الشيخ الصايغ: الفتن عابرة والحق باقٍ
8/2/2026 9:34:34 PM
صدر عن المرجع الروحي لطائفة الموحدين الدروز الشيخ أمين الصايغ الكلمة الآتية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَقِيقَةُ فِي زَمَنِ الضَّجِيج
( نداء اليقظة )
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْحَقَّ نُورًا لَا تُطْفِئُهُ الْفِتَنُ، وَجَعَلَ الْعَدْلَ مِيزَانًا لَا تَمِيلُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَهَدَى الْقُلُوبَ إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَأَوْدَعَ فِي الصُّدُورِ نُورَ الْبَصِيرَةِ وَالتَّمْيِيزِ.
قَدِ ابْتُلِينَا فِي هَذَا الْعَصْرِ بِمَنْ يَبِيعُ الْحَقَّ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، وَيَسْتَبْدِلُ بِهِ ضَجِيجًا لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي، فَتُشْتَرَى الْكَلِمَةُ وَتُبَاعُ النِّيَّةُ، وَيُتَاجَرُ بِالْمُقَدَّسِ فِي سُوقِ الْعَرَضِ الزَّائِلِ.
فَاعْلَمُوا يَا أَخَوَتِي أَنَّ مِيزَانَنَا هُوَ عَدَالَةُ اللَّهِ وَإِنْصَافُهُ، لَا أَهْوَاءُ الرِّجَالِ وَلَا حِسَابَاتُ اللَّحْظَةِ.
أَمَّا بَعْدُ،
لَيْسَ أَشَدَّ عَلَى الْأُمَمِ مِنْ زَمَنٍ تَخْتَلِطُ فِيهِ الْأَصْوَاتُ، حَتَّى يَلْتَبِسَ صَدَى الْبَاطِلِ بِنَبْرَةِ الْحَقِّ، وَتُصْبِحَ الْعُقُولُ نَهْبًا لِمَا يُقَالُ، لَا لِمَا يُبْرْهَنُ عَلَيْهِ، فَإِذَا ضَعُفَتِ الْبَصَائِرُ، لَبِسَتِ الْأَهْوَاءُ ثِيَابَ الْحِكْمَةِ، وَتَزَيَّنَتِ الْمَطَامِعُ بِزِينَةِ الْمَبَادِئِ، وَصَارَ النَّاسُ يُخَاصِمُونَ مِنْ أَجْلِ شِعَارَاتٍ لَا يَعْرِفُونَ مِنْ حَقِيقَتِهَا إِلَّا أَسْمَاءَهَا.
أَيُّهَا السَّائِرُ فِي دُرُوبِ الْحَيَاةِ، إِيَّاكَ أَنْ تَجْعَلَ قَلْبَكَ مَسْكَنًا لِكُلِّ عَابِرٍ، وَعَقْلَكَ مِرْآةً لِكُلِّ صُورَةٍ تُلْقَى إِلَيْهِ، فَإِنَّ النُّفُوسَ إِذَا لَمْ يَحْرُسْهَا نُورُ الْبَصِيرَةِ، تَدَاوَلَتْهَا الْأَيْدِي، كَمَا تَتَدَاوَلُ الرِّيَاحُ أَوْرَاقَ الْخَرِيفِ.
لَيْسَ الْحَقُّ مَا كَثُرَ قَائِلُوهُ، وَلَا الْبَاطِلُ مَا قَلَّ أَنْصَارُهُ، وَإِنَّمَا الْحَقُّ نُورٌ يَعْرِفُهُ الْقَلْبُ إِذَا تَحَرَّرَ مِنْ سُلْطَانِ الْهَوَى، وَسَلِمَ مِنْ أَسْرِ الْعَصَبِيَّةِ، وَأَخْلَصَ وِجْهَتَهُ لِلَّهِ، فَكَمْ مِنْ كَلِمَةٍ رَفَعَتْ رَايَةَ الْإِصْلَاحِ وَهِيَ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا بُذُورَ الْفُرْقَةِ، وَكَمْ مِنْ شِعَارٍ بُنِيَ عَلَى الْعَدْلِ، ثُمَّ اسْتَحَالَ فِي أَيْدِي أَصْحَابِهِ وَسِيلَةً لِلْغَلَبَةِ وَالْخُصُومَةِ.
فَلَا تَسْتَعْجِلِ الْأَحْكَامَ، فَإِنَّ الْكَلِمَةَ إِذَا خَرَجَتْ قَبْلَ أَوَانِهَا رُبَّمَا جَرَحَتْ بَرِيئًا، وَالظَّنُّ إِذَا اسْتَقَرَّ فِي الْقَلْبِ، أَعْمَى صَاحِبَهُ عَنْ رُؤْيَةِ الْإِنْصَافِ، وَمَا أَسْرَعَ النَّاسَ إِلَى تَصْدِيقِ مَا يُوَافِقُ مَيْلَهُمْ، وَمَا أَبْطَأَهُمْ فِي مُرَاجَعَةِ أَنْفُسِهِمْ إِذَا خَالَفَهُمُ الْحَقُّ.
إِنَّ طَالِبَ الْحَقِيقَةِ لَا يَسْأَلُ: مَنْ قَالَ؟ بَلْ يَسْأَلُ: هَلْ قَالَ حَقًّا؟
وَلَا يَجْعَلُ الرِّجَالَ مِيزَانًا لِلْحَقِّ، بَلْ يَجْعَلُ الْحَقَّ مِيزَانًا لِلرِّجَالِ، فَإِذَا اسْتَقَامَ الْمِيزَانُ اسْتَقَامَتِ الْأَحْكَامُ، وَإِذَا فَسَدَ الْمِيزَانُ ضَاعَتِ الْحَقِيقَةُ بَيْنَ صَخَبِ الْمُتَخَاصِمِينَ.
فَاحْفَظْ لِسَانَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَبًا يَهْدِمُ، وَاحْفَظْ قَلَمَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَقُودًا لِفِتْنَةٍ، وَاحْفَظْ قَلْبَكَ مِنْ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ الْهَوَى، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَعَ أَيِّ فَرِيقٍ كُنْتَ، وَإِنَّمَا يَسْأَلُهُ: أَيْنَ كَانَ عَدْلُكَ؟ وَأَيْنَ كَانَ صِدْقُكَ؟ وَأَيْنَ كَانَتْ أَمَانَتُكَ حِينَ اخْتَلَطَتِ السُّبُلُ؟
وَاذْكُرْ أَنَّ الْفِتَنَ عَابِرَةٌ، وَأَنَّ الْحَقَّ بَاقٍ، وَأَنَّ الْأَيَّامَ تَكْشِفُ مَا أَخْفَتْهُ الدِّعَايَاتُ، وَتُسْقِطُ الْأَقْنِعَةَ عَنِ الْوُجُوهِ، وَتُبْقِي مِنَ النَّاسِ مَنْ عَمَّرَ قَلْبَهُ بِالصِّدْقِ، لَا مَنْ عَمَّرَ صَوْتَهُ بِالْخُصُومَةِ.
فَكُنْ مِمَّنْ يُطْفِئُونَ النَّارَ، لَا مِمَّنْ يَنْفُخُونَ فِيهَا، وَمِمَّنْ يَجْمَعُونَ الْكَلِمَةَ، لَا مِمَّنْ يَبِيعُونَهَا فِي أَسْوَاقِ النِّزَاعِ، فَإِنَّ إِصْلَاحَ قَلْبٍ وَاحِدٍ، خَيْرٌ مِنْ كَسْبِ أَلْفِ خُصُومَةٍ، وَإِنَّ كَلِمَةَ عَدْلٍ فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ قَدْ يَكْتُبُ اللَّهُ بِهَا نَجَاةَ أُمَّةٍ.
اللَّهُمَّ يَا هَادِيَ الْحَائِرِينَ، وَنُورَ الْمُسْتَرْشِدِينَ، أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ، وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا مَيْلًا إِلَى ظُلْمٍ، وَلَا فِي أَلْسِنَتِنَا مَيْلًا إِلَى بُهْتَانٍ، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.
إِذَا اضْطَرَبَتْ فِي النَّاسِ أَمْوَاجُ الْفِتَنِ
فَاجْعَلْ هُدَى الرَّحْمٰنِ مَرْسَاكَ الْأَمِينَ
لَا تَتَّبِعِ الْأَصْوَاتَ حِينَ تَعَالَتْ
فَالْحَقُّ لَيْسَ يُقَاسُ بِالتَّأْيِيدِ وَالتَّهْوِينِ
زِنِ الْأُمُورَ بِعَقْلِ صِدْقٍ تَقِيٍّ
فَالْعَدْلُ أَسْمَى مَا يُشَادُ بِهِ الْيَقِينُ
وَاصْبِرْ، فَإِنَّ الصُّبْحَ يَفْضَحُ لَيْلَهُ
وَلِكُلِّ زُورٍ مَوْعِدٌ… وَلِلْحَقِّ تَمْكِينٌ
يَا أَخِي، إِذَا ضَجَّ النَّاسُ بِالْخُصُومَاتِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالْعَدْلِ، وَإِذَا تَعَصَّبُوا لِلْأَسْمَاءِ فَتَمَسّْك بالمَبَادِئِ، وَإِذَا تَسَابَقُوا إِلَى الِاتِّهَامِ، فَتَسَابَقْ إِلَى الْإِنْصَافِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْفَعُ مِنْ عِبَادِهِ أَكْثَرَ مِنْ رَجُلٍ جَعَلَ الْحَقَّ إِمَامَهُ، وَالرَّحْمَةَ خُلُقَهُ، وَالْعَدْلَ سَبِيلَهُ.
لَيْسَ كُلُّ مَا يُعْرَفُ يُقَالُ، صِرْنَا تَحْتَ أَنْظَارِ الْعَالَمِ، وَالْأَغْلَبُ بَدُّهُ يَسْتَثْمِرُ فِينَا دَاخِلِيًّا وَخَارِجِيًّا، وَلِلْأَسَفِ نَحْنَا مَا زِلْنَا عَمْ نَسْتَثْمِرُ بِبَعْضِنَا، لَكِنِ اطْمَئِنُّوا، الطَّائِفَةُ بَيْتٌ، وَالْبَيْتُ مَا بِيِتْأَجَّرُ.
وَبِيَبْقَى السُّؤَالُ الْأَبْرَزُ، بِرَسْمِ عُقُولِنَا: مَنِ الْمُسْتَفِيدُ؟
أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ الْحَقَّ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْفُسِنَا، وَأَنْ يَرْزُقَنَا جَمِيعًا شَجَاعَةَ الْإِنْصَافِ، وَحِكْمَةَ الصَّمْتِ حِينَ يَكُونُ أَصْلَحَ، وَشَجَاعَةَ الْكَلِمَةِ حِينَ تَكُونُ أَعْدَلَ. وَأَمَّا مَا قُلْتُهُ لَكُمْ فَهُوَ النُّصْحُ، وَمَا كَتَمْتُهُ فَأَمَانَةٌ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ فِيمَا عَزَّ وَهَانَ. وَالسَّلَامُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَقِيقَةُ فِي زَمَنِ الضَّجِيج
( نداء اليقظة )
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْحَقَّ نُورًا لَا تُطْفِئُهُ الْفِتَنُ، وَجَعَلَ الْعَدْلَ مِيزَانًا لَا تَمِيلُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَهَدَى الْقُلُوبَ إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَأَوْدَعَ فِي الصُّدُورِ نُورَ الْبَصِيرَةِ وَالتَّمْيِيزِ.
قَدِ ابْتُلِينَا فِي هَذَا الْعَصْرِ بِمَنْ يَبِيعُ الْحَقَّ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، وَيَسْتَبْدِلُ بِهِ ضَجِيجًا لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي، فَتُشْتَرَى الْكَلِمَةُ وَتُبَاعُ النِّيَّةُ، وَيُتَاجَرُ بِالْمُقَدَّسِ فِي سُوقِ الْعَرَضِ الزَّائِلِ.
فَاعْلَمُوا يَا أَخَوَتِي أَنَّ مِيزَانَنَا هُوَ عَدَالَةُ اللَّهِ وَإِنْصَافُهُ، لَا أَهْوَاءُ الرِّجَالِ وَلَا حِسَابَاتُ اللَّحْظَةِ.
أَمَّا بَعْدُ،
لَيْسَ أَشَدَّ عَلَى الْأُمَمِ مِنْ زَمَنٍ تَخْتَلِطُ فِيهِ الْأَصْوَاتُ، حَتَّى يَلْتَبِسَ صَدَى الْبَاطِلِ بِنَبْرَةِ الْحَقِّ، وَتُصْبِحَ الْعُقُولُ نَهْبًا لِمَا يُقَالُ، لَا لِمَا يُبْرْهَنُ عَلَيْهِ، فَإِذَا ضَعُفَتِ الْبَصَائِرُ، لَبِسَتِ الْأَهْوَاءُ ثِيَابَ الْحِكْمَةِ، وَتَزَيَّنَتِ الْمَطَامِعُ بِزِينَةِ الْمَبَادِئِ، وَصَارَ النَّاسُ يُخَاصِمُونَ مِنْ أَجْلِ شِعَارَاتٍ لَا يَعْرِفُونَ مِنْ حَقِيقَتِهَا إِلَّا أَسْمَاءَهَا.
أَيُّهَا السَّائِرُ فِي دُرُوبِ الْحَيَاةِ، إِيَّاكَ أَنْ تَجْعَلَ قَلْبَكَ مَسْكَنًا لِكُلِّ عَابِرٍ، وَعَقْلَكَ مِرْآةً لِكُلِّ صُورَةٍ تُلْقَى إِلَيْهِ، فَإِنَّ النُّفُوسَ إِذَا لَمْ يَحْرُسْهَا نُورُ الْبَصِيرَةِ، تَدَاوَلَتْهَا الْأَيْدِي، كَمَا تَتَدَاوَلُ الرِّيَاحُ أَوْرَاقَ الْخَرِيفِ.
لَيْسَ الْحَقُّ مَا كَثُرَ قَائِلُوهُ، وَلَا الْبَاطِلُ مَا قَلَّ أَنْصَارُهُ، وَإِنَّمَا الْحَقُّ نُورٌ يَعْرِفُهُ الْقَلْبُ إِذَا تَحَرَّرَ مِنْ سُلْطَانِ الْهَوَى، وَسَلِمَ مِنْ أَسْرِ الْعَصَبِيَّةِ، وَأَخْلَصَ وِجْهَتَهُ لِلَّهِ، فَكَمْ مِنْ كَلِمَةٍ رَفَعَتْ رَايَةَ الْإِصْلَاحِ وَهِيَ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا بُذُورَ الْفُرْقَةِ، وَكَمْ مِنْ شِعَارٍ بُنِيَ عَلَى الْعَدْلِ، ثُمَّ اسْتَحَالَ فِي أَيْدِي أَصْحَابِهِ وَسِيلَةً لِلْغَلَبَةِ وَالْخُصُومَةِ.
فَلَا تَسْتَعْجِلِ الْأَحْكَامَ، فَإِنَّ الْكَلِمَةَ إِذَا خَرَجَتْ قَبْلَ أَوَانِهَا رُبَّمَا جَرَحَتْ بَرِيئًا، وَالظَّنُّ إِذَا اسْتَقَرَّ فِي الْقَلْبِ، أَعْمَى صَاحِبَهُ عَنْ رُؤْيَةِ الْإِنْصَافِ، وَمَا أَسْرَعَ النَّاسَ إِلَى تَصْدِيقِ مَا يُوَافِقُ مَيْلَهُمْ، وَمَا أَبْطَأَهُمْ فِي مُرَاجَعَةِ أَنْفُسِهِمْ إِذَا خَالَفَهُمُ الْحَقُّ.
إِنَّ طَالِبَ الْحَقِيقَةِ لَا يَسْأَلُ: مَنْ قَالَ؟ بَلْ يَسْأَلُ: هَلْ قَالَ حَقًّا؟
وَلَا يَجْعَلُ الرِّجَالَ مِيزَانًا لِلْحَقِّ، بَلْ يَجْعَلُ الْحَقَّ مِيزَانًا لِلرِّجَالِ، فَإِذَا اسْتَقَامَ الْمِيزَانُ اسْتَقَامَتِ الْأَحْكَامُ، وَإِذَا فَسَدَ الْمِيزَانُ ضَاعَتِ الْحَقِيقَةُ بَيْنَ صَخَبِ الْمُتَخَاصِمِينَ.
فَاحْفَظْ لِسَانَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَبًا يَهْدِمُ، وَاحْفَظْ قَلَمَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَقُودًا لِفِتْنَةٍ، وَاحْفَظْ قَلْبَكَ مِنْ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ الْهَوَى، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَعَ أَيِّ فَرِيقٍ كُنْتَ، وَإِنَّمَا يَسْأَلُهُ: أَيْنَ كَانَ عَدْلُكَ؟ وَأَيْنَ كَانَ صِدْقُكَ؟ وَأَيْنَ كَانَتْ أَمَانَتُكَ حِينَ اخْتَلَطَتِ السُّبُلُ؟
وَاذْكُرْ أَنَّ الْفِتَنَ عَابِرَةٌ، وَأَنَّ الْحَقَّ بَاقٍ، وَأَنَّ الْأَيَّامَ تَكْشِفُ مَا أَخْفَتْهُ الدِّعَايَاتُ، وَتُسْقِطُ الْأَقْنِعَةَ عَنِ الْوُجُوهِ، وَتُبْقِي مِنَ النَّاسِ مَنْ عَمَّرَ قَلْبَهُ بِالصِّدْقِ، لَا مَنْ عَمَّرَ صَوْتَهُ بِالْخُصُومَةِ.
فَكُنْ مِمَّنْ يُطْفِئُونَ النَّارَ، لَا مِمَّنْ يَنْفُخُونَ فِيهَا، وَمِمَّنْ يَجْمَعُونَ الْكَلِمَةَ، لَا مِمَّنْ يَبِيعُونَهَا فِي أَسْوَاقِ النِّزَاعِ، فَإِنَّ إِصْلَاحَ قَلْبٍ وَاحِدٍ، خَيْرٌ مِنْ كَسْبِ أَلْفِ خُصُومَةٍ، وَإِنَّ كَلِمَةَ عَدْلٍ فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ قَدْ يَكْتُبُ اللَّهُ بِهَا نَجَاةَ أُمَّةٍ.
اللَّهُمَّ يَا هَادِيَ الْحَائِرِينَ، وَنُورَ الْمُسْتَرْشِدِينَ، أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ، وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا مَيْلًا إِلَى ظُلْمٍ، وَلَا فِي أَلْسِنَتِنَا مَيْلًا إِلَى بُهْتَانٍ، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.
إِذَا اضْطَرَبَتْ فِي النَّاسِ أَمْوَاجُ الْفِتَنِ
فَاجْعَلْ هُدَى الرَّحْمٰنِ مَرْسَاكَ الْأَمِينَ
لَا تَتَّبِعِ الْأَصْوَاتَ حِينَ تَعَالَتْ
فَالْحَقُّ لَيْسَ يُقَاسُ بِالتَّأْيِيدِ وَالتَّهْوِينِ
زِنِ الْأُمُورَ بِعَقْلِ صِدْقٍ تَقِيٍّ
فَالْعَدْلُ أَسْمَى مَا يُشَادُ بِهِ الْيَقِينُ
وَاصْبِرْ، فَإِنَّ الصُّبْحَ يَفْضَحُ لَيْلَهُ
وَلِكُلِّ زُورٍ مَوْعِدٌ… وَلِلْحَقِّ تَمْكِينٌ
يَا أَخِي، إِذَا ضَجَّ النَّاسُ بِالْخُصُومَاتِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالْعَدْلِ، وَإِذَا تَعَصَّبُوا لِلْأَسْمَاءِ فَتَمَسّْك بالمَبَادِئِ، وَإِذَا تَسَابَقُوا إِلَى الِاتِّهَامِ، فَتَسَابَقْ إِلَى الْإِنْصَافِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْفَعُ مِنْ عِبَادِهِ أَكْثَرَ مِنْ رَجُلٍ جَعَلَ الْحَقَّ إِمَامَهُ، وَالرَّحْمَةَ خُلُقَهُ، وَالْعَدْلَ سَبِيلَهُ.
لَيْسَ كُلُّ مَا يُعْرَفُ يُقَالُ، صِرْنَا تَحْتَ أَنْظَارِ الْعَالَمِ، وَالْأَغْلَبُ بَدُّهُ يَسْتَثْمِرُ فِينَا دَاخِلِيًّا وَخَارِجِيًّا، وَلِلْأَسَفِ نَحْنَا مَا زِلْنَا عَمْ نَسْتَثْمِرُ بِبَعْضِنَا، لَكِنِ اطْمَئِنُّوا، الطَّائِفَةُ بَيْتٌ، وَالْبَيْتُ مَا بِيِتْأَجَّرُ.
وَبِيَبْقَى السُّؤَالُ الْأَبْرَزُ، بِرَسْمِ عُقُولِنَا: مَنِ الْمُسْتَفِيدُ؟
أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ الْحَقَّ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْفُسِنَا، وَأَنْ يَرْزُقَنَا جَمِيعًا شَجَاعَةَ الْإِنْصَافِ، وَحِكْمَةَ الصَّمْتِ حِينَ يَكُونُ أَصْلَحَ، وَشَجَاعَةَ الْكَلِمَةِ حِينَ تَكُونُ أَعْدَلَ. وَأَمَّا مَا قُلْتُهُ لَكُمْ فَهُوَ النُّصْحُ، وَمَا كَتَمْتُهُ فَأَمَانَةٌ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ فِيمَا عَزَّ وَهَانَ. وَالسَّلَامُ.