رياض سلامة... عندما ينتصر الزمن للعدالة
عمر حرفوش
8/4/2026 6:28:21 AM
من اليمين وليام بوردون محامٍ ومؤسّس "شيربا" وعمر حرفوش الشريك في "نداء الوطن" والقاضية غادة عون وناتالي غوليه عضو مجلس الشيوخ الفرنسي. الصورة في حزيران 2023، خلال مؤتمر للاتحاد الأوروبي في بروكسل لمحاربة الفساد في لبنان
كلّنا نتذكّر مشاهد انتفاضة اللبنانيين، والانهيار الاقتصادي الذي دمّر البلاد، وسرقة جنى أعمار مئات آلاف المودعين، من اللبنانيين المقيمين والمغتربين، وحتى من المستثمرين الأجانب الذين وثقوا بالنظام المصرفي اللبناني على مدى عقود.
وتبيّن، مع مرور السنوات، أنّ ما جرى لم يكن مجرّد أزمة مالية، بل كان نظامًا وصفه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأنّه أشبه بـ"مخطّط بونزي". وبعد سنوات من التحقيقات في لبنان وأوروبا، وما رافقها من إجراءات قضائية، أصبح حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة موقوفًا في لبنان، كما يواجه ملاحقات وطلبات توقيف دولية صادرة في إطار تحقيقات أوروبية، من بينها في فرنسا.
لكن، قبل أن تصل الأمور إلى هذه المرحلة، نتذكّر جميعًا مشهدًا آخر.
نتذكّر القاضية الشجاعة غادة عون وهي تقود مداهمات قضائية لكشف ما كانت تعتبره عمليات تهريب غير مشروعة لمليارات الدولارات إلى الخارج. نتذكّر كيف كانت تتحرّك بإمكانات محدودة، وكيف تعرّضت لحملات سياسية وإعلامية وقضائية عنيفة، وكيف رفض كثيرون الوقوف إلى جانبها. بل إنّ بعض المؤسسات امتنعت عن مواكبة تحرّكاتها، فيما انهالت عليها الاتهامات وحملات التشويه.
كنت من أوائل اللبنانيين الذين وقفوا إلى جانب القاضية غادة عون، لا دفاعًا عن شخصها، بل دفاعًا عن مبدأ مكافحة الفساد. وتشرّفت باستضافتها مع السيناتور الفرنسية ناتالي غوليه في مؤتمرات عدّة، من بينها مؤتمر في مجلس الشيوخ الفرنسي، ثم في البرلمان الأوروبي. كما عرّفتها إلى المحامي الفرنسي ويليام بوردون، مؤسّس منظمة "شيربا"، المعروفة دوليًا بعملها على ملاحقة الأموال غير المشروعة واستردادها لمصلحة الشعوب.
وقد لعبت "شيربا" دورًا بارزًا في ملفات دولية عديدة، من بينها ملاحقة مسؤولين سابقين في أفريقيا. كما شاركت في الإجراءات التي انتهت بإدانة رفعت الأسد في فرنسا ومصادرة أصوله، قبل أن تقرّر السلطات الفرنسية تخصيص جزء من تلك الأموال لمصلحة الشعب السوري.
على مدى سنوات، تعاونت مع شخصيات قانونية وحقوقية دولية، لا بدافع سياسي، بل لأنني، كمواطن لبناني، كنت أؤمن بأنّ العدالة لا يمكن أن تقوم إلّا إذا قيلت الحقيقة، مهما كان الثمن.
وكان الثمن باهظًا.
تعرّضت، كما تعرّضت القاضية غادة عون والمحامي ويليام بوردون، وحتى بعض القضاة الفرنسيين الذين تولّوا هذه الملفات، لحملات تشويه واتهامات وافتراءات استمرّت سنوات. وفي إحدى المداهمات التي أجرتها السلطات الفرنسية، ضمن التحقيقات المتعلّقة برياض سلامة، كشفت التحقيقات عن مستندات تتعلّق بمبالغ كبيرة قيل إنّها خُصّصت لخدمات مرتبطة بإدارة السمعة، وهو ما عكس حجم الأموال التي كانت تُصرف في معارك الصورة والإعلام، بالتوازي مع المعارك القضائية.
لكنّ العدالة تحتاج إلى وقت.
قد يُعطَّل قاضٍ، أو تُشوَّه سمعته، أو يُبعَد عن ملف، كما حصل مع القاضية غادة عون، لكنّ الحقيقة لا تسقط بالتقادم. واليوم، مع استمرار عمل القضاء اللبناني، وتولّي قضاة آخرين متابعة الملفات، نرى أنّ مسار العدالة لم يتوقّف، بل استمرّ حتى وصل إلى ما وصل إليه اليوم.
لا أكتب هذه الكلمات شماتةً بأحد، ولا رغبةً في الانتقام.
بل على العكس، أتمنّى لرياض سلامة، نظرًا إلى تقدّمه في السن، أن يحصل على جميع حقوقه القانونية والإنسانية، وأن يُحاكَم محاكمةً عادلة، وأن يعود إلى منزله عندما يسمح القانون بذلك. فالعدالة ليست انتقامًا، بل هي احترام للقانون وكرامة الإنسان في آنٍ واحد.
لكنّ ما لا يمكن تجاهله هو الرمزية.
أن يمثُل حاكم مصرف لبنان السابق أمام القضاء، بعد سنوات كان كثيرون يعدّون فيها ذلك مستحيلا، هو رسالة إلى جميع اللبنانيين بأنّ أحدًا ليس فوق القانون، وأنّ الزمن قد يتأخّر، لكنّه لا يلغي الحقيقة.
كما أنّها مناسبة لأتذكّر كلّ الذين صدّقوا حملات التضليل، وهاجموا كلّ مَن طالب بالحقيقة، فيما كان بعض الشرفاء يدفعون أثمانًا شخصية ومهنية كبيرة.
وأقولها بكلّ صدق: أكبر ضحية لهذه الحملات لم أكن أنا، بل كانت القاضية غادة عون.
لقد عرفتها عن قرب. رأيت تواضعها وبساطتها ونزاهتها. عندما كانت تأتي إلى فرنسا للمشاركة في المؤتمرات، كانت تسافر على الدرجة السياحية، وتقيم لدى الرهبان، لأنّها لم تكن تريد أن تتحمّل أيّ نفقات إضافية. تلك الصورة الإنسانية تختصر، بالنسبة إليّ، الكثير من المعاني، بعيدًا عن كلّ السجالات السياسية.
أمّا أنا، فما زلت حتى اليوم أواجه آثار تلك الحملات. وما زالت هناك دعاوى رفعتها ضدّ وسائل إعلام وصحافيين بسبب ما نُشر في حقّي، وبعضهم لا يزال يتغيّب عن جلسات المحاكمة، فيما يقدّم نفسه إلى الرأي العام بوصفه نموذجًا للنزاهة ومحاربة الفساد.
لذلك، أتمنّى أن تُحسم هذه القضايا سريعًا، لا انتقامًا من أحد، بل لأنّ العدالة يجب أن تكتمل، ولأنّ الافتراء، مهما طال عمره، لا يمكن أن يصبح حقيقة.
في النهاية، يبقى إيماني كما كان دائمًا: قد ينتصر النفوذ لفترة، وقد ينجح المال في شراء الوقت، لكن لا المال ولا السلطة يستطيعان إلغاء الحقيقة إلى الأبد.
فالحقّ يبقى... والعدالة، مهما تأخّرت، تصل.