ميديوغوريه ما وراء الظهورات: قصة إيمان وشفاءات وحضور لبناني عابر للحدود
ميشيلا رزق
7/31/2026 4:20:33 PM
"أولادي الأحبّة، بينما يسودُ الظلامُ والقلقُ في قلوبِ الكثيرين، كونوا أنتم يا صغاري، صلاةً ويدَيَّ الممدودتَين بحُبّ... لأنّ الشيطانَ قويٌّ ويغوي القلوب."
تشكل هذه الكلمات جزءًا من أحدث رسالة شهرية تُنسب إلى السيدة العذراء عبر رائيي ميديوغوريه، والتي صدرت في 25 تموز.
بعد أيام قليلة فقط، اكتسبت هذه الرسالة وقعًا خاصًا بعدما أصبحت ميديوغوريه نفسها هدفًا لعمل تخريبي. فقد تعرّض تمثال للسيدة العذراء للتشويه بالطلاء الأسود، وطالت كتابات مسيئة أجزاء من المزار، فيما أُضرمت النار في جزء من المذبح الخارجي في كنيسة القديس يعقوب.
لكن الرعية لم تقابل الاعتداء بالغضب، بل دعت المؤمنين إلى الرد بالصلاة والمغفرة والمصالحة، وهي القيم التي عكستها رسالة شهر تموز بشكل واضح.
وأعاد هذا الحادث تسليط الضوء على القرية الصغيرة الواقعة في البوسنة والهرسك، والتي تحولت خلال أكثر من أربعة عقود إلى واحدة من أبرز وجهات الحج الكاثوليكية في العالم. ففي كل عام، يقصد ملايين الحجاج ميديوغوريه بحثًا عن التجدد الروحي، ومن بينهم آلاف اللبنانيين الذين نشأت بينهم وبين هذا المزار علاقة إيمانية عميقة.
لكن ما الذي يجعل ميديوغوريه تستمر في إلهام هذا القدر من الإيمان، ولماذا أصبحت محطة روحية ذات مكانة خاصة لدى عدد كبير من المسيحيين اللبنانيين؟
الاعتداء لم يكن عشوائيًا
بحسب الأب جو عيد، لم يكن الاعتداء فعلًا عشوائيًا أو صادرًا عن شخص غريب عن ميديوغوريه. فالمشتبه به كان في السابق من المتحمسين للظهورات المبلّغ عنها، وكان يزور موقع الحج البوسني سنويًا بين عامي 2016 و2024. وفي عام 2019، نظّم مسيرة حج سيرًا على الأقدام من وارسو إلى ميديوغوريه، ووثّق رحلته عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحت عنوان "عند أقدام العذراء"، وهي مبادرة حظيت باهتمام واسع في بولندا.
وأوضح الأب عيد أن التحول بدأ في نهاية عام 2024، عندما انخرط الرجل في ما وصفه بأنه مجموعة بروتستانتية متطرفة. وشدد على أهمية عدم الخلط بين هذه المجموعة والبروتستانتية ككل، مؤكدًا أن الاختلافات العقائدية بين الكاثوليك والبروتستانت لا علاقة لها بالتطرف.
وبحسب إفادات المشتبه به التي نقلتها السلطات بعد توقيفه، فقد أقنعته المجموعة بأن ظهورات ميديوغوريه ذات مصدر شيطاني، وأن تكريم السيدة العذراء يشكل عبادة للأصنام، وأن المسيح لا يرضى عن تكريمه لها.
"وباعتقاده أنه يكفّر عن خطأ روحي كبير أوهمه الآخرون بأنه ارتكبه، يُعتقد أنه أقدم على تنفيذ الاعتداء."
وقد وثّقت كاميرات المراقبة المشتبه به وهو يشعل النار في جزء من المذبح الخارجي في كنيسة القديس يعقوب، فيما تعرض أيضًا تلّ الظهور القريب بودبردو وموقع الصلاة عند الصليب الأزرق للتخريب. وتم التعرف عليه لاحقًا بالقرب من الحدود الكرواتية، حيث أوقفته السلطات البوسنية. ووفق المحققين، فقد اعترف بتأثره بالأفكار المتطرفة التي قادته إلى تنفيذ الاعتداء.
"هذه هي ميديوغوريه"
لكن بالنسبة إلى الأب عيد، فإن "قصة ميديوغوريه لم تُختصر بالاعتداء نفسه، بل بما حدث في صباح اليوم التالي. ففي غضون ساعات قليلة، اجتمع نحو 300 متطوع، من بينهم حجاج لبنانيون وسكان محليون، لإعادة ترميم المواقع التي تعرضت للأضرار."
وقال: "هذه هي ميديوغوريه."
عمل المتطوعون على إزالة الكتابات المسيئة عن جدران كنيسة القديس يعقوب، وإصلاح موقع الصلاة عند الصليب الأزرق، وترميم بودبردو، التل الذي شهد أولى الظهورات المبلّغ عنها.
وبالنسبة إلى الأب عيد، لم تكن المسألة يومًا مجرد إصلاح تماثيل أو مبانٍ.
"نحن لا نعبد التماثيل. إنها علامات مرئية تشير إلى إيماننا، وتكرّم عمل الله في حياة السيدة العذراء، وتذكّرنا بتضحية المسيح على الصليب."
وأضاف أن الاعتداء على تمثال لا يمكن أن ينال من جوهر هذا الإيمان.
"إيماننا أعمق بكثير من الخشب أو الحجر. من يهاجم هذه الرموز قد يهدف إلى الإساءة إلى معتقداتنا، لكنه لا يستطيع تدميرها."
ويرى الأب عيد أن طريقة التعامل مع الاعتداء جسّدت روح ميديوغوريه نفسها. فبدلًا من إدانة المعتدي، يعتقد أن السيدة العذراء كانت ستواجهه بالرحمة.
"يجب أن يأخذ القانون مجراه. لكننا نردّ على الكراهية بالمغفرة، لأن المغفرة وحدها تحررنا من الشر."
"أنا إحدى ثمار ميديوغوريه"
بالنسبة إلى الأب جو عيد، لا تكمن أهمية ميديوغوريه في الظهورات المبلّغ عنها فحسب، بل في الأثر الذي تركته في حياة الأشخاص الذين لامستهم رسالتها.
"المعجزة الأكبر ليست ظهورًا. المعجزة الحقيقية هي عندما يصل الإنسان محطمًا، ثم يغادر وقد أصبح شخصًا يحب ويغفر ويصلّي ويسعى لأن يكون إنسانًا أفضل."
تعرّف الأب عيد إلى رسالة ميديوغوريه من خلال قداس السلام في لبنان، ويقول إن هذه التجربة أعادته إلى المسيح، وأيقظت دعوته، وقادته في نهاية المطاف إلى الكهنوت.
ويقول:"أنا إحدى ثمار ميديوغوريه."
كل يوم، يستمع أكثر من 600 كاهن إلى اعترافات الحجاج في ميديوغوريه، مستقبلين أشخاصًا يبحثون عن التوبة والمصالحة. وسواء آمن الشخص بالظهورات المبلّغ عنها أم لم يؤمن، يرى الأب عيد أن الأهم هو الاستعداد للاعتراف بالضعف، وطلب المغفرة والعودة إلى الله.
ويكمن الإرث الأعمق للمزار في "ثماره": أشخاص يعيدون اكتشاف ذواتهم من خلال الصلاة، ويفحصون ضمائرهم، ويصلحون علاقاتهم، ويجدون هدفًا جديدًا في حياتهم.
"هناك شفاءات روحية، وشفاءات نفسية، وشفاءات إنسانية."
علاقة لبنان بميديوغوريه
كان لبنان من أوائل الدول التي احتضنت رسالة ميديوغوريه، إذ بدأت رحلات الحج المنظمة إليها نحو عام 2000، واستمر الحضور اللبناني القوي في هذا الموقع الروحي منذ ذلك الحين. واليوم، يرافق كهنة لبنانيون الحجاج بشكل منتظم إلى المزار، كما نشأت روابط وثيقة بين الكنيسة في لبنان ورعية ميديوغوريه.
لكن العلاقة بين لبنان وميديوغوريه تتجاوز حدود رحلات الحج.
بحسب الأب جو عيد، فإن إحدى أبرز السمات اللافتة في ميديوغوريه هي المكانة الخاصة التي يحظى بها القديس شربل.
وقال: "بعد السيدة العذراء، القديس شربل هو القديس الأكثر محبة بين الحجاج. حضوره هناك استثنائي."
ويروي أن الحجاج الأجانب كانوا يبادرون إلى الاقتراب من اللبنانيين فور رؤيتهم العلم اللبناني، طالبين بركتهم فقط لأنهم قادمون من أرض القديس شربل.
" قد لا يتمكنون من زيارة لبنان، لكن عندما يلتقون بالحجاج اللبنانيين، يشعرون بأنهم يلتقون بشيء من القديس شربل."
وأضاف، "تصل وأنت تحمل أعباء لبنان، ثم ترى مدى الحب العميق الذي يكنّه العالم للقديس شربل. إنه يجعلنا نرفع رؤوسنا من جديد."
من قرية هادئة إلى موقع حج عالمي
تقع ميديوغوريه بين تلال منطقة الهرسك الغربية، على بعد نحو 25 كيلومترًا جنوب غرب موستار، وكانت في السابق قرية زراعية هادئة معروفة بكرومها وحقول التبغ ومجتمعها الكاثوليكي المتماسك.
لكن كل شيء تغيّر في 24 حزيران 1981، عندما أفاد ستة أطفال محليون بأنهم رأوا امرأة تحمل طفلًا على تل بودبردو. ووفق شهاداتهم، عرّفت المرأة نفسها بأنها السيدة العذراء مريم، وفي الأيام التالية نقلت رسائل تمحورت حول السلام والصلاة والتوبة والصوم والمصالحة.
وعلى الرغم من أن ميديوغوريه أصبحت واحدة من أبرز وجهات الحج في العالم الكاثوليكي، فإن الكنيسة لم تعترف رسميًا حتى الآن بأن الظهورات المبلّغ عنها ذات طابع خارق للطبيعة.
وأوضح الأب عيد أن الفاتيكان يعتمد تقليديًا الانتظار إلى حين انتهاء الظهورات المزعومة قبل إصدار حكم نهائي، ما يسمح بدراسة الرسائل المبلّغ عنها وثمارها الروحية عبر الزمن.
لكن في أيلول 2024، أصدرت دائرة عقيدة الإيمان في الفاتيكان قرارًا يحمل عبارة Nihil Obstat("لا شيء يعترض الطريق")، اعترفت فيه بالثمار الروحية الكثيرة المرتبطة بميديوغوريه، وسمحت بالحج الرسمي والتعبد العلني، من دون أن تصل إلى حد تأكيد صحة الظهورات نفسها.
ويبقى للكاثوليك حرية الإيمان بالظهورات المبلّغ عنها أو عدم الإيمان بها، لكن الفاتيكان شجع المؤمنين على التركيز على الرسالة المستمرة لهذا الموقع: الصلاة، والتوبة، والسلام، وتعميق العلاقة مع المسيح.