إشهار وفاة الزعامة الاحتكارية
سامر زريق
8/4/2026 6:19:55 AM
تداعى النواب السنّة إلى عقد اجتماعين حضرهما الغالبية الساحقة منهم، للنقاش والاتفاق على خطوط عريضة في مشروع "قانون العفو العام"، تضمن إنصاف "المعتقلين السياسيين"، حظيت مخرجاتهما بتأييد طيف واسع من الشخصيات السياسية والدينية والاجتماعية. بيد أن أهمية الاجتماعين تتجاوز قضية العفو، وتشكل عنوانًا لحدث سياسي عميق الأثر، يمكن اعتباره بمثابة إعلان غير مباشر عن سقوط نموذج حكم الحياة السياسية السنيّة طوال أكثر من عقدين: نموذج الزعامة الاحتكارية.
للمرة الأولى منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري تنجح الغالبية الساحقة من النواب السنّة في إنتاج موقف سياسي وتشريعي موحد حول إدارة واحدة من أكثر القضايا حساسية وإثارة للانقسام، من دون وجود مرجعية فردية تملي القرار وفق حساباتها الشخصية والسياسية، أو تحتكر تمثيل السنة. وهذا بحد ذاته يضمر تحوّلا بنيويًا يؤسّس لمرحلة مختلفة تمامًا مع الانتقال من "شرعية الزعيم" إلى "شرعية التوافق".
إنه طلاق بائن مع نموذج اعتادت عليه الحياة السياسية، السنيّة خصوصًا، حيث كان هناك زعيم يقرر، فيما يلتزم الآخرون، لتتحول المؤسسات والنواب إلى امتداد لقرار سياسي يصدر من مركز واحد. أما اليوم فتتشكل للمرة الأولى صيغة تقوم على التشاور والتوافق وإنتاج القرار بصورة جماعية، بما يشبه مجلسًا سياسيًا غير معلن أكثر منه هرمية تقليدية تدور حول شخص واحد.
ولعلّ أكثر ما يضفي على هذا التحوّل دلالاته العميقة أنّه جاء في أكثر الملفات حساسية: قضية "المعتقلين السياسيين"، وفي القلب منها قضية الشيخ أحمد الأسير. فهذا الملف استُخدم طوال سنوات أداةً للاستقطاب والفرز، ومادةً للمزايدات والشعبويات، من دون أن يُصار إلى تحويله إلى قاعدة لبناء موقف جامع. أمّا اليوم، فقد تمكّن النواب من تجاوز خلافاتهم، وشكّلوا لجنة مصغّرة لصياغة رؤية موحّدة، قبل الذهاب بها إلى رئيس مجلس النواب للاتفاق على المسار التشريعي من موقع قوّة، ليس بوصفه رئيسًا للسلطة التشريعية فحسب، بل لكونه أحد أبرز صنّاع التسويات الكبرى في البلد.
آلية العمل هذه، التي تُعدّ ألف باء العمل المؤسّساتي، أوصلت، في نهاية المطاف، إلى اعتماد رئيس مجلس النواب نبيه بري التعديلات المتوافَق عليها في قضية "المعتقلين السياسيين". لكنّ قيمتها الحقيقية ترتبط بالمسار الذي أنتجها، والذي يؤسّس لنمط جديد في صناعة القرار السياسي السنّي خاصة، يرتكز على التشاور، وبناء التوافق، وصياغة الموقف بين ممثّلي الإرادة الشعبية بصورة جماعية، لا على قاعدة الإرادة الفردية.
وبالتالي، فإن دلالات الاجتماعين تتجاوز حدود الاستحقاق المتصل بالعفو العام. فتشكيل لجنة صياغة من النواب، والعمل على بلورة رؤية مشتركة، ثم الذهاب بها باسم أكثرية سنيّة واسعة إلى رئيس المجلس النيابي، تعكس انتقالا من ردود الفعل المتفرقة إلى العمل المؤسساتي المنظم. وهذا التطوّر يمكن البناء عليه ليطال التعيينات والإصلاحات والاستحقاقات الوطنية والسياسية الكبرى.
وسط محاولات لا تنتهي لإظهار أن المشكلة تكمن في غياب الزعامة، ونتيجة ما زرعته في التربة من أفكار وشخصيات، ظهرت حالة تتسم بالتصحّر على المستوى الجمعي، نحت الطائفة إلى منطق الارتجال، والأنماط الفردية المفرطة، والجزر السياسية المتنافرة، فيما أصل الأزمة هو تحويل طائفة ذات إرث تاريخي وسياسي عريقين إلى رهينة لوجوده، فإن أهمية هذا المشهد تكمن في إعادة ضبط التوازنات داخل بنية النظام، والتمهيد لإعادة تشكيل آليات القيادة في لبنان، حيث يمكن أن يكون التوافق الأفقي بين النواب بديلا أكثر مرونة من الزعامة العامودية، ليشكل نموذجًا أكثر قدرة على التكيّف مع التحولات الجارية، وتراجع الأحاديات لمصلحة الشراكات السياسية والتحالفات الموسعة.
هذا التطوّر يشكّل مؤشّرًا حيويًا على بدء تحرّر الساحة السنّية من إسار الزعيم الأوحد، والخروج من الشرنقة التي احتجزت قرارها في مركز واحد، لتقترب من إشهار وفاة نموذج الزعامة الاحتكارية الذي أثقل كاهلها، والانتقال من احتكار القيادة إلى إعادة تعريفها على قاعدة تشاركية، لتصبح المرجعية هي التوافق نفسه، على حساب أيّ شخصية يمكن أن تخال نفسها مركز الدائرة. وحينما تتوافر الإرادة، يصبح النواب قادرين على التوحّد وبناء موقف صلب بلا زعيم.