برعاية دبلوماسية سعودية.. "منطقة تجريبية"بين بعبدا وعين التينة

7/31/2026 6:19:15 AM


زياد سامي عيتاني_ اللواء

لم يكن لقاء بعبدا بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري مجرد استئناف للتواصل بين رئاستين دستوريتين بعد مرحلة من التباعد السياسي، بل جاء كإحدى الثمار المباشرة للحراك الدبلوماسي الحثيث الذي قاده الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان، وفي لحظة فارقة تحاول فيها الدولة اللبنانية الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة إنتاج القرار من داخل المؤسسات.

فالاجتماع، الذي تقاطع توقيته مع الجهود العربية والدولية لترميم جسور التواصل بين المرجعيات الرسمية، أتى عقب عودة الرئيس عون من واشنطن ومحادثاته مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو؛ ليشكّل محطة سياسية تتجاوز مضمون البيان الرسمي الذي اقتصر على بحث التطورات المحلية والإقليمية والأوضاع في الجنوب في ظل استمرار الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية.

تكمن أهمية اللقاء إذاً ليسفقط في الملفات المطروحة، بل في البصمة الدبلوماسية العربية والدولية التي مهّدت له، وفي الرسائل التي حملها داخلياً وخارجياً لسعي جاد يستهدف إعادة تثبيت الدولة اللبنانية كمرجعية وحيدة للقرار الوطني.

 إشارات متبادلة مهّدت للقاء

لم يأتِ اجتماع بعبدا من فراغ. فقد حرص الرئيس عون، خلال زيارته إلى واشنطن وفي مواقفه العلنية، على التأكيد أن معالجة الاستحقاقات اللبنانية لا يمكن أن تتم خارج إطار المؤسسات الدستورية، مشدّداً على أهمية دور رئيس مجلس النواب وموقعه السياسي والدستوري.

وفي المقابل، عكس بري انفتاحاً على التعاون مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، انطلاقاً من اعتبار أن المرحلة تتطلب تنسيقاً بين الرئاستين وتغليب منطق الدولة على الخلافات السياسية. إلا أن هذا الانفتاح لا يعني، في قراءته، التخلي عن مقاربة تقوم على موازنة العلاقات اللبنانية بين الرياض وواشنطن وطهران، باعتبار أن أي استقرار مستدام في لبنان يحتاج إلى تسوية إقليمية أوسع.

وهذه الرسائل المتبادلة لا تعني انتهاء التباينات السياسية، لكنها تعكس إدراكاً مشتركاً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إدارة الخلافات داخل المؤسسات، لا خارجها.

من تبادل المعلومات إلى إعادة بناء القرار

في الشكل، كان اللقاء مناسبة لإطلاع رئيس المجلس على نتائج زيارة واشنطن. أما في المضمون، فقد بدا كأنه محاولة لإعادة تنظيم الموقف الرسمي اللبناني أمام الاستحقاقات المقبلة.

فأي تفاهمات أو التزامات تنتج عن الحراك الدولي تحتاج إلى دولة قادرة على اتخاذ القرار وتحويله إلى سياسات وتشريعات وإجراءات تنفيذية. وهذا يتطلب تنسيقاً بين الرئاسات، باعتبارها المكونات الأساسية للنظام الدستوري اللبناني.

لماذا يبقى بري شريكاً أساسياً؟

تدرك العواصم المعنية بالملف اللبناني أن أي مسار إصلاحي أو سيادي لا يمكن أن ينجح إذا بقي رئيس مجلس النواب خارج المعادلة.

فالمجلس النيابي سيكون معنياً بإقرار التشريعات المرتبطة بالإصلاحات الاقتصادية والمالية، وبتهيئة الإطار القانوني لأي برامج مستقبلية تتعلق بإعادة الإعمار والاستثمار.

كما أن موقع بري السياسي يمنحه قدرة على المساهمة في حماية الاستقرار الداخلي، ولا سيما في مرحلة حسّاسة قد تشهد تداعيات لأي تطورات أمنية أو إقليمية.

ومن هنا، فإن إشراكه في المشاورات لا يُقرأ كتراجع عن مشروع الدولة، بل باعتباره إدراكاً بأن بناء الدولة نفسها يمر عبر مؤسساتها الدستورية، لا عبر تجاوزها.

 الحكومة.. الحلقة التنفيذية في المعادلة الجديدة

لا تكتمل صورة إعادة بناء القرار اللبناني من دون السلطة التنفيذية التي تمثلها الحكومة.

فإذا كانت رئاسة الجمهورية تمثل موقع إدارة العلاقة مع الخارج، ورئاسة مجلس النواب تؤمن الغطاء التشريعي والسياسي، فإن الحكومة تبقى الجهة القادرة على ترجمة أي تفاهمات إلى إصلاحات وقرارات وبرامج عمل.

ومن هنا، فإن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بمدى الانسجام بين بعبدا وعين التينة، بل بقدرة الرئاسات الثلاث على الانتقال من تنسيق ظرفي إلى شراكة مؤسساتية واضحة.

 الجنوب.. الاختبار الأول

احتلت التطورات في الجنوب حيزاً أساسياً من البحث بين الرئيسين، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والخروقات الميدانية.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية أن يتبنى لبنان موقفاً رسمياً موحداً يربط أي ترتيبات مستقبلية بوقف الاعتداءات، واحترام الالتزامات المتبادلة، وتعزيز دور الدولة في إدارة الملف الأمني.

أما ما يُتداول في بعض الأوساط السياسية والإعلامية بشأن ترتيبات أو «مناطق تجريبية»، فيبقى حتى الآن ضمن إطار الطروحات غير المعلنة رسمياً، ما يستوجب التعامل معه بحذر إلى حين تبلور أي صيغة واضحة.

بين واشنطن والرياض وطهران

رغم الأجواء الإيجابية التي عكسها لقاء بعبدا، لا يبدو أن المرحلة دخلت بعد في إطار تسوية نهائية.

فقراءات سياسية عدة تشير إلى أن الرئيس بري لا يزال ينظر إلى مستقبل لبنان ضمن المشهد الإقليمي الأوسع، ويرى أن أي استقرار مستدام يحتاج إلى تقاطع بين القوى المؤثرة، ولا سيما واشنطن والرياض وطهران، بالتوازي مع مسارات الحوار الداخلية.

من تقارب بين شخصين إلى تقارب بين منطقين

قد يكون اختزال لقاء عون–بري باعتباره مجرد تقارب شخصي بين رئيسين قراءة ناقصة للمشهد.

فالواقع أن ما يجري يمثل محاولة للجمع بين منطقين مختلفين: منطق الدولة الذي يسعى الرئيس عون إلى تكريسه بعد عودته من واشنطن، عبر إعادة الاعتبار للمؤسسات والمرجعيات الرسمية.

ومنطق إدارة التوازنات الذي يمثله الرئيس بري بحكم موقعه وخبرته الطويلة في إدارة التعقيدات اللبنانية.

وإذا نجح هذان المنطقان في الالتقاء داخل إطار الدولة، فقد يمتلك لبنان فرصة حقيقية للانتقال من إدارة الأزمات إلى إنتاج القرار الوطني. أما إذا بقي التقارب محصوراً في ضبط الخلافات، فستظل قدرة الدولة على تنفيذ الاستحقاقات الكبرى محدودة.

 بداية مرحلة جديدة أم هدنة سياسية؟

يبقى من المبكر القول إن لبنان دخل مرحلة سياسية جديدة، لكن المؤشرات الحالية توحي بوجود محاولة جدية لإعادة بناء مرجعية القرار اللبناني من داخل المؤسسات الدستورية.

وسيكون نجاح هذا المسار مرتبطاً بقدرة الدولة على ترجمة التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية، وبقدرتها على إثبات أنها المرجعية الوحيدة في إدارة الملفات السيادية والإصلاحية والاقتصادية.

وعليه، فإن لقاء عون – بري لا يبدو مجرد محطة عابرة في روزنامة السياسة اللبنانية، بل قد يكون إحدى أولى حلقات إعادة تنظيم القرار الوطني بعد قمة واشنطن. فالمعركة المقبلة في لبنان لن تكون فقط حول شكل التسويات، بل حول الجهة التي ستملك القدرة على تحويلها إلى دولة فعلية.

All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • كأس العالم
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT