا شخصيًا أيضًا. فهو اليوم الرجل الذي أوصل ملف البطريرك الحويك إلى الفاتيكان، فيما كان الحويك نفسه، خلال حياته، من الذين قدّموا ملفات دعاوى قديسي لبنان، ومن بينهم شربل ورفقا، ليسلكوا طريق القداسة. وعندما سألته "نداء الوطن" عمّا يعنيه هذا التلاقي، يجيب بأن "الأدوار تتبادل"، قبل أن يضيف أن القداسة ليست حكرًا على أحد، وأن "كلّنا مدعوون إلى القداسة".

وفي ظل التساؤلات التي تُطرح مع كل إعلان تطويب جديد، ولا سيما بعد تطويب البطريرك إسطفان الدويهي واليوم البطريرك الياس الحويك، فيما لا تزال ملفات شخصيات لبنانية أخرى، مثل يوسف بك كرم، في مراحل التحقق، يقول علوان: "في الكنيسة قديسون كثر، لكن إعلان القداسة يهدف إلى تقديم شخصيات تشكّل نموذجًا للمؤمنين". ويضيف أن لكل دعوى مسارًا طويلا من جمع الوثائق والشهادات، ودراسة حياة الشخص وكتاباته، من دون أن يكون مصيرها محسومًا سلفًا.

وما يلفت علوان أيضًا أن الأعجوبة التي فُتح بها باب تطويب البطريرك الحويك ارتبطت بعسكري من الطائفة الدرزية. ويشرح أن الرجل لم يكن قد طلب شفاعة الحويك، بل رآه في المنام واستيقظ وقد زالت آلام حادة كان يعانيها في ظهره. يومها لم تُعطَ هذه الرواية أهمية كبيرة، ولم تُعتبر دليلا كافيًا. لكن بعد سنوات، يروي علوان: "أُصيب الرجل نفسه بمرض السرطان، فعاد وتضرّع إلى البطريرك الحويك"، قائلا: "كما شفيتني في المرة الأولى، اشفني في الثانية".

اليوم، يلتقي التاريخ والكنيسة عند اسم الياس الحويك؛ الأول أنصفه في ذاكرة الوطن، والثانية تعلن تطويبه، لتبدأ سيرته فصلا جديدًا.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • كأس العالم
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT