بخصوص الكرامة والشعب العنيد…

ميشال طوق

8/1/2026 12:34:36 PM

لم يكن مسرح زياد الرحباني يومًا مجرّد مساحة للضحك أو للسخرية، بل كان، منذ بداياته، محاولةً لفهم لبنان، والإجابة عن السؤال الذي شغل اللبنانيين طويلًا: أين تكمن العلّة؟ أو، كما نقول في لغتنا اليومية، أين يكمن “التوك”؟ فمن خلال أعماله، لم يقدّم زياد شخصيات وحوارات ساخرة فحسب، بل رسم مسارًا فكريًا تطوّر مع السنوات، انتقل فيه من تشخيص المشكلة في مكان، إلى إعادة النظر فيها ووضعها في مكان آخر تمامًا.

بدأ هذا المسار عام 1973 مع مسرحية “سهرية”، التي لم تحمل بعد طرحًا سياسيًا واضحًا أو مباشرًا. كانت أقرب إلى تجربة فنية أولى، وإن حملت بعض النكات والإشارات التي توحي بأن فكرًا سياسيًا كان يتشكّل لدى زياد، إلا أنه لم يكن قد اتخذ ملامحه النهائية. لذلك بقيت المسرحية ضمن إطارها الفني، ولم تقدّم مضمونًا سياسيًا متكاملًا يمكن البناء عليه.
أما عام 1974، فشكّل التحوّل الحقيقي مع “نزل السرور”، وذلك قبل عام واحد من اندلاع الحرب اللبنانية. هنا بدأ زياد يضع يده على ما اعتبره جوهر الأزمة في لبنان: الطبقة السياسية والنظام القائم، سياسيًا واقتصاديًا. لم تكن المسرحية مجرّد قصة أو عرض كوميدي، بل قراءة لواقع اجتماعي يرزح تحت الفقر والتهميش وغياب العدالة. ومع ذلك، اعترف زياد لاحقًا بأن هذا العمل لم يكن بالمستوى الذي كان يطمح إليه، معتبرًا أن تجربته ووعيه في تلك المرحلة لم يكونا قد بلغا النضج الذي كان يسعى إليه.
وبعد أربع سنوات، عاد عام 1978 مع “بالنسبة لبكرا شو”، التي اقتربت أكثر من الواقع الاقتصادي والاجتماعي للبنانيين. لم تكن مسرحية سياسية بالمعنى المباشر، لكنها عكست معاناة الإنسان اللبناني: الفقر، والديون، وتدنّي الرواتب، واضطراره إلى البحث عن أكثر من مصدر دخل ليتمكن من الاستمرار. وبقيت المشكلة، في نظر زياد آنذاك، مرتبطة بالنظام الذي أنتج هذه الظروف.
ثم جاءت “فيلم أميركي طويل” عام 1980 لتشكّل محطة مفصلية في مسيرته الفكرية. فقد أصبحت المشكلة، في نظره، أكثر وضوحًا: لم تعد محصورة بالنظام، بل تجسّدت في الطبقة الحاكمة التي تحوّلت إلى طبقة من أمراء الحرب، تتحكم بالسياسة والاقتصاد والمجتمع والأمن. ومن خلال شخصية “الرشيد”، أوصل زياد فكرة مفادها أن الأزمة ليست في الشعب بقدر ما هي في من يمسكون بزمام القرار.
لكن التحوّل الأكبر ظهر في “شي فاشل” عام 1983، حيث بدأ يوجّه النقد إلى اللبنانيين أنفسهم. لم تعد العلّة مقتصرة على الزعماء، بل امتدّت إلى ثقافة المجتمع وسلوكياته، وإلى الصورة المثالية عن لبنان التي رأى أنها ابتعدت كثيرًا عن الواقع. حتى تجربة الأخوين رحباني لم تسلم من نقده، إذ اعتبر أن لبنان الذي قدّماه في أعمالهما يختلف عن لبنان الذي يعيشه الناس في حياتهم اليومية.
وبعد انتهاء الحرب اللبنانية، جاءت “بخصوص الكرامة والشعب العنيد”، ثم “لولا فسحة الأمل” بأجزائه الثلاثة، لتستكمل هذا المسار الفكري. لم يعد السؤال: من يحكم اللبنانيين؟ بل أصبح: كيف يعيش اللبنانيون؟ انتقد زياد الواسطة، والرشوة، والاستخفاف بالقانون، وثقافة “إنت عارف مع مين عم تحكي؟”، وكل السلوكيات اليومية التي تحوّلت، مع مرور الوقت، إلى جزء من الحياة العامة.

هكذا، انتقل زياد الرحباني من اعتبار أن مشكلة لبنان تكمن في الطبقة الحاكمة والنظام السياسي، إلى رؤية أكثر قسوة تقول إن الأزمة تكمن أيضًا في المجتمع نفسه، وفي علاقته بالدولة والقانون، وفي اقتناع كثيرين بأن التحايل على المؤسسات هو السبيل الوحيد للبقاء. إنها رحلة فكرية بدأت بمساءلة السلطة، وانتهت بمساءلة اللبنانيين أنفسهم.
All rights reserved. Copyrights © 2026 mtv.com.lb
  • أسرارهم أسرارهن
  • أخبار النجوم
  • سياسة
  • ناس
  • إقتصاد
  • فن
  • منوعات
  • رياضة
  • مطبخ
  • تكنولوجيا
  • جمال
  • مجتمع
  • محليات
  • إقليمي ودولي
  • من الصحافة
  • صحة
  • متفرقات
  • كأس العالم
  • ABOUT_MTV
  • PRODUCTION
  • ADVERTISE
  • CAREERS
  • CONTACT